بسم الله الرحمن الرحيم
صحيفة العماد
دينية * سياسية * مستقلة
الفارين من الصومال ُي
ستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيلتُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين وثيقتها حول حقوق المهاجرين
إسبانيا والمغرب تُسيئان للأطفال المهاجرين
الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون
فرنسا : القضاء يخذل ضحايا وحشية الشرطة
تقرير يبحث في ملابسات وفاة ثلاثة من المحتجزين في سجن قاعدة غوانتانامو
بريطانيا:احتجاز المواطنين الأجانب لأجل غير مسمىً دون اعتبار لحقوق الإنسان الأساسية
إساءة الولايات المتحدة معاملة المعتقلين
يجب التحقيق مع رامسفيلد وتينيت في تعذيب القوات الأميركية للسجناء
الأردن: اتفاقية الحصانةغير المشروعة مع الولايات المتحدة الأمريكية
ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال
ُيستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل
June 17, 2010
قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الشرطة الكينية على الحدود الصومالية وفي مخيمات اللاجئين القريبة تسيئ معاملة ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال التي تمزقها الحرب. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على كينيا أن تسيطر فوراً على قوات الشرطة الكينية المسيئة، وأن تزيد وكالة الأمم المتحدة للاجئين من مراقبتها ورصدها للوضع وأن تضغط من أجل وضع حد للانتهاكات.
بناء على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ، يوثق تقرير "مرحباً بكم في كينيا: إساءة معاملة الشرطة للاجئين الصوماليين"، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون بلوغ ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظل أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة بالخطأ على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من رجال ونساء وأطفال على حد سواء، للحصول منهم على نقود. وفي بعض الحالات، قام عناصر من الشرطة باغتصاب النساء. وفي مطلع عام 2010 وحده، أعيد مئات وربما الآلاف من الصوماليين غير القادرين على الوفاء بالابتزاز، إلى الصومال، في خرق بيّن للقانونين الكيني والدولي.
وقال جيري سيمسون، باحث شؤون اللاجئين في هيومن رايتس ووتش وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفر من الفوضى والدمار في الصومال، الأغلبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات موجزة". وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات، يواجه بعض اللاجئين العنف من الشرطة وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي من قبل لاجئين آخرين وأشخاص كينيين".
العشرات من ملتمسي اللجوء من بين ما يُقدر عددهم بأربعين ألف صومالي ممن عبروا الحدود الكينية المغلقة رسمياً بالقرب من المخيمات خلال الشهور الأربعة الأولى، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة تتجاهل استجدائهم إياها بالمرور المجاني من الحدود. وتطالبهم الشرطة بالنقود وقامت بترحيل بعضهم واحتجاز وضرب وتزوير الاتهامات للبعض، بتهمة التواجد غير القانوني إذا لم يتمكنوا من الدفع. ووصف عامل بمساعدة اللاجئين من كينيا كيف أن عمل الشرطة بين الحدود وغاريسا - العاصمة الإقليمية - "آلة عملاقة لتوليد النقود".
"مرحباً بكم في كينيا" يوثق أيضاً كيف أن خطر اعتراض الشرطة للأفراد وما يتعلق به من انتهاكات، يجبر أغلب ملتمسي اللجوء على السفر نحو المخيمات في دروب ضيقة بعيداً عن الطريق الأساسي. وهؤلاء يصبحون عرضة لهجمات المجرمين، الذين يسرقونهم ويغتصبون النساء ويسرقون النقود القليلة التي معهم.
وما إن يصلوا المخيمات، يستمر اللاجئون في التعرض لعنف الشرطة، طبقاً للتقرير. وقد أخفقت الشرطة في منع العنف الجنسي والتحقيق فيه ومقاضاة المسؤولين عنه، بحق النساء والفتيات اللاجئات في المخيمات، على يد لاجئين آخرين وكينيين، مما يؤدي لخلق مناخ من الإفلات من العقاب ويزيد من عنف التعرض للعنف الجنسي.
كما يتناول التقرير السياسة غير القانونية التي تنتهجها كينيا بحظرها على أغلب اللاجئين المسجلين في المخيمات الانتقال إلى أجزاء أخرى من كينيا، ما لم يكن معهم تصريح خاص فيه أسباب من قبيل العلاج الطبي أو التعليم في نيروبي. وبموجب القانون الدولي، فعلى كينيا أن تبرر أي حظر أو تقييد على اللاجئين وعلاقته بحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة، وهو ما أخفقت في الوفاء به حتى الآن. وفي عام 2009 سمحت السلطات لستة آلاف شخص فقط من تعداد اللاجئين بداداب البالغ 300 ألف شخص، بالسفر إلى خارج المخيمات المزدحمة سيئة الأوضاع.
ويوثق التقرير كيفية اعتقال الشرطة للاجئين الذين يتنقلون دون "تصاريح التنقل" الصادرة عن الحكومة - ومن معهم التصريح أيضاً، بشكل متزايد - وتبتزهم من أجل الحصول على النقود، وأحياناً ما يتم نقلهم إلى المحكمة في غاريسا، حيث يُغرّمون أو يُحالون على السجن.
تقرير "مرحباً بكم في كينيا" يقول بأن الطبيعة المنظمة لآليات ابتزاز الشرطة وانتهاكاتها - التي تمتد مسافة 200 كيلومتر من بلدة ليبوي الحدودية إلى بلدة داداب ثم غاريسا - هي النتيجة المباشرة لقرار كينيا الصادر منذ ثلاث سنوات بغلق الحدود. وقالت هيومن رايتس ووتش إن إغلاق مركز تحويل اللاجئين في ليبوي، 15 كيلومتراً من الحدود وعلى مسافة 80 كيلومتراً من المخيمات، لم يؤد إلا لتدهور الأمور.
وقبل الإغلاق، كان مركز تحويل ليبوي مكان آمن يجد فيه أغلب ملتمسو اللجوء الصوماليون أول ملاذ آمن للجوء في كينيا، ومنه تنقلهم وكالة الأمم المتحدة للاجئين - المفوضية السامية لشؤون اللاجئين - إلى المخيمات. ودون المركز، فإن ما يُقدر بثلاثمائة ألف صومالي فروا من بلدهم إلى كينيا منذ يناير/كانون الثاني 2007 - نصفهم ذهبوا إلى المخيمات - يضطرون لاستخدام المهربين لنقلهم عبر الحدود. وتستغل الشرطة هذه الطبيعة العشوائية والخطيرة لرحلتهم، وتتهمهم زوراً بالدخول غير القانوني للبلاد وتهددهم بالاعتقال إذا لم يدفعوا النقود التي تطلبها الشرطة.
وبموجب قانون اللاجئين الكيني، فجميع ملتمسي اللجوء أمامهم مهلة 30 يوماً بعد دخول كينيا للانتقال إلى أقرب سلطة للاجئين للتسجيل كلاجئين، بغض النظر عن كيفية دخولهم البلاد أو متى دخلوها. لكن الشرطة تتجاهل بشكل ممنهج هذا الحق. وفي تكرار لتوصيات هيومن رايتس ووتش للسلطات الكينية الواردة في تقريرها "من الرعب إلى اليأس" الصادر في مارس/آذار 2009، يعيد التقرير الجديد التأكيد على دعوته السلطات بفتح مركز جديد في ليبوي حيث يمكن التعامل مع ملتمسي اللجوء الوافدين حديثاً وحيث يمكنهم الاعتماد على المركز الجديد كنقطة آمنة مؤقتة ينتقلون منها إلى المخيمات.
وقال جيري سيمسون: "لأكثر من ثلاث سنوات لم تفد الحدود المغلقة أي أحد إلا ضباط الشرطة الفاسدين، وأدت إلى إساءات لا حصر لها ضد المئات، إن لم يكن الآلاف، من ملتمسي اللجوء". وأضاف: "على كينيا أ، تضمن المرور الآمن والحماية للاجئي الصومال المعرضين للضرر".
وللحكومة الكينية بواعث قلق أمنية فعلية على صلة بالنزاع في الصومال، لكن خطابها السياسي ضد الصومال لم يؤد إلا لتعزيز سلوك الشرطة المسيئ، على حد قول هيومن رايتس ووتش. ملتمسو اللجوء يقولون إن الشرطة تتهمهم بالانتماء إلى جماعة المتمردين الصومالية الشباب أو القاعدة، أو أنهم "إرهابيين" قبل إجبارهم على العودة في الصومال، في بعض الحالات. وبناء على ثماني حالات بالإعادة الجبرية للصومال، بحق 152 شخصاً حققت فيها هيومن رايتس ووتش ووثقتها أثناء بحثها في مارس/آذار، تعتقد هيومن رايتس ووتش إنه من المرجح أن الشرطة أعادت المئات - إن لم يكن الآلاف - من الصوماليين إلى بلدهم في مطلع عام 2010 فقط.
ويحظر القانون الدولي الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يتعرضون للاضطهاد أو التعذيب أو حالة عنف معممة. ورغم أن كينيا لها الحق في منع بعض الأفراد من دخول كينيا أو الإقامة فيها - ومنهم من يُرون على أنهم تهديد لأمنها القومي، مثل أعضاء الشباب - فليس من حقها أن تغلق حدودها في وجه ملتمسي اللجوء. القانون الدولي يحظر أيضاً على السلطات ترحيل ملتمسي اللجوء إلى الصومال دون أن تسمح لهم أولاً بتقديم طلبات اللجوء.
وقال جيري سيمسون: "الشرطة تقول إنها تحمي كينيا من الإرهابيين وإنها تطبق قوانين الهجرة، عندما تعترض اللاجئين". وأضاف: "لكن في واقع الأمر فهي تبتز الصوماليين كي يدفعوا النقود مقابل المرور عبر نقاط التفتيش ومقابل عدم التعرض للاحتجاز، مما يوحي باهتمامهم بملء الجيوب أكثر من حماية الحدود".
ويدعو التقرير وكالة الأمم المتحدة للاجئين إلى تحسين آلياتها الخاصة بالمراقبة والضغط لدى السلطات، وأن تجري زيارات أكثر لمراكز الشرطة القريبة من الحدود، وفي بلدتي داداب وغاريسا.
وفيما يخص العنف الجنسي، قال الضحايا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة إما تتجاهل شكاواهم، أو تطلب منهم توفير الأدلة، أو تكف عن متابعة القضايا فجأة دون إبداء أسباب. وفي الحالات النادرة التي تقبض فيها الشرطة على المعتدين المزعومين، عادة ما يتم الإفراج عن المشتبه به خلال ساعات أو أيام، مع أقل الأمل في المزيد من الاستجواب أو المحاسبة. الكثير من النساء يعتقدن أن من اعتدوا عليهن قاموا برشوة الشرطة من أجل وقف التحقيقات أو إخراجهم من الحبس.
وقالت هيومن رايتس ووتش إنه رغم التحسنات التي طرأت منذ مطلع التسعينيات، فإن الرد الحكومي على العنف الجنسي في المخيمات أخفق بسبب قلة عدد رجال الشرطة في المخيمات الذين لديهم مهارات تحقيق في الجرائم، وبسبب عدم كفاية الإشراف على رجال الشرطة الذين يباشرون القضايا.
وقالت ميغان رود، الباحثة بقسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش، وكتبت الجزء المتعلق بالعنف الجنسي من التقرير: "بعد عشرين عاماً تقريباً من وجودها، ما زالت المخيمات مكاناً الإنصاف والعدالة فيه لضحايا الاغتصاب هو الاستثناء على القاعدة، والإفلات من العقاب هو القاعدة". وأضافت: "النساء والفتيات اللاجئات اللاتي يبلغن الشرطة بشجاعة عن العنف الجنسي يستحققن ما هو أفضل من هذا".
"إن جبين
عالمنا يندى لهذه الأزمة الصامتة لحقوق الإنسان ... فالمهاجرون جزء من الحل وليس
المشكلة. ولا يجوز تحويلهم إلى كبش فداء لمجموعة واسعة من العلل الاجتماعية".
كوفي عنان في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي، 29 يناير/كانون الثاني 2004
العمال المهاجرون بشر
تُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين لهذا
العام وثيقتها التمهيدية الشاملة الأولى حول حقوق المهاجرين
في كل عام يموت آلاف الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى دول أخرى. ويواجه العديد
من الذين يفدون إلى دولة جديدة مزيداً من الانتهاكات والاستغلال على أيدي
المهربين وأصحاب العمل والموظفين الرسميين المجردين من الضمير. وغالباً ما يُحرم
أولئك الذين يفتقرون إلى الوضع الرسمي وحماية القانون من حقوق الإنسان الأساسية
ويُكتب عليهم العيش والعمل في أوضاع فظيعة ومهينة.
وتقدم مطبوعة منظمة العفو الدولية هذه التي تحمل عنوان العيش في الظل : مدخل إلى
الحقوق الإنسانية للمهاجرين، لمحة عامة عن حقوق المهاجرين. وتبين كيف أن السياسات
والممارسات الحكومية ينبغي أن تحمي الحقوق الإنسانية للمهاجرين في جميع مراحل
دورة الهجرة. وتسلط الضوء على بعض انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها العديد من
المهاجرين وتحدد أجندة للقيام بحملات من أجل حقوق المهاجرين. وحقوق المهاجرين هي
حقوق إنسانية وينبغي على الحكومات والمجتمعات وأصحاب العمل والأفراد بذل المزيد
للتمسك بها وحمايتها.
وبوصفهم أجانب، يتعرض المهاجرون بصورة متزايدة للتمييز والعنصرية وكراهية الأجانب
وسوى ذلك من أشكال التحيز. وتشمل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها
العمال المهاجرون الامتناع بصورة روتينية عن دفع أجورهم، ومصادرة جوازات سفرهم أو
بطاقات إثبات شخصيتهم من جانب أصحاب عملهم، وتوجيه الشتائم إليهم وإيذاؤهم جسدياً
من جانب أصحاب عملهم وعدم حصولهم على السكن والمرافق الصحية المناسبة. كذلك
يواجهون التوقيف والاعتقال التعسفيين في أوضاع غالباً ما تتسم بالسوء. وفي الوقت
ذاته، يعيش كثيرون منهم في خوف دائم من الطرد من البلد الذي يعملون فيه، غالباً
بدون إتاحة فرصة لهم لتقديم استئناف. وبشكل خاص تتعرض النساء، اللاتي يشكلن قرابة
خمسين بالمائة من العمال المهاجرين للاستغلال، بما في ذلك العنف الجنسي. كذلك
يتعرض الأطفال بشدة، وبخاصة عندما يكونون بمفردهم، للاستغلال ويُرغمون أحياناً
على القيام بأسوأ أنواع العمالة، بما في ذلك الدعارة القسرية أو تهريب المخدرات
أو التجنيد في القوات المسلحة أو العمل المنـزلي في أوضاع أشبه بالعبودية.
وبسبب وضعهم غير المستقر، يظل العديد من العمال المهاجرين معرضين للغاية
لانتهاكات حقوق الإنسان من أصحاب عملهم والدول المضيفة وغالباً ما يخشون جداً
الشكوى من أوضاعهم. وإذا فعلوا ذلك، يُحتمل أن يطردهم رب عملهم، وإذا لجئوا إلى
الدولة، فقد يتم ترحيلهم من البلاد.
وغالباً ما يصف بعض السياسيين ووسائل الإعلام المهاجرين بأنهم مجرمون ويشكلون
عبئاً اقتصادياً وخطراً أمنياً وحتى خطراً على الصحة العامة. لكن الحقيقة هي أن
اقتصاديات عديدة باتت تعتمد على المهاجرين المستعدين للعمل في أعمال قذرة ومهينة
وخطرة لا تتضمن إلا القليل من الأمان وبأجور زهيدة. وتشغِّل الآن هذه القوة
العاملة غير المعترف بها والمحرومة من التقدير والشأن جزءاً ملموساً من الاقتصاد
العالمي. ويُنظر إلى العامل المهاجر بصورة متزايدة كسلعة أو وحدة عمل، "كمقدم
مؤقت للخدمات" يمكن نقله ذهاباً وإياباً حول العالم بحسب الأهواء. وتفتقر هذه
المقاربة إلى أي اعتراف بالحقوق الإنسانية للعامل المهاجر.
وهناك جزء واسع من القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان يكفل الحقوق
الإنسانية للمهاجرين. بيد أن المشكلة هي أن الحكومات وسواها تفتقر إلى الإرادة
السياسية لترجمة هذه الضمانات إلى تدابير عملية وحقيقية. وثمة حاجة لاتخاذ إجراءات
بغية تحويل الحقوق الواردة في المعايير الدولية إلى حقيقة واقعة بالنسبة للمهاجرين
الأفراد. وفي صميم الأجندة المقترحة لمنظمة العفو الدولية للقيام بحملة من أجل حقوق
المهاجرين دعوة لمعاملة جميع المهاجرين على نحو يحترم بالكامل حقوقهم وكرامتهم
الإنسانية.
إساءات إسبانيا والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم
في هذا المكتب تجرى عمليات سرقة و أنتزاع الأطفال المغاربة من ذويهم و تتم عمليات الخداع و الضغط على الامهات للتنازل عن اولادهن
هذا المكتب الذي طردنا منه حينما دافعنا عن حقوق الامهات في الأحتفاظ اولمتابعة اولادهن
هنا تجرى عمليات أجبار الامهات و الضغط عليهن و خداعهن للتوقيع على صك التنازل عن اولادهن و كتابة التقارير و التعهدات ثم يتم دفعها للقضاءالاسباني
الذي بناءا على ما دفع اليه من وثائق وأوراق بان يحكم بفقدان حضانة الامهات المغربيات لابنائهن
أين المنظمات الحقوقية و الدولية لمراقبة أعمال المكتب الاسباتي و جرائمه بحق الأمومة والطفولة ؟
تقرير أحدى المنظمات الانسانية عن الدولة الاسبانية والمغربية و ابناء المسلمين
(مدريد, 7 أيار - مايو- 2002 ) كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المغاربة المهاجرون في
إسبانيا للضرب على يد الشرطة، كما يتعرَّضون لإساءات مختلفة من قبل الموظفين
والأطفال الآخرين في المراكز السكنية المزدحمة والتي تفتقر لشروط الصحّة العامة.
وجَّهت منظمة مراقبة حقوق الإنسان هذه الاتهامات في تقرير نشرته اليوم، وأضافت بأن
إسبانيا تقوم أيضاً بعمليات ترحيل جائرة إلى المغرب لأطفال قد يبلغون من العمر في
بعض الحالات أحد عشر عاماً، وهناك تقوم الشرطة المغربيّة بضربهم وإساءة معاملتهم،
ومن ثم يخلون سبيلهم إلى الشوارع.
يتكوَّن التقرير من اثنتين وستين صفحة وعنوانه "هل من ملاذ؟ : إساءات إسبانيا
والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم ،" وهو يوثِّق الإساءات واسعة النطاق التي
يتعرَّض لها الأطفال المغاربة الذين يرتحلون بمفردهم للمدينتين الإسبانيتين سبتة
ومليلة الواقعتين على ساحل شمال أفريقيا. أجرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان العشرات
من المقابلات مع أطفال مهاجرين حالياً ومع أشخاص كانوا مهاجرين في طفولتهم، وذلك
خلال تحقيق استغرق خمسة أسابيع. وكان العديد من الأطفال قد رُحِّلوا لمرات متعددة.
وقالت كلاريسا بِنكومو، وهي باحثة في قسم حقوق الطفل في منظمة مراقبة حقوق الإنسان
"لا أحد يرعى هؤلاء الأطفال، إذ ينتهك المسؤولون الإسبانيون الحقوق الإنسانية لهؤلاء الأطفال سعياً منهم إلى ردِّهم إلى المغرب، كما يقوم المسؤولون المغاربة بمعاقبتهم بسبب قيامهم بالرحيل."
تتميَّز الظروف المعيشية في اثنين من المراكز السكنية الإسبانية بدرجة خاصّة من
السوء، وهذان المركزان هما مركز سان أنطونيو في سبتة، ومركز Pur?sima Concepci?n
Fort في مليلة، حيث المَرافق دون المستوى المقبول، والازدحام شديد وليس فيهما مكان
للترفيه أو نشاطات لعب في أوقات الفراغ. اتفَقَت شهادات الأطفال الذين أجرت منظمة
مراقبة حقوق الإنسان مقابلات معهم بأن الموظفين في تلك المراكز كثيراً ما يضربونهم
ويهددونهم، كما يستخدم الموظفون في مركز سان أنطونيو "زنزانة عقاب" احتجزوا فيها
أطفالاً لفترات وصلت إلى أسبوع، ولا تحتوي هذه الزنزانة على فراش ملائم، وأحياناً
لا يتمكَّن الأطفال المحتجزون فيها من استخدام الحمّام. وروى الأطفال الأصغر سناً
أو حجماً عن تعرُّضهم للاعتداء أو السرقة من قبل الأطفال الأكبر سناً أو حجماً في
تلك المراكز وذلك على مرأى من الموظفين الذين يمتنعون عن التدخُّل.
وقالت بِنكومو
"أخبَرَنا الأطفال بأنهم عندما كانوا يعيشون في الشوارع شعروا بأمان أكبر من ذاك الذي يشعرون به في المراكز السكنية المزدحمة والخطرة التي توفرها إسبانيا لرعايتهم."
وتتهم منظمة مراقبة حقوق الإنسان إسبانيا بأنها حرمت الأغلبية العظمى من الأطفال
المهاجرين بمفردهم في سبتة والعديد من الأطفال في مليلة من التعليم، كما تتهم
الموظفين في العيادة الطبية العامة وفي المركز السكني في سبتة بأنهم يحرمون الأطفال
المرضى والمصابين من العناية الطبية وبشكل تعسُّفي.
إن القانون الإسباني يضمن للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية وعلى قدم
المساواة مع الأطفال الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والعناية الصحيَّة والحق
في الحصول على الإقامة القانونية المؤقتة والحماية من الإعادة إلى الوطن إذا كان
هذا الإجراء يعرِّض الطفل للخطر. يقوم المسؤولون المحليون في سبتة ومليلة وباستمرار
بتجاهُل القانون، ويحرمون الأطفال تعسُّفاً من الرعاية والحماية. وأقرَّ المسؤولون
في الحكومة المركزية بإنهم لا يراقبون المعاملة التي يتلقاها الأطفال بانتظام،
وبإنهم لا يرفعون حالات الإيذاء الشديد إلى المحكمة. وفي حالات عديدة حقَّقت منظمة
مراقبة حقوق الإنسان بشأنها، كانت الجهات المُكلَّفة بحماية الأطفال - الشرطة
ودائرة الرفاه الاجتماعي- هي مصدر الإساءات.
وتقول بِنكومو،
"تقول الحكومة الإسبانية بإنها تهتم بحقوق الأطفال، ولكنَّها لا تفعل إلاَّ القليل، هذا إذا فعلت أي شيء، من أجل فرض تنفيذ قوانينها، وكلما سألْنا المسؤولين الحكوميين عمَّا يفعلونه لحماية الأطفال، يدَّعون دائماً بأن ذلك هو مسؤولية جهة أُخرى."
تُرحِّل إسبانيا الأطفال من سبتة ومليلة عبر تسليمهم للشرطة المغربية التي
بدورها تقوم بضربهم وإساءة معاملتهم، وبعد ذلك تقوم الشرطة المغربية بإطلاق سراح
الأطفال إلى شوارع غريبة عنهم، وكثيراً ما يحدث هذا في وقت متأخِّر من الليل، حتى
أنَّ أطفالاً في سن صغيرة جداً تُركوا كي يعيلوا أنفسهم، لأَن المغرب تفتقر
للتدابير الملائمة لحماية الأطفال الذين يعيشون خارج بيئتهم العائلية، ومن المعتاد
أَلاَّ تتدخَّل السلطات المغربية إلاَّ عندما يُشتبه بأن الطفل قد ارتكب إثماً
إجرامياً خطيراً، وكذلك فإن العناية في العديد من مراكز احتجاز الأطفال المغربية
غير كافية على الإطلاق، وليس للقُضاة إلاَّ القليل من البدائل عن تلك المرافق في
حالة عدم تيسُّر إعادة الطفل آمناً إلى عائلته.
دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة إسبانيا للتأكُّد من تزويد الأطفال المهاجرين
بمفردهم بالسكن والتعليم والعناية الطبيَّة الطارئة والأنواع الأُخرى من العناية
الطبيَّة، وكذلك بوثائق إقامة مؤقَّتة قانونية، وذلك بحسب القانون الإسباني. وعلى
المراكز السكنية للأطفال المنفردين أن تفي بالمعايير الأساسية للصحَّة والسلامة وأن
توفِّر للأطفال الرعاية والحماية الضروريتين لمصلحة الطفل. على إسبانيا أَلاَّ تعيد
أو تُرحِّل الأطفال إلاَّ إذا تحققت الحكومة من أن الأطفال سيعادوا إمّا إلى أفراد
من أُسَرِهم راغبين في رعاية الطفل وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية
ملائمة في البلد الأصلي للطفل، والتحقُّق من أن عودة الطفل لا تعرِّض سلامته أو
سلامة أقربائه للخطر أو المجازفة.
كما دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة المغرب لأَن تُيسِّر عودة الأطفال
المهاجرين بمفردهم إلى المغرب عندما يكون ذلك في الصالح الأفضل للطفل، ولأَن توفِّر
المصادر اللازمة للعناية بهم ولحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة رفاه اجتماعي
لاستقبال الأطفال المهاجرين بمفردهم مِمَّن أُعيدوا من إسبانيا، ومن ثمَّ إرجاعهم
إلى عائلاتهم حينما يكون ذلك ملائماً. على المغرب حماية الأطفال المهاجرين بمفردهم
مِمَّن أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو
المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة.
ودعت المنظمة أيضاً كلا الحكومتين للعمل معاً للتأكُّد من أَنَّ الأطفال يعادوا من
إسبانيا إلى المغرب فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في
رعايتهم وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية ملائمة.
"يجب أَلاَّ تكون الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية هما الجهتين المسؤولتين عن إعادة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى أوطانهم."
شهادات لأطفال مهاجرين بمفردهم في سبتة ومليلة
(وضعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان أسماء مستعارة لجميع الأطفال المذكورين في هذا التقرير حفاظاً على خُصوصياتهم.)
إساءات الشرطة الاسبانية والمغربية
كنت في الميناء وأنوي العبور إلى إسبانيا، شاهدني شرطي [إسباني] وحاول الإمساك بي لكنني أفلتُّ منه ثلاث مرات، ثم قبضَت عليَّ الشرطة. كانوا ستة، ووضعوني في سيارة، [وفي السيارة] أخذوا بضربي على ذراعيَّ وساقيَّ وعلى رأسي، ثم أخذني شرطي آخر إلى مركز الشرطة، وهناك راح يضربني بهراوة (porra) وبقدميه، كانوا غاضبين بشدّة ومهتاجين، ثم أخذوني إلى مركز الحرس المدني وكنت أصرخ من الألم، وهناك سألوني إذا ما كنت قد سقطت، ولكني كنت خائفاً بسبب وجود رجال الشرطة الآخرين، بعد ذلك أمعنَ الحارس المدني بضربي ثم وضعني في غرفة لمدة ثلاث ساعات، وبعد ذلك اصطحبني إلى مركز سان أنطونيو. شهاب ر.، خمسة عشر عاماً، يصف الضرب الذي تعرَّض له في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 على يد الشرطة الإسبانية، مما تسبب بكسر يده اليسرى. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
قادونا إلى الحدود منفصلين، كنت مع طفل آخر عمره عشرة سنوات، وكان يريد القفز من السيارة ولكنّي لم أدَعَه يفعل. لم يكونوا قد أخبرونا عن سبب ذهابنا، وفقط عندما اقتربنا من الحدود قال الشرطي [الإسباني]، "ستذهبون إلى عائلاتكم." وكان في السيارة التي تقلّنا اثنان من أفراد الشرطة السرية بالإضافة إلى الرجل الآخر، لم يقوموا بإيذائي ولكنهم أذوا الطفل الصغير لأنه أراد الخروج من السيارة، كانوا يصفعونه ويلوون ذراعه ويشدّون قبضاتهم على عنقه وكأنهم يقومون بخنقه. ...
وفي مركز الشرطة [المغربي] قام أحد أفراد الشرطة [المغربية] بالدوس على أصابع أقدامنا بحذائه العسكري؛ وكنّا ننتعل صنادلاً، وسأَلَنا الشرطي عن المنطقة التي أتينا منها وكيف وصلنا إلى مليلة وأشياء أُخرى، ثم أُودِعنا في غرفة مخزن كان فيها بيرة ونبيذ، وكان أفراد الشرطة موجودين في الغرفة طوال الوقت ولم يقوموا بإيذائنا مرّة أُخرى إلاَّ في النهاية عندما أطلقوا سراحنا، وحينها ضربونا بعصا طويلة أو هراوة مكهربة بفولتية عالية، ضربونا كلنا على مواضع متفرِّقة من أجسادنا، ولكن الطفل الأكبر سناً بيننا حاول حماية الآخرين. كانت جميع الأبواب مقفلة ولم نتمكَّن من الخروج، وكان هناك ما يزيد عن عشرة من أفراد الشرطة في غرفة المخزن الكبيرة تلك، وحوصِرنا جميعاً في جهة من الغرفة حيث أخذ اثنان من أفراد الشرطة بضربنا، وكان الآخرون يضحكون ويكيلون لنا الإهانات، واستمر ذلك لمدة خمس دقائق. تعرَّض الطفل الأكبر سناً لأذى كبير - في ساقيه وظهره وذراعيه- وظهرت على جسده كدمات كثيرة، وكان هو أول من أُطلق سراحه، وبعد ذلك أُطلق سراحي أنا ومن ثم البقية، وعند إطلاق سراحنا انتظرنا في الخارج حتى أُطلق سراح الآخرين. أيمن م.، ستة عشر عاماً، يصف عملية الترحيل الجائر التي تعرَّض لها في شهر تموز (يوليو) 2001، وكان قد عاش في مليلة منذ كان عمره ثمانية سنوات، وعند ترحيله الجائر كان يعيش في مركز سكني وكان لديه وثائق إقامة مؤقتة.
في المغرب، تقوم الشرطة بتفتيشك، وإذا كان معك أي شيء، مثل سكين أو أي شيء آخر، فأنهم يأخذونه وبعد ذلك يضربونك بهراوة. ... ويستخدمون للضرب أيضاً حبلاً من الأسلاك الكهربائية، هناك شرطي في المغرب يفعل ذلك. - عبد الهادي س.، أربعة عشر عاماً، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وشاهد باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان ندوباً على ظهره قال أنها من جرّاء استخدام الشرطة لحبل من الأسلاك الكهربائية في ضربه.
الإساءات في المراكز السكنية
يوم الأحد الماضي تعرّضْت للضرب ورُكلت على ربْلَتَيّ ساقيَّ من قبل حارس سمين وآخر نحيف، أحدهم ركلني على ساقيَّ حتى أوقعني أرضاً والآخر أمسكني من قميصي وأخذ بصفعي. ... وهم من المُربّين [في المركز السكني]. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف العقوبة التي تعرَّض لها بسبب شجار جرى بينه وبين طفل آخر في مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001.
في إحدى المرات قمنا بالهرب، كُنّا ثلاثة، وذلك بأن أخذ أحد الأطفال قطعة معدنية واستعملها لكسر القفل [في غرفة العقاب]، أمسَكَنا أحد الأطفال الكبار وقام بضربنا، ثم أخذونا وأودعونا في غرفة أُخرى وأقفلوا الباب، وبعد ذلك جاء [أحد المربّين] وقام بضربنا بهراوة كالتي تستخدمها الشرطة، وقد ضربني على رأسي وعلى وجهي وعلى فخذيَّ. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
بسبب طفل صغير واحد لم يكن أحد مِنّا يعرفه، أُجبرنا جميعاً على الخروج إلى العراء في البرد ودون بطانيات، وفي النهاية سمحوا لنا بالدخول واحداً إثر الآخر، أو في مجموعات صغيرة من ثلاثة أو أربعة أشخاص، وسُمح لي بالدخول في حوالي الساعة الواحدة صباحاً، ولا أدري حتى متى بقي الآخرون خارجاً. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف كيف قام الموظفون في مركز Pur?sima Concepci?n Fort السكني بمعاقبة جميع الأطفال إثر قيام طفل صغير بسرقة مُلاءة سرير في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. مليلة، 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
أحياناً تمسك بي الشرطة وتعيدني إلى سان أنطونيو [المركز السكني]، ولكني أهرب من جديد، فأنا لا أبقى لفترة طويلة أبداً، لأن الأطفال الأكبر سنّاً يقومون بضرب الآخرين ويسرقون أحذيتهم. ... ولا يفعل المسؤولون في المركز أي شيء عندما يشاهدون الأطفال الأكبر سنّاً يضربون الأطفال الأصغر سناً. ... وإذا كان لديك نقود فإن الأطفال الأكبر سنّاً يأخذونها منك ويضربونك في سان أنطونيو. - لُطفي م.، إثني عشر عاماً. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
الجيدون [من موظفي المركز السكني]، يحاولون إجراء تحقيق عندما تخبرهم بأنَّ الآخرين [الشباب الأكبر سنّاً] يقومون بضربك، أمّا السيئين فإنهم يرفضون فعل أي شيء، ويقولون لك "قاوم من يهاجمك،" أو "عليك الدفاع عن نفسك بكل ما تستطيع." - عباس أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو في سبتة. 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
إنها مكان سيّء جداً، الفرشات ممزقة، والجميع يشعر بالازدحام الشديد بداخلها، ولا تحصل فيها على طعام كافٍ، إنّها سيئة جداً، كُنّا ثمانية في الزنزانة ولا يمكن لنا المغادرة، وإذا أردت استخدام الحمّام فعليك فعل ذلك في موضع على أرض الغرفة أو في دلو. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف "زنزانة العقاب" في مركز سان أنطونيو، حيث أمضى ثلاثة أيام في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. ولا يقوم موظفوا المركز السكني بمراقبة الغرفة عن قرب، ونتيجة لذلك تكون الخسارة من نصيب الأطفال الأصغر سنّاً أو حجماً عندما يكون هناك نقص في الطعام أو الفراش. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
عندما وصلت إلى هناك للمرة الأولى، كنت أنام على الأرض واضعاً ملاءتين تحتي ومُلاءة أُخرى كغطاء، وبعد حوالي خمسة عشر يوماً تخلَّى لي ولد عن مكانه إذ ذهب للنوم مع الأطفال الأكبر سنّاً ممّن يبلغون من العمر خمسة عشر وستة عشر عاماً. كان في الغرفة التي كنت فيها حوالي إثني عشر طفلاً، ومن ضمنهم الأربعة الذين ينامون على الأرض. - وفيق ح., ثلاثة عشر عاماً، يصف إحدى إقاماته في مركز سان أنطونيو في شهر أيلول (سبتمبر) 2001. وقد قدّر بأنه "كان هناك مئة طفل، قد يزيدون أو يقلّون قليلاً،" في مكان مصمَّم لإيواء أقل من نصف هذا العدد. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
أولئك الذين مرَّ على وجودهم فترة طويلة [في مركز سان أنطونيو] لهم أَسِرَّة خاصَّة بهم، ونحن لدينا مُلاءة، ولا شيء غير ذلك، وهي مُلاءة رقيقة جداً، وليس بوسعنا إلاَّ أن ننام على الأرض دون فرشة أو أي شيء. -شوقي م.، خمسة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وقال الأطفال إنّه وباستثناء الأطفال الذين مرَّ على وجودهم في المركز وقت طويل، فإن عليهم تبادُل دور استخدام الأَسِرَّة في كل ليلة، وكثيراً ما ينامون على الأرض مستخدمين مُلاءات قذرة فقط كانت قد استُخدِمت من قبل أطفال آخرين.
عادةً ما أعاني من الألم عندما يكون الجو بارداً، أو عندما يقوم أحد ما بضربي، حاولت الذهاب إلى المستشفى عندما كنت أتألَّم ولكنهم رفضوا إدخالي، كما أنهم يرفضون إدخال أي شخص إلاَّ إذا كان يرافقه أحد من موظفي مركز سان أنطونيو. عندما يأتيني الألم لا أستطيع الحراك، وهكذا فمن سيأتي لنقلي إلى المستشفى؟ -عبد الصمد، ستة عشر عاماً. سبتة، 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. ويعاني عبد الصمد من مرض بالكلى من الممكن أن يعرِّض حياته للخطر، ولكنه حُرم من العناية الطبية بعد أن أُخبِر بأن عليه مغادرة مركز سان أنطونيو في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 بعد أن عاش هناك مدة سنتين ونصف، وكان موظفوا المركز السكني قد رفضوا مرافقته إلى المستشفى، كما رفض موظفوا المستشفى علاجه دون حضور موظف من المركز السكني. وفي النهاية أُجريت له عملية جراحية يحتاجها بعد أن تدخَّل fiscal لشؤون القاصرين (fiscal :موظف يتبع لوزارة تحمل نفس الاسم وتجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية, تشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع) وأصدر أمراً بإدخاله إلى المستشفى. وبعد ذلك لم يتمكَّن من الدخول مجدداً إلى مركز سان أنطونيو لقضاء فترة نقاهة إلاَّ بعد أن أصدر fiscal شؤون القاصرين أمراً ثانياً لضمان إدخاله.
كنت أريد الذهاب إلى المدرسة لكي أتعلم اللغة الإسبانية، ولكنهم لم يدعوني أفعل ذلك. هناك أطفال آخرون ذهبوا ولكن أنا لم أستطع ذلك. ذهبت إلى المدير لأطلب منه الذهاب إلى المدرسة، ولكن ذلك لم يغيِّر شيئاً. ... أحياناً نقوم بالرسم، وهذا كل ما هنالك. الأطفال الأكبر سنّاً فقط يذهبون إلى المدرسة. -سليمان س.، أربعة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
لا أحد يفعل شيئاً، ليس هناك حتى فرصة للتعلُّم، ليس هناك أي دراسة أو تدريب مهني. يبدأ الإفطار في الساعة التاسعة، بعد ذلك ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة الغذاء في الساعة الواحدة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة merienda [وجبة خفيفة وقت حلول المساء] في الساعة السادسة أو السادسة والنصف وأحياناً في الساعة السابعة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، وجبة العشاء في الساعة العاشرة، ننظف ثم لا نفعل أي شيء. - منيب أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.
مأوى من الكرتون والقمامة بداخل حواجز الامواج
الصخرية, بميناء سبتة
اتخذها الأطفال مأوى لهم بعد أن رفضوا البقاء في مركز سان انطونيو
حيث تعرضوا لسوء المعاملة من الموظفين والاطفال الاكبر سناً
مركزأيواء في سبتة

كل عام، يدخل الى إسبانيا آلاف الاطفال المغاربة وحدهم ودون وثائق السفر المطلوبة، وبعضهم لا يبلغ من العمر إلاَّ عشرة سنوات، ويخاطرون بحياتهم إذ يتسللون عبر مراكز الحدود والمرافيء المغربية والإسبانية ساعين لتحقيق أحلامهم بحياة أفضل، بعضهم يفرّ من العنف العائلي وبعضهم من الفقر ومن قلة فرص التعليم والعمل في وطنهم، وفي الكثير من الحالات يلاقون العنف والتمييز وحياة مليئة بالمخاطر في شوارع مدن غريبة عنهم. وعندما يُقبض عليهم في إسبانيا، قد يتعرضون للضرب على يد الشرطة، وبعد ذلك يوضعون في مراكز سكن مزدحمة وغير صحيّة، كما انه لا يُسمح لبعضهم وبطريقة اعتباطية الانضمام الى المراكز السكنية، وكثيراً ما تحرمهم المراكز السكنية من الإعانات التعليمية والصحيّة التي يكفلها لهم القانون الإسباني، وعلاوة على ذلك قد يتعرَّض هؤلاء الأطفال لإساءات من قبل أطفال آخرين أو من قبل الموظفين الموكلين بالعناية بهم. وإذا كانوا سيئي الطالع يُرحَّلون الى المغرب حيث يتعرَّض الكثير منهم للضرب على يد الشرطة المغربية، وفي النهاية يُطلَق سراحهم كي يُعيلوا أنفسهم.
في حالة إسبانيا، قُنِّنَ هذا التعهّد في تشريع يضمن
للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية، وعلى قدم المساواة مع الأطفال
الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والرعاية الصحيّة والإقامة القانونية
المؤقَّتة، والحماية من إعادتهم إلى وطنهم إذا كان هذا الإجراء يُعرِّضَهم أو
يُعرِّض عائلاتهم للخطر، لكن الحكومة الإسبانية تهاونت في ضمان تنفيذ تلك الفقرات
من القانون بشكل منتظم، كما أنَّ السلطات الإسبانية الإقليمية تنفِّذ القانون بشكل
انتقائي، أو أنها تتجاهل القانون تماماً ولا تخضع للمُساءلة.
أمّا ما يتعلَّق بالحكومة المغربية، فإنها لا تراقب أوضاع الأطفال المغاربة
الموجودين في إسبانيا، ولا تُيسِّر إعادتهم من إسبانيا عندما يكون ذلك في صالح
الطفل، كما أنها لا تضمن الحماية والرعاية للأطفال المهاجرين بمفردهم في حال عودتهم
الى المغرب.
تتفاوت أوضاع الأطفال المهاجرين بمفردهم بين مناطق إسبانيا المختلفة، ويتوقَّف ذلك
على الفروق في أعداد الأطفال بين المدن، وعلى استعداد الإدارات المحليّة
والإقليميّة لتطبيق القانون، وعلى مدى تواجد المنظمات غير الحكومية العاملة على
الدفاع عن الأطفال المنفردين. ويتفق المسؤولون الحكوميون وممثلوا المنظمات غير
الحكومية، على أنَّ أوضاع هؤلاء الأطفال قاسية بصورة خاصّة في مدينتي سبتة ومليلة
المتمتعتين بالحكم الذاتي، وهما مدينتان إسبانيتان واقعتان على ساحل شمال أفريقيا.
قامت مجموعة من الباحثين من منظمة مراقبة حقوق
الإنسان بزيارات مُتتالية إلى إسبانيا والمغرب في أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر)
وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، لتقصّي الطريقة التي يُعامَل بها الأطفال في
سبتة ومليلة، ووجَدَت المجموعة نمطاً ثابتاً من الإساءات من قبل الشرطة في كلتا
المدينتين، ففي مليلة يتعرَّض الأطفال المنفردون للضرب بالأيدي والهراوات وللرفس من
قبل الشرطة الإسبانية، وذلك أثناء الترحيل القسري لهؤلاء الأطفال إلى المغرب، وعند
وصولهم إلى المغرب يُحتَجزون في ظروف غير آمنة ومن ثم تطلقهم الشرطة المغربية التي
استلمتهم عند الحدود إلى الشوارع. أمَّا في سبتة فيتعرضون لحالات أقل من الترحيل
القسري، ولكنهم يظلّون مُعرَّضين لحالات من الضرب الوحشي إذا حاولوا الفرار أثناء
سعي الشرطة الإسبانية للقبض عليهم، وفي كلتا المدينتين لا يتمكَّن بعض الأطفال من
الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة المكفولة لهم بالقانون، وذلك لأَنَّ مديرية
الرفاه الإجتماعي، الوصي القانوني عليهم، لا تتقدم بطلب رسمي من أجل هذا الغرض، وفي
حالة الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة ومرور عامين على ذلك، يصبح الأطفال
مؤهَّلين للتقدم بطلب الحصول على الجنسيّة الإسبانية، ومن دون الإقامة المؤقتة
يصبحون عرضة للترحيل إلى المغرب عند بلوغهم سن الثمانية عشر.
أمّا المراكز السكنية للأطفال المنفردين والتابعة لدائرة الرفاه الاجتماعي في
مدينتي سبتة ومليلة، فهي تزدحم بشدّة مما يقلل من مستوى العناية التي تقدِّمها تلك
المراكز، ويزيد من مخاطر تعرُّض الأطفال لسوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل
أطفال آخرين، والمركزان الأكثر سوءاً هما مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة
ومركز سان أنطونيو في سبتة، وهما مبنيان قديمان ما زالا في مرحلة الترميم بغية
استخدامهما للعناية بالأطفال. المبنى الأول كان أصلاً حصناً عسكرياً، ومبنى سان
أنطونيو كذلك كان مقراً عسكرياً، أُعِدَّ مركز سان أنطونيو في البداية لاستقبال
حوالي ثلاثين طفلاً ولكنه الآن يستوعب وعلى الدوام مئة طفل أو أكثر، وينام بعض
الأطفال على الأرضيات أو على الطاولات، كما يشترك الأطفال بحمّام واحد ويشتكون من
قذارة الفراش والأغطية ومن رداءة الملابس وعدم كفايتها، ويشتكون كذلك من الوجبات
التي قالوا أنها كثيراً ما تحتوي على لحم الخنْزير، وهذا بدوره أمر غير ملائم لكثير
من الأطفال لأسباب دينية، ولا تتوفر في أي من المبنيين مرافق ترفيهية للمقيمين
فيهما. يُسمح للأطفال في مركز Pur?sima Concepci?n Fort بالتجول في المدينة دون
رقابة أثناء النهار، أمَّا الأطفال في مركز سان أنطونيو، فقد تحدَّثوا عن تقييدات
أكبر لحركتهم وعن تعرُّضهم للعقاب فيما إذا قاموا بالفرار، وهم يواجهون مللاً
شديداً في ذلك المبنى الصغير.
لا توفِّر أي من سبتة أو مليلة عناية صحيّة وقائية منتظمة للأطفال المنفردين،
وكثيراً ما تحرمان الأطفال تعسُّفاً من العناية الصحيّة في حالة تعرُّضهم لمشاكل
صحيّة أكثر خطورة، رغم أنهم مؤهلون لتلقّي العناية الصحيّة وفقاً للقانون الإسباني،
وهذا أمر يبرز بشكل خاص في سبتة، حيث لم تُصرَف للأطفال البطاقة الصحيّة التي
تصدرها الحكومة (Tarjeta Sanitaria) رغم أهليتهم لاستلامها، ومن المعتاد أن ترفض
مراكز الخدمات الطبية والمدعومة من الحكومة تقديم العناية الصحيّة للأطفال الذين لا
يحملون البطاقة الصحيّة، أو إذا لم يصحبهم موظف من المراكز السكنية.
الأغلبيّة العظمى من الأطفال المهاجرين بمفردهم في سبتة والكثير من الأطفال في
مليلة لا يتلقون العلم في المدارس، بالرغم من أنهم تحت رعاية الحكومة - علماً بأن
القانون الإسباني يوفر تعليماً إلزامياً لجميع الأطفال ما بين سن ست سنوات وست عشرة
سنة، ونادراً ما تدمجهم الحكومة بالمدارس الإسبانية وبدلاً من ذلك فإنها تعتمد على
موظفي المراكز السكنية في توفير تعليم أوَّلي، ولكن المراكز السكنية كثيراً ما تحرم
الأطفال اعتباطياً حتى من هذا المستوى من التعليم، أمَّا الأطفال الذين يزيد عمرهم
عن ستة عشر عاما،ً فكثيراً ما يُحرَمون من الانتفاع من التعليم المهني لامتناع
دائرة الرفاه الاجتماعي عن تقديم الطلبات للحصول على وثائق العمل الضروريّة.
يتعرَّض الأطفال المنفردون الذين يعيشون في المراكز السكنية للابتزاز والسرقة
والعنف الجسدي من قبل الشباب الأكبر سناً أو حجماً في المراكز، ونادراً ما يتدخَّل
موظفوا المراكز لحماية الأطفال حتى عندما يشهدون الهجمات، كما ينخرط الموظفون في
ممارسات من الإساءة من أجل الضبط، بما في ذلك الضرب والعقاب الجماعي والتهديد
بالترحيل، وفي سبتة يقوم الموظفون في مركز سان أنطونيو بوضع الأطفال في "غرفة عقاب"
صغيرة ومعتمة وقذرة، وتخلو إلاَّ من بعض الفرشات ولا يوجد فيها حمّام، وقد أخبَرَنا
بعض الأطفال أنهم أمضوا في تلك الغرفة ما يصل الى أسبوع لارتكابهم مخالفات كان منها
التدخين والخروج من غير إذن أو الهروب، وذكر الأطفال في كلتا المدينتين أنَّ السبب
الأساسي لهروبهم من المراكز السكنية هو سوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل
الأطفال الآخرين.
تقوم الشرطة الإسبانية وبشكل دوري بعمليات ترحيل جائرة للأطفال المنفردين الى
المغرب، وذلك في خرق لفقرات من القانون الإسباني تقضي بإعادة الأطفال إلى أهلهم فقط
أو إلى وكالات الرفاه الإجتماعي المعنيَّة في البلد الأصلي للطفل، على أَلاَّ يتسبب
ذلك بتعريضهم أو تعريض أهلهم للخطر. أوردت جمعيّة حقوق الطفل (ARC)، وهي منظّمة
لحقوق الإنسان مركزها في مليلة، أن ما لا يقل عن سبعين عمليّة ترحيل قد جرت ما بين
شهري تموز (يوليو) 2001 وشباط (فبراير) 2002. وقد ذكر الأطفال الذين قابلناهم بأن
أفراد الشرطة الإسبانية قاموا بصفعهم وضربهم وتهديدهم قبل تسليمهم للشرطة المغربية،
التي هي بدورها تسيء معاملتهم.
تتهاون إسبانيا في تقديم الحماية والرعاية لهؤلاء الأطفال، وليس هناك أي وكالة
حكومية إسبانية تنهض بالمسؤوليّة الفعليّة لضمان تلقّي الأطفال المنفردين في سبتة
ومليلة للرعاية والحماية، ولا توجد أية آليّة فاعلة لتمكين الأطفال من تقديم شكاوي
أو لممارسة حقّهم في إسماع صوتهم في كافّة العمليات القانونيّة المتعلّقة بهم،
وينيط مسؤولوا الحكومة المركزيّة أمر مراقبة الأوضاع والتحقُّق من حالات الإساءة
إلى السلطات المحليّة، وهذه بدورها تدّعي بأنها لا تَحْتَكِم إلى الوسائل الضروريّة
للقيام بهذه المهمة، وتعتمد على المراكز السكنية وعلى الشرطة من أجل الإبلاغ عن هذه
الحالات.
تتهاون السلطات المغربية كذلك في توفير الرعاية والحماية اللازمين للأطفال
المهاجرين بمفردهم، وبالرغم من وجود عدد كبير من الأطفال المنفردين في المدن
الواقعة على الموانيء وفي البلدات الحدودية المغربية، غير أن الحكومة لم تفعل سوى
القليل لضمان تزويدهم بالرعاية وإعادة التأهيل، وفي أكثر الحالات لا تقوم الحكومة
بتوفير الملاذ إلاَّ للأطفال المُدانين بارتكاب جرائم، إذ تودعهم في مراكز اعتقال
للقاصرين. كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المُرحَّلون من سبتة ومليلة إلى المغرب للضرب
والابتزاز والاعتقال في ظروف غير آمنة على يد الشرطة المغربية، وفي المغرب من
المعتاد أن يُحتَجَز الأطفال مع البالغين في مراكز الشرطة لمدة ساعات دون إمكانيّة
الحصول على طعام أو ماء أو إمكانيّة استخدام الحمّام، وكثيراً ما يقوم أفراد الشرطة
المغربية بضرب الأطفال، ويقومون أحياناً بسرقة نقودهم أو ممتلكاتهم قبل إطلاق
سراحهم، وكان واحد فقط من الأطفال المرحَّلين من سبتة ومليلة من الذين قابلناهم قد
أخبَرَنا بأن الشرطة المغربية قد أعادته لرعاية أفراد من أسرته، وفي سائر الحالات
التي حقّقنا بأمرها، قال الأطفال إنه بعد حجزهم لمدة يوم أو أكثر أخبرتهم الشرطة
ببساطة أنّ عليهم مغادرة مركز الشرطة، وأحياناً يكون ذلك في منتصف الليل، وبعد ذلك
يعود الأطفال أدراجهم الى إسبانيا، وهذه العمليّة قد تستغرق عدة ساعات أو عدة أيام
منذ اللحظة التي يخطون فيها الخطوة الأولى عائدين إلى الحدود، ومن ثمَّ يحاولون من
جديد مراوغة الشرطة المغربية والشرطة الإسبانية التي تحرس المعابر الحدوديّة.
· على الحكومة الإسبانية العمل على التنسيق بين
وزارة التربية والثقافة والرياضة، و Ministerio Fiscal Ministerio Fiscal): وزارة
تجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية تشبه، النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع)
ووزارة الصحّة وشؤون المستهلكين، ووزارة الداخليّة، ودوائر الرفاه الاجتماعي في
المدن المتمتّعة بالحكم الذاتي، وقوّات الأمن، وذلك لضمان توفُّر السكن والتعليم
والعناية الطبيّة الطارئة والخدمات الطبية الأُخرى ووثائق الإقامة المؤقَّتة
للأطفال المهاجرين بمفردهم، وفقاً للقانون الإسباني.
· على حكومتي إسبانيا والمغرب التنسيق بينهما لضمان إعادة الأطفال من إسبانيا إلى
المغرب، فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعايتهم وقادرين
على ذلك، أو الى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة. ولا يجب بأي حال من الأحوال، إلقاء
المسؤولية على عاتق الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية للقيام بإعادة الأطفال
المهاجرين بمفردهم إلى وطنهم.
· على مفوَّضي الحكومة الإسبانية في سبتة ومليلة التأكّد من عدم ترحيل أو إعادة أي
طفل من إسبانيا، إلاَّ إذا تحقَّق المفوَّضون من أن الطفل سيعاد إمَّا الى فرد من
الأُسرة راغب في رعاية الطفل وقادر علىذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة في
البلد الأصلي للطفل، وعلى المفوَّضين أن يتحقَّقوا أيضاً من أن عودة الطفل لن
تشكِّل خطراً أو مجازفة لسلامة الطفل أو سلامة أقربائه، وذلك قبل الشروع بإجراءات
الإعادة إلى الوطن. · على الحكومة المغربية تيسير عودة الأطفال المهاجرين بمفردهم
إلى المغرب عندما يكون ذلك في مصلحة الطفل الفُضلى، وعليها أيضاً أن توفِّر الموارد
اللازمة لرعايتهم وحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة خدمات اجتماعية لاستقبال
الأطفال المهاجرين بمفردهم العائدين من إسبانيا، وتسليمهم لأُسَرِهم حينما يكون ذلك
ملائماً. · على الحكومة المغربية اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الأطفال المهاجرين
بمفردهم، والذين أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا، من المعاملة القاسية أو
اللاإنسانية أو المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة. · على مدينتي سبتة
ومليلة المتمتعتين بالحكم الذاتي توفير الشروط الأساسية للصحّة والسلامة في المراكز
السكنية للأطفال المنفردين، وتوفير الحماية والرعاية الضروريتين لرفاهيتهم.
مجال البحث ومنهجه
هذا التقرير هو نتيجة حلقة من سلسلة تحقيقات تجريها منظمة مراقبة حقوق الإنسان بشأن
معاملة المهاجرين في غرب أوروبا. يستند التقرير إلى بحث ميداني في إسبانيا والمغرب،
استغرق إجراؤه خمسة أسابيع توزَّعت على أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر)
وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، وقد أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان
مقابلات مع أطفال مهاجرين بمفردهم ومع مسؤولين حكوميين، ومع ممثلين لمنظمات غير
حكومية ومع ناشطين محليين في كل من سبتة ومليلة ومدريد في إسبانيا، وناشطين من طنجة
والرباط والدار البيضاء في المغرب، كما أننا قمنا بمراجعة مجموعة كبيرة من الوثائق
الرسمية المتعلِّقة بقضايا فردية لبعض الأطفال، وبشكاوي تَزعُم بتعرُّض الأطفال
للإساءات على يد شرطة سبتة.
امتنع المسؤولون الإسبانيون من السماح لنا بالوصول إلى المراكز السكنية في سبتة
ومليلة حيث يقيم الأطفال المهاجرون بمفردهم، وبالرغم من ذلك قمنا بتفحُّص كل
المراكز في سبتة ومليلة من الخارج، وتمكّنا بمعونة من ممثلين لمنظمات غير حكومية
ونُشطاء آخرين من التعرُّف على أطفال مهاجرين بمفردهم في كلتا المدينتين ومن
مقابلتهم، وفي كل الحالات تقريباً جرت المقابلات باللغة العربية أو اللغة الإسبانية
من قبل باحثين يتقنون اللغتين، وبالإضافة إلى ذلك أُجريت بعض المقابلات بمساعدة
مترجم يتقن اللهجة المحلية للغة البربرية.
أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات مع خمسة وثلاثين طفلاً مهاجراً
بمفرده، كانت ثلاث وعشرون منها في سبتة، وعشرة في مليلة واثنتان في طنجة. ارتحل
أكثر الأطفال إلى سبتة ومليلة من قرى وبلدات قريبة، ولكن بعضهم أتى من أماكن بعيدة
مثل أغادير وسلا وفاس، وكان جميع الأطفال الذين قابلناهم من مواليد المغرب ما عدا
طفل واحد جزائري.
تراوحت أعمار الأطفال الذين قابلناهم ما بين سن الثانية عشر عاماً والسابعة عشر
عاما،ً وقابلنا كذلك مهاجراً يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً عاش في مليلة منذ
كان عمره أحدَ عشر عاماً. أعرب اثنان وثلاثون طفلاً إن أعمارهم تبلغ ستة عشر عاماً
أو أقل، وأربعة عشر منهم يبلغون من العمر أربعة عشر عاماً أو أقل، وهناك بنتان فقط
في المجموعة. ولقد أَعلَمَنا ممثلون عن منظمات محليّة، إن البنات لا يشكِّلنَ إلاَّ
نسبة ضئيلة جداً من العدد الكلّي للأطفال المهاجرين بمفردهم، وليس هناك إلاَّ عدد
ضئيل من البنات يُقِمْنَ في المراكز السكنية الإسبانية للأطفال المنفردين في سبتة
ومليلة.
أجرينا في إسبانيا مقابلات مع ممثلين عن الحكومة الإسبانية المركزية وممثلين عن
سلطات الحكم الذاتي مسؤولين عن شؤون الأطفال المهاجرين بمفردهم، وكان من ضمن
المسؤولين الذين قابلناهم نائب مدير قسم شؤون المهاجرين في وزارة الداخلية، ونائب
مدير قسم شؤون الأجانب في وزارة الخارجية، والسكرتير العام للشؤون الاجتماعية في
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ورئيس مكتب ديوان التفتيش (defensor del pueblo:
مكتب خاص للتحقيق في الشكاوي الموجهة ضد موظفي الدولة (، ومفوَّض الحكومة المركزية
في سبتة (delegado del Gobierno) ورئيس ديوان مكتب مفوضيّة الحكومة المركزية في
مليلة، و fiscals لشؤون القاصرين في سبتة ومليلة (fiscal :منصب يجمع سلطات للادعاء
والتحقيق والحماية, يشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع.) وقابلنا كذلك رئيس
المحكمة والقضاة لشؤون القاصرين في سبتة، أما المسؤولون المحليون الذين قابلناهم
فكان منهم رئيس ديوان مكتب الرئاسة في سبتة، والمدير العام لدائرة الصحّة والرفاه
الاجتماعي في مليلة، ونائب المدير في دائرة الرفاه الاجتماعي في سبتة. وكنّا قد
طلبنا الاجتماع مع وزير التربية والثقافة والرياضة ومع مُديريّ دائرتيّ الرفاه
الاجتماعي في سبتة ومليلة، ولكن طلبنا لم يُستجَب.
وفي المغرب أجرينا مقابلات مع وزير العدل، ومع مستشار وزير حقوق الإنسان لشؤون حقوق
الأطفال، ومع مدير مركز حماية الطفولة في طنجة التابع لوزارة الشبيبة والرياضة،
وكذلك مع موظفي بعثة صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) في المغرب. وكنّا قد
طلبنا الاجتماع مع وزير الخارجية ووزير الداخلية ووزير الشبيبة والرياضة ووزير حقوق
الإنسان، ولكن طلبنا لم يُستجَب.
قام ممثلوا منظمات غير حكومية ونُشطاء في قضايا حقوق الأطفال في إسبانيا والمغرب،
بتزويدنا بمعلومات وفيرة عن معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في كلا البلدين.
وضعنا أسماء مستعارة لجميع الأطفال الوارد ذكرهم في هذا التقرير وذلك
حفاظاً على خصوصياتهم.
لقد قيّمنا معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في إسبانيا والمغرب وفقاً للقانون الدولي كما ورد في اتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وميثاق منع التمييز في التعليم. وكلتا الدولتين، إسبانيا والمغرب، هما أطراف في تلك المعاهدات، وإضافة إلى ذلك فإن المعايير الإقليمية الأوروبية ذات الصلة في هذا الموضوع تتضمَّن شرعة الحقوق الأساسية للإتحاد الأوروبي، وميثاق حماية حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية.
تشير كلمة "طفل" في هذا التقرير إلى أي شخص
دون سن الثمانية عشر عاماً. أمّا اتفاقية حقوق الطفل فتعرِّف الطفل بإنه "هو
الإنسان لم يتجاوز الثمانية عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون
المنطبق عليه."
اتَّبعَتْ منظمة مراقبة حقوق الإنسان الاستخدام المعتمد لدى المفوَّض العالي لشؤون
اللاجئين في الأمم المتحدة بخصوص مُصطلح "الأطفال المنفردين،" إذ يشير إلى الأشخاص
ممن هم دون سن الثمانية عشر من العمر، ومنفصلين عن كلا الأبوين ولا يتلقّون الرعاية
من شخص بالغ مسؤول عن رعايتهم بحسب العرف أو القانون
إبريل 2005
الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون
فرنسا : البحث عن العدالة
المقدمة
عدم توافر الإجراءات القانونية السريعة في مراكز الشرطة بالنسبة لعدد متزايد من الأشخاص الذين يعتقلون بسبب مجموعة واسعة من المخالفات أو الجرائم المزعومة التي تندرج تحت عنوان "الجريمة المنظمة" أو بالنسبة للمتهمين "بالإرهاب"، والحظر المستمر على تسجيل استجواب السجناء الراشدين على أشرطة فيديو؛
التقاعس عن الاحترام الكامل لحقوق المعتقلين في حجز الشرطة، مثل التقاعس عن تقديم المساعدة الطبية أو السماح للمعتقل بإجراء اتصال مع قريب أو صديق أو رب عمل؛
صعوبة تسجيل الشكوى ضد الشرطي في مراكز الشرطة والاستخدام المتكرر للشكاوى المضادة من جانب أفراد الشرطة لتخويف أولئك الذين يودون تقديم شكوى ضد شرطي؛
روح تضامن مشوهة بين أفراد الشرطة تشجع أفراد الشرطة على التستر على زملائهم أو مرؤوسيهم وتجعل التعرف على هوية أفراد الشرطة مستحيلاً؛
تقاعس آليات الشكاوى الداخلية للشرطة عن إجراء تحقيقات في مزاعم سوء المعاملة وعمليات إطلاق النار التي اختلفت بشأنها الآراء أو حالات الوفاة في الحجز، بصورة سريعة وشاملة ونزيهة؛
تقاعس الحكومة عن إنشاء آلية مستقلة فعالة للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛
إخفاق نظام القضاء الجنائي في المعالجة الكافية لمزاعم الانتهاكات العنصرية أو السلوك القائم على التمييز الذي يمارسه الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛
تقصير النيابة العامة في ضمان المقاضاة الفعالة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان؛
التفسيرات المشكوك فيها لمفهومي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة"؛
الأحكام التي لا تعكس كما يبدو خطورة الجريمة المرتكبة؛
انعدام الخبرة أو التدريب، الذي يستخدمه القضاة بصورة متكررة كسبب لتوقيع عقوبات متساهلة أو للامتناع عن توقيع أية عقوبات؛
القضايا الهيكلية، مثل انعدام آليات الاستئناف الوافية – وهو وضع يجرى تصحيحه تدريجياً فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الابتدائية، لكنه يظل غير كاف؛
تخلف المحاكم، في بعض الحالات، عن إعلان الأسباب الكامنة وراء قراراتها. وتجدر الملاحظة بأن المحاكم الجنائية الابتدائية ليست ملزمة بفعل ذلك، سواء بالنسبة لأحكام الإدانة أو البراءة، على أساس أن أعضاء هيئة المحلفين غير المتخصصين هم الذين يصدرون القرار.
ويتضمن هذا التقرير وصفاً تفصيلياً لبعض الحالات الأكثر خطورة للإفلات
الفعلي من العقاب، والتي تمكنت المنظمة من متابعتها في كل مرحلة من مراحل
العملية القضائية الطويلة منذ البداية وحتى النهاية. ورغم أن هذه القضايا
وصلت إلى نهايتها، إلا أنها توضح بواعث القلق التي لم تتم معالجتها. كما
يشير التقرير أيضاً إلى عدد الحالات الأخرى التي تظل مصدر قلق لمنظمة
العفو الدولية. والعديد من هذه الحالات، وبخاصة تلك المتعلقة بسوء
المعاملة، حديثة العهد. أما الحالات الأخرى، ففي حين أنها تعود إلى عدة
سنوات خلت، إلا أنها ما زالت قائمة. ويُختتم التقرير بسلسلة من التوصيات
المقدمة إلى السلطات، والتي إذا تم تنفيذها، يمكن أن تقضي قضاءً مبرماً
على أنماط الإفلات الفعلي من العقاب والتي ما برحت المؤسسات الفرنسية
تُبتلى بها.
1. النظام القانوني الفرنسي
تتضمن الفقرة أدناه خلاصة موجزة للنظام القانوني الفرنسي من أجل تهيئة
الخلفية التي تنبع منها بواعث قلق منظمة العفو الدولية.
وبموجب النظام القانوني "الوحداني" في فرنسا، فإن المعاهدات أو
الاتفاقيات الدولية التي تم التصديق عليها أو اعتمادها لها الأولوية
تلقائياً على القانون الفرنسي (انظر المادة 55 من الدستور الفرنسي).
وهكذا مثلاً، فإن نصوص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات
الأساسية أو اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب
المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة
التعذيب) يجب أن تحظى بالأولوية من جانب الحكومة الفرنسية والهيئة
التشريعية الفرنسية والقضاة الفرنسيين ولها أثر متساوٍ وغير مقيد في جميع
الأراضي والإدارات الفرنسية في الخارج.
ولدى فرنسا مستوى مزدوج من الولاية القضائية والولاية القضائية العليا.
وهذا يعني أن القضية التي صدر فيها حكم عن المحكمة الابتدائية (مستوى
المحاكمات) يمكن تقديم استئناف لها إلى محكمة أعلى (مستوى الاستئنافات).
وفوق محكمة الاستئناف، يمكن لقاضٍ في محكمة النقض أن يصدر حكماً حول
قانونية قرارات المحكمة الأدنى. ولا يُسمح باستئناف الأحكام الصادرة عن
محكمة النقض ضمن النظام القانوني الوطني. ويجوز لكل من يعتبر أن حقوقه
الأساسية، كما هي معرفة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات
الأساسية، قد انتُهكت ومن استنفد سبل الانتصاف القانونية المحلية، أن
يرفع دعوى قانونية، خلال ستة أشهر، أمام المحكمة الأوروبية لحقوق
الإنسان. وفي بعض الحالات ستنظر المحكمة الأوروبية في القضية حتى وإن لم
يتم استنفاد سبل الانتصاف المحلية، لكنها تكون طويلة أو غير وافية.4
وهناك عدة أنواع من المحاكم الجنائية، تبعاً لطبيعة القضية. فالمخالفات
الصغيرة أو الإساءات تنظر فيها محاكم الشرطة، والجنح الأكثر خطورة تنظر
فيها المحاكم الإصلاحية. أما الفئة الأكثر خطورة من الجرائم فتنظر فيها
المحاكم الجنائية الابتدائية. وهناك حق في استئناف القرار الصادر عن جميع
هذه المحاكم، رغم أنه في حالة المحاكم الجنائية الابتدائية، فهذا تطور
مستجد، ولا يمكن استئناف قرارات البراءة إلا من جانب أعضاء النيابة
الملحقين بمحاكم الاستئناف.
ويمكن تقديم الشكاوى حول الانتهاكات أو سوء المعاملة أو القوة المفرطة
على أيدي الموظفين الرسميين بعدة طرق مختلفة، عن طريق النائب العام،
وقاضي التحقيق وهيئات الشكاوى لدى الشرطة أو هيئة الإشراف على الشرطة
المعروفة باسم الهيئة الوطنية للآداب في الأمن. وليس بين هذه الإجراءات
ما هو مُرضٍ تماماً.
1.1 القضاء
تتألف السلطة القضائية الفرنسية من أعضاء النيابة العامة وقضاة هيئة
المحكمة (بمن فيهم قضاة الاستجواب والتحقيق المستقلين وقضاة الإشراف على
الاعتقال5). وأعضاء النيابة العامة الذين يشكلون جزءاً من وزارة العدل
مسؤولون أمام وزير العدل. ولدى أعضاء النيابة العامة ألقاب مختلفة،
تبعهاً للدور المسند إليهم أو المحكمة الملحقين بها. والعبارة العامة
التي غالباً ما تشير إلى النيابة ككل هي
Parquet.
واستناداً إلى مبدأ النيابة الاستنسابية، يقرر أعضاء النيابة كيفية تصنيف
القضية. وعندما يقررون متابعة القضية، يمكنهم إما إرسال المتهمين إلى
المحاكم الإصلاحية أو محاكم الشرطة (إذا كانت القضية غير معقدة أو جاهزة
للمحاكمة) أو أن يطلبوا بأن يتابعها قاضي تحقيق في القضايا الأكثر
تعقيداً التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق. كذلك يمكنهم إقفال الشكوى
باعتبار أنه لا وجه لإقامة الدعوى.
وتغلق العديد من الشكاوى حول إساءة المعاملة من جانب الشرطة بهذه
الطريقة، إما لأن وكيل النيابة يعتبر أن القضية غير مناسبة أو لأنه يشعر
بأنها ليست مؤيدة بوقائع جيدة أو في حالات عديدة لأنه برأيه، تفتقر إلى
الأدلة التي تجعل من الصعب متابعتها. ويمكن للضحايا أو أقرباء الضحايا أن
يتصلوا بقاضي التحقيق للانضمام إلى الإجراءات كطرف مدني (بالنسبة
للجرائم) أو في حالة ارتكاب مخالفات، عن طريق مذكرة دعوى مباشرة (تكليف
مباشر بالحضور). ويسمح الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني
بالاطلاع على المعلومات المتعلقة بالقضية التي لا يجوز لهم الحصول عليها
لولا ذلك، بسبب سرية التعليمات، ويسمح لهم بالمشاركة في الإجراءات. بيد
أن ذلك يمكن أن يكون مكلفاً. وقد انتقدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
مؤخراً السلطات الفرنسية بسبب تقصيرها في إجراء تحقيق رسمي فعال في وفاة
شخص معتقل. وقضت المحكمة أن التحقيق الفعال في الوفاة يجب أن يُطلع
عائلات الضحايا تلقائياً على الإجراءات بدون أن تنضم إلى العملية كطرف
مدني، كما جادلت السلطات الفرنسية.6
ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن 80 بالمائة من الشكاوى التي ترفعها الأطراف
المدنية في الإجراءات القانونية تنتهي برفض الدعوى، على أساس أنه لا وجه
لإقامة الدعوى.7
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 اقترح رئيس محكمة باريس فرض حد على قدرة
الأطراف المدنية (والمحامين) على المشاركة في الإجراءات القضائية عبر
شكواهم وإحالة الدعوى إلى النائب العام قبل أن يستطيع قاضي التحقيق فتح
تحقيق فيها. وفيما يتعلق بالحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية،
حيث تصبح عائلات الضحايا بصورة شبه ثابتة طرفاً مدنياً في الإجراءات
القانونية، بسبب تقاعس النائب العام عن متابعة القضية بفعالية، هناك خطر
في أن تسهم خطوة من هذا النوع في مشكلة الإفلات الفعلي من العقاب.
2.1 الشرطة وآلياتها
جرت العادة على تقسيم عملية إنفاذ القانون الفرنسي بين شرطة مدنية وطنية
خاضعة لوزير الداخلية ودرك وطني خاضع لمسؤولية وزير الدفاع ويُعتبر جزءاً
لا يتجزأ من القوات المسلحة، إلى جانب القوات البرية والبحرية وسلاح
الطيران. ويمكن للدرك أن يعمل بصفة مدنية وكذلك عسكرية. وتعمل الشرطة
الوطنية عادة في المدن والتجمعات السكانية الحضرية بصورة رئيسية؛ أما
الدرك (الذي ينحدر من الماريشوسيه التي أُنشئت كقوة عسكرية في القرن
السادس عشر) فهو موزع في جميع أراضي فرنسا، لكنه مركز في المناطق الريفية
بصورة رئيسية، فضلاً عن المناطق الحضرية المستحدثة. وما زال نظامه
الأساسي الذي أرساه القانون الصادر في 28 جرمينال العام السادس (17
إبريل/نيسان 1798) ساري المفعول.
وقد أُنشئت مؤسسة الشرطة الوطنية بموجب القانون الصادر في 9 يوليو/تموز
1966. وتضم عدداً من الأجهزة المتخصصة، مثل شرطة الحدود التي تعمل في
المناطق الحدودية، بما فيها المطارات ووحدة المرافقة الوطنية للمساندة
والتدخل المشاركة في عمليات المرافقة الخاصة مثل الإبعاد، والوحدات
الميدانية الخاصة أو وحدات "مكافحة الإرهاب". ومن الوحدات المتخصصة التي
تستحق الذكر ألوية مكافحة الجريمة التي تُنشر لمحاربة "الجنوح البسيط
والمتوسط الحجم". وغالباً ما اصطدمت ألوية مكافحة الجريمة بالشبان في
المناطق "الحساسة" من المدن، وفي ضواحي المدن أو التجمعات الحضرية في
فرنسا التي اكتسبت سمعة خلافية اعتباراً من الثمانينيات فصاعداً. وهناك
مفرزة متخصصة أخرى للتدخل ومكافحة الشعب هي سرايا الأمن الجمهورية. وتشكل
شُعب الشرطة القضائية التي تنضوي تحت راية المديرية الإقليمية للشرطة
القضائية، وحدة ملحقة بالسلطة القضائية، وتعمل على منع وقمع الجريمة
المنظمة، مثل الاتجار بالمخدرات أو الأشخاص والاختلاس و"الإرهاب". وقد
ازدادت مسؤوليات الشرطة القضائية في السنوات الأخيرة لتشمل العنف في
المدن.
ويتصور قانون العقوبات الفرنسي فرض عقوبات على أفراد الشرطة المدانين
بارتكاب أفعال غير قانونية، ولدى قوات الشرطة مدونات قواعد الآداب أو
مدونات قواعد السلوك الخاصة بها، التي تهدف إلى التمسك بالمعايير
الأخلاقية للحفاظ على الأمن وتحديداً بالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان
والدستور الفرنسي والقوانين والاتفاقيات الدولية. ومن بين المواد
الرئيسية لمدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية (المحددة في مرسوم صادر في 18
مارس/آذار 1986)، والتي تُعطى إلى كل شرطي ما يلي :
المادة 2 : ينبغي على الشرطة أن تؤدي مهامها المتعلقة باحترام حقوق الإنسان والدستور الفرنسي والمعايير الدولية؛
المادة 6 : إذا انتهك شرطي مدونة قواعد السلوك سيتعرض لعقوبة تأديبية؛
المادة 7 : ينبغي للشرطي أن يبدي "احتراماً مطلقاً" للأشخاص أياً كانت جنسيتهم أو أصلهم؛
المادة 10 : جميع الأشخاص الذين تلقي (الشرطة) القبض عليهم تضعهم تحت مسؤوليتها ولا يجوز تعريضهم لأي نوع من أنواع العنف أو المعاملة المهينة.
وتُجري وحدة متخصصة ضمن قوات الشرطة الوطنية هي المفتشية العامة للشرطة
الوطنية التي أُنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 1986 التحقيقات الجنائية
والتأديبية في سلوك الشرطة. وهي تغطي كامل الأراضي الفرنسية باستثناء
باريس، التي توجد فيها الهيئة المقابلة وهي المفتشية العامة للأجهزة.
ويجوز للأفراد أن يقدموا شكاوى مباشرة إلى أفراد الشرطة. ولدى الدرك
الوطني وحدة تفتيش داخلية مشابهة يُطلق عليها اسم مفتشية الدرك الوطني.
ويمكن للتحقيقات الداخلية في الشرطة أن تستغرق عدة شهور. ثم تُعرض نتائج
تحقيقات الشرطة على النائب العام الذي يقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى
اتخاذ إجراء بصيغة شكوى تُقدَّم إلى قاضي التحقيق.
وفي فترة سابقة تعود إلى العام 1997 ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة
للأمم المتحدة، في ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الثالث ل
فرنسا المتعلق بتنفيذها للعهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ذكرت أنها "تشعر بقلق شديد" إزاء عدد
المزاعم التي تلقتها حول إساءة المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ
القوانين ضد المعتقلين وغيرهم من الأشخاص "الذين يحتكون بهم احتكاكاً ينطوي على
نزاع"، وإزاء الطبيعة الخطيرة لهذه المزاعم، وحقيقة أنه "في معظم الحالات لا يُجرى
تحقيق يُذكر من جانب الإدارة الداخلية للشرطة والدرك الوطني في الشكاوى المتعلقة
بإساءة المعاملة هذه، الأمر الذي يؤدي إلى إفلات فعلي من العقاب".8
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2004، ظل تقاعس المفتشية العامة للأجهزة عن
أداء دورها بفعالية ونزاهة "كشرطة على الشرطة" مشكلة وتعرضت المفتشية
العامة للأجهزة لانتقادات وجهها رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن
(انظر أدناه) بسبب قصورها في التعامل مع الحالات التي نُهيت إلى علمها.
وفي معرض انتقاده أشار الرئيس بيير تروش تحديداً إلى قضية اعتداء للشرطة
على مقهى لأبناء القبائل في باريس ليلة رأس السنة الجديدة 2003-2004،
الذي جرى فيه تعطيل احتفال سلمي بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع وتوفي
فيه شخص واحد (انظر الفقرتين 2 و5-8).
3.2.1 آليات الإشراف المستقلة
شُكِّلت هيئة إشراف مستقلة على الشرطة والسجون هي اللجنة الوطنية للآداب
في الأمن بموجب قانون صدر في 6 يونيو/حزيران 2000 في أعقاب سلسلة من
عمليات إطلاق النار التي ارتكبتها الشرطة، وبدأت عملها في 14 يناير/كانون
الثاني 2001. 9 وتملك صلاحيات للتحقيق في حالات الانتهاكات المزعومة التي
يرتكبها أفراد الشرطة وسواهم ولأخذ أقوال الضحايا والشهود وأولئك
المتهمين بارتكاب الانتهاكات، بمن فيهم أفراد الشرطة. ولا تستطيع اتخاذ
إجراءات تأديبية أو قضائية بمفردها، لكنها مخولة بإصدار توصيات، وينبغي
عليها إبلاغ النائب العام بالأفعال التي ترى أنها تشكل جرماً جنائياً.
ويجوز تقديم الشكاوى إلى اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة من جانب
مواطنين أفراد تعرضوا لأفعال غير أخلاقية من جانب موظفي الأمن العام أو
كانوا شهوداً عليها. بيد أنهم لا يستطيعون تقديم شكوى إلى اللجنة الوطنية
للآداب العامة إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق رئيس الوزراء أو مكتب
المظالم الخاص بالقُصَّر أو عضو في مجلس الشيوخ أو عضو في الجمعية
الوطنية.
ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأفراد لا يستطيعون تقديم شكوى
مباشرة إلى اللجنة الوطنية للآداب في الأمن ومن أن الشرط الحالي لإحالة
قضية عن طريق وسيط برلماني يمكن أن يؤدي إلى عمليات تأخير كبيرة في
التحقيق بالشكوى. وتُصدر اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريراً سنوياً،
كما تصدر تقارير محددة تتعلق بقضايا معينة.10
2. بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب في
فرنسا
1.2 حدوث زيادة في الشكاوى المتعلقة بالعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في
ذلك العنصرية
لقد عملت منظمة العفو الدولية طوال سنوات عديدة بشأن حالات القتل على يد
الشرطة والوفاة في الحجز وحالات التعذيب وسوء المعاملة في فرنسا. وفي
معظم الحالات التي تناهت إلى علمها كان الضحية شاباً ذكراً منحدراً من
شمال أفريقيا أو المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وفي السنوات
الأخيرة، انخفض – لحسن الحظ – عدد عمليات إطلاق النار المتهورة المميتة
من جانب أفراد الشرطة أو الدرك في ظروف اختلفت بشأنها الآراء. بيد أن عدد
الشكاوى حول سوء المعاملة من جانب أفراد الشرطة – النابعة غالباً من
عمليات التدقيق في الهوية التي تقوم بها الشرطة والتي تنتهي بأعمال عنف –
قد ارتفع على عكس ذلك. ولم تقترن الزيادة في عدد الشكاوى باعتراف من جانب
السلطات بعدم مناولتها بشكل واف، ولم تضع الحكومة الفرنسية حتى الآن آلية
مستقلة فعالة لضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في الانتهاكات
التي يرتكبها أفراد الشرطة، منذ بداية الحادث المزعوم.
وفي دراسة بعنوان "زيادة
الإحساس بالتمييز في الشرطة"،
أجرتها مجموعة الدراسات ومكافحة التمييز، وهي مجموعة
أن يحرموا من الاستعانة بمحام في الساعات الـ 36 الأولى في حجز الشرطة؟؟). وفي مارس/آذار 2004، تم إصدار "قانون بربن الثاني" الذي كان يهدف إلى توفير إطار قضائي لتنفيذ قانون الأمن الداخلي. ومن جملة إجراءات، وسع القانون نظام الحجز الخاص البالغ 96 ساعة ليشمل مجموعة أوسع من الجرائم بينها "الجريمة المنظمة". وعلاوة على ذلك، يمكن بموجب هذا القانون احتجاز الأشخاص المتهمين "بالإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 72 ساعة الأولى بدون الاستعانة بمحامٍ.
من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أعربت
عن قلقها إزاء نظام "مدى ملاءة المقاضاة" الذي على حد قول لجنة مناهضة
التعذيب ترك "لأعضاء النيابة العامة حرية تقرير عدم مقاضاة مرتكبي أفعال
التعذيب أو حتى إصدار أمر بإجراء تحقيق، وهذا ما يتعارض بوضوح مع نصوص
المادة 12 من الاتفاقية". وحثت لجنة مناهضة التعذيب الدولة الطرف على
"إيلاء أقصى حد من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة،
بهدف الإيعاز بإجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها الذنب،
توقيع العقوبات المناسبة". كما حثت فرنسا على إلغاء النظام الحالي "لمدى
ملاءمة المقاضاة"، وبذلك تبدد "كافة الشكوك المتعلقة بواجب السلطات
المختصة في إجراء تحقيقات حيادية بصورة منهجية وبمبادرة منها في جميع
الحالات التي تتوافر فيها أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن فعل تعذيب قد
ارتُكب..." الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب؛ فرنسا، UN Doc
A/53/44، 27 مايو/أيار 1998 (التي يشار إليها فيما يلي : بالملاحظات
الختامية لـ ل. م.ت.)، الفقرات 143(ب) و146 و147 على التوالي. وهذه هي
الملاحظات الختامية الأحدث عهداً للجهة القضاء على التعذيب فيما يتعلق
بفرنسا التي من المقرر أن تمثل مرة أخرى أمام لجنة مناهضة التعذيب في
العام 2005. بيد أن نظام "مدى ملاءة المقاضاة" ما زال يُطبَّق.
وفي قضية ما زالت عالقة أمام المحاكم وتوضح قضايا أخرى عديدة حتى اليوم،
قرر كريم لطيفي (5-5) متابعة شكواه بواسطة إجراء تقديم مذكرة دعوى
مباشرة. وفعل ذلك بعدما قرر النائب العام إقفال الشكوى، رغم وجود أدلة
كثيرة على عنف الشرطة وحقيقة أن أفراد الشرطة قد جرى تأديبهم. وإزاء
التقاعس المتواصل لأعضاء النيابة عن المتابعة الفعالة لانتهاكات حقوق
الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، غالباً ما قدم الضحايا أو عائلاتهم
أو الجماعات المؤيدة لهم شكاويهم بأنفسهم لدى قاضي التحقيق. وهذا كما
أوضحنا أعلاه، يسمح لهم بأن يكونوا طرفاً في الإجراءات وفي بعض الحالات
كانت هذه المشاركة حاسمة في إعداد قضية الادعاء. وفي حكم صادر في العام
2004 (تحت الفقرة 4)، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في
الحالات الخطيرة للانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، مثل الوفاة في
الحجز، ينبغي للتحقيق الفعال أن يحيط تلقائياً وتباعاً أفراد عائلة
الشركاء المعنيين بالمعلومات المتعلقة بالإجراءات القانونية من دون أن
يضطروا للانضمام إلى العملية كطرف مدني. ولم تتبع السلطات الفرنسية حتى
الآن هذه الممارسة.
وفي عدد من الحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، والتي تتعلق
بعمليات إطلاق نار مميتة من جانب الشرطة أو بحالات وفاة في حجز الشرطة،
لعب أعضاء النيابة العامة في الواقع دور مستشار الدفاع، غالباً عند
أدائهم لعملهم كأعضاء في النيابة أمام المحاكم الجنائية الابتدائية. بيد
أن أعضاء النيابة العامة في المحاكم الإصلاحية عملوا أيضاً بصورة فعلية
نيابة عن فريق الدفاع عن الشرطة. وفي قضية إساءة معاملة ياسين التي ما
زالت مفتوحة، والتي خلصت المحكمة الإصلاحية إلى أنها تضمنت أفعال عنف من
جانب الشرطة "تتجاوز كثيراً الاستخدام المعقول للقوة"، طلب وكيل النيابة
مع ذلك تبرئة ساحة أفراد الشرطة (5-4). وبموجب نظام القضاء التحقيقي، فإن
وكيل النيابة ملزم بعرض وجهة نظر الدولة، وليس الطرف المدني في المقاضاة.
ومع ذلك، فإنه لمما يثير القلق إنه حتى في بعض الحالات الخطيرة للغاية
والخلافية المتعلقة بعنف الشرطة، تخلى أعضاء النيابة عن دور المقاضاة
كلياً وأدوا فعلياً دور الدفاع، وبالتالي تركوا المقاضاة كلياً بيدي
المحامي الذي ينوب عن العائلة أو الطرف المدني.
ومن الأمثلة الماضية الملفتة جداً على هذه الظاهرة قضايا مثل قضية تودور
بوغدانوفيتش (3-1) التي علق فيها مراقب المحاكمة نيابة عن منظمة العفو
الدولية قائلاً إن قرار وكيل النيابة بأداء دور الدفاع سهَّل جداً حجة
الشرطي وجعل مهمة الأطراف المدنية والمحامي الذي يمثل العائلة "صعبة
للغاية". ومرة أخرى في قضية إيتيان لوبورنيو (3-2)، تُرك الدور الفعلي
للنيابة إلى قسم في محكمة الاستئناف، بينما ذهب وكيل النيابة في المحكمة
الجنائية الابتدائية إلى حد القول إن قتل الشرطة لسائق سيارة الأجرة
يبرره "الموقف الانتحاري" لذلك السائق – وهي حجة تثير الدهشة في
الملابسات المحيطة بالقضية وظلم تضاعفه حقيقة أنه لا يمكن تقديم استئناف
لحكم المحكمة الجنائية الابتدائية. ورغم أن عمليات الاستئناف لأحكام
المحاكم الجنائية الابتدائية يُسمح بها الآن، إلا أنها تخضع لاستنساب
النائب العام. وفي قضية وفاة محمد علي سعود (4-2) التي تبت فيها الآن
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تقاعس وكيل النيابة عن إخطار قاضي
التحقيق الذي بناء على ذلك، لم يفتح تحقيقاً إلا بعد مضي شهرين على حدوث
الوفاة. وفي قضية وفاة رياض حملاوي (3-5) الذي كان جالساً وهو أعزل في
سيارة، أُردي بالرصاص من مسافة قريبة من جانب شرطي في العام 2002، قررت
النيابة العامة عدم استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية الذي
انتقده وزير سابق في الحكومة الفرنسية بقوله إنه لا يحتمل أن يوحي بالثقة
في نظام القضاء الفرنسي. واتُخذ هذا القرار بعدم متابعة القضية رغم حقيقة
أن وكيل نيابة يعمل بصفة وكيل نيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية، طلب
إنزال عقوبة السجن لمدة ست سنوات لكي تعكس خطورة الجريمة التي اعتقد أنها
وقعت نتيجة قرار متعمد.
وفي التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2000، أشارت المنظمة إلى
ممانعة المحاكم في إدانة أفراد الشرطة على جرائم العنف أو القوة المفرطة،
أو تأييد الأحكام التي حاولت أن تعكس خطورة الجريمة. و"في بعض الحالات"
علقت قائلة إن "أعضاء النيابة يؤدون كما يبدو دوراً نشطاً في استمرار
ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب عندما يتعلق الأمر بأفراد الشرطة." وحتى
اليوم يظل هذا الأمر يشكل مصدر قلق حقيقياً.
4.2 عمليات التأخير في الإجراءات القضائية
ينص القانون الدولي على إجراء تحقيق دون إبطاء في الشكاوى المتعلقة
بانتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 12 من اتفاقية
مناهضة التعذيب على أن : "تضمن كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء
تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملاً
من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها
القضائية." وينبغي المباشرة بالإجراءات الجنائية وإتمامها في غضون مدة
زمنية معقولة، كحق للمتهم، انظر مثلاً المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكجزء من الحق في "سبيل انتصاف فعال"
للأشخاص الذين انتهكت حقوقهم، انظر مثلاً المادة 2(3) من العهد المذكور.
وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها
"إزاء عمليات التأخير والطول غير المعقول للإجراءات القضائية في التحقيق
والمقاضاة على الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المتعلقة بالموظفين
المكلفين بإنفاذ القوانين". الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان،
الفقرة 15. ويوضح عدد من القضايا التي عملت منظمة العفو الدولية بشأنها
المشكلة الحقيقية لعمليات التأخير الطويلة والتقاعس عن توخي اليقظة
الواجبة في الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بشكاوى ضد الموظفين
المكلفين بإنفاذ القوانين.
ومن هذه الحالات تلك المتعلقة بلوسيان دجوسوفي، وهو مواطن من بنين قامت
منظمة العفو الدولية بحملة نيابة عنه. وأدين شرطيان فرنسيان في العام
1996 باستخدام العنف غير القانوني وبإصابته بجروح، وصدر على كل منهما حكم
بالسجن لمدة 18 شهراً مع وقف التنفيذ وأُمرا بدفع تعويضات. بيد أن منظمة
العفو الدولية تشعر بقلق شديد من أن التحقيق والمحاكمة استغرقا خمس سنوات
وأربعة أشهر قبل اختتامهما. وقال المحامي الذي راقب الإجراءات القضائية
نيابة عن منظمة العفو الدولية إنه لا يعتبر التفسيرات التي قدمها المدعي
الخاص لتبرير طول الإجراءات القضائية مقنعة.
وهناك قضية أخرى كهذه هي قضية مراد تشير، وهو شاب من أصل جزائري أُصيب
بطلق ناري قاتل في ظهره في سان-فون، بالقرب من ليون، وأردي مراد تشير
الذي كان أعزل بالرصاص في العام 1993، بينما كان يحاول الإفلات من حجز
الشرطة. واتسمت القضية بتجاوزات إجرائية وعمليات تأخير مستمرة. ولم توجه
تهمة رسمية إلى الشرطي الذي أطلق الرصاصات القاتلة إلا بعد تقديم شكوى من
جانب الطرف المدني – وبعبارة أخرى، إلى أن أخذت العائلة زمام المبادرة في
التحرك. ولم يتم تمثيل وقائع عملية إطلاق النار إلا بعد مضي عامين على
وفاة الضحية. وفي العام 1998 حُكم على شرطي بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف
التنفيذ.
وتوضح بعض الحالات المبينة أدناه هذا الوجه للإفلات الفعلي من العقاب.
ففي 25 مارس/آذار 1998، وقبل الحكم الصادر في يوليو/تموز 1999 عن المحكمة
الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية أحمد سلموني (5-2)، تبين للجنة
الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في قضية سلموني، انتهكت فرنسا المادة 6 من
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بإجراء محاكمة عادلة خلال
فترة زمنية معقولة. ووفقاً للجنة، تتضمن معايير تقدير "الوقت المعقول":
مدى تعقيد القضية؛
سلوك أطراف القضية؛
سلوك السلطات.
وتبين للجنة أنه رغم بدء تحقيق في مزاعم أحمد سلموني في مارس/آذار 1993 –
لكن فقط بعد أن أصبح المدعي طرفاً مدنياً في القضية – لم يخضع أفراد
الشرطة للتحقيق من جانب قاض للتحقيق حتى العام 1997، وأن التحقيق القضائي
ظل مستمراً بعد مرور أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر على المباشرة فيه،
رغم حقيقة أن القضية، رغم خطورتها الشديدة، لم تكن معقدة جداً. وأضافت
اللجنة أنه نظراً لخطورة المزاعم، والفترة الزمنية الطويلة التي مضت على
وقوع الأحداث، تقاعست السلطات عن توخي اليقظة اللازمة لما فيه مصلحة
إجراء تحقيق سريع.
وكانت قضيتا يوسف خايف (قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهتش (وفاة في الحجز)
من جملة قضايا أخرى توضح هذا التقاعس بشكل ملفت. فقضية يوسف خايف الذي
توفي في العام 1999 احتاجت إلى 10 سنوات لكي تصل إلى المحكمة. وبالمثل
فإن قضية عيسى إهتش (4-1) الذي توفي في العام 1991 استغرق وصولها إلى
المحكمة 10 سنوات. والانتظار هذا الوقت الطويل جداً لتسوية القضايا ليس
مشكلة حقيقية للعائلات والأقرباء وحسب، بل يمكن أيضاً أن يزيد من الإجهاد
الذي يتعرض له أفراد الشرطة المعنيين.
ويساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء الوجود الفعلي لنظام "بسرعتين"
للتعامل مع الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بأفراد الشرطة. ومن
الحالات التي توضح هذه المشكلة حالة عمر بهاء (5-7). ففي فبراير/شباط
2003 رفضت المحكمة الإصلاحية في باريس تهماً وجهها إليه أفراد الشرطة
الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2002 "بمقاومة الاعتقال"، و"السلوك
المهين" و"التحريض على الشغب" – والأخيرة تهمة ليست موجودة في قانون
العقوبات الفرنسي، لكنها استُخدمت لتبرير تمديد حجزه لدى الشرطة. بيد أن
عمر بهاء قدَّم أيضاً شكوى حول إساءة المعاملة ضد أفراد الشرطة الوطنية.
وعند كتابة هذا التقرير، كانت الدعوى التي رفعها عمر بهاء ضد أفراد
الشرطة ما زالت قيد الدرس بعد مضي عامين على النظر في الدعوى التي رفعها
الشرطي ضده وتسويتها.
5.2 الأحكام الاسمية أو "العقوبات الرمزية"
إلى جانب عدد من أحكام البراءة الخلافية جداً في قضايا تتعلق برجال
الشرطة، هناك عامل آخر يسهم في نشوء ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب هو
نمط الأحكام الرمزية. فغالباً ما يطلب أعضاء النيابة إصدار عقوبات رمزية
وترضخ المحاكم لطلبهم، رغم خطورة الجرم. وفي العام 1997، وفيما يتعلق
بدولة أخرى في أوروبا الغربية، أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء
توقيع "عقوبات رمزية، لا تتضمن حتى قضاء فترة في السجن" في قضايا اتُهم
فيها موظفون رسميون بارتكاب أفعال تعذيب. الملاحظات الختامية للجنة
مناهضة التعذيب : أسبانيا .UNDoc.A/53/44، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1997،
الفقرة 128. وفقاً للجنة مناهضة التعذيب فإن "الأحكام التي تُفرض على
الموظفين الرسميين المتهمين بممارسة التعذيب، والتي غالباً ما تتضمن
عقوبات رمزية، لا تنطوي حتى على قضاء فترة في السجن، تشير كما يبدو إلى
درجة من التسامح تجرد العقوبة الجنائية من الأثر الرادع والاتعاظي الذي
يجب أن يرتبط بها ..." المصدر آنف الذكر. وشعرت لجنة مناهضة التعذيب أن
زيادة قسوة العقوبات تساعد في القضاء على ممارسة التعذيب. وتعتقد منظمة
العفو الدولية أن بواعث قلق مشابهة تنطبق على فرنسا اليوم، في كل من
حالات التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام غير القانوني والمفرط للقوة
المؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بجروح.
وفي معظم حالات إطلاق النار المميت التي صدرت فيها إدانات، نادراً ما
تجاوزت العقوبات عقوبة السجن مع وقف التنفيذ. ورغم أننا سمعنا عن شرطي
يقتل متهماً في حادثة إطلاق نار ويتلقى عقوبة بالسجن طويلة نسبياً، إلا
أن ذلك أمر غير معتاد وتستلزم الملابسات توافر أدلة على أن الشرطي تصرف
بطريقة صارخة بشكل استثنائي، أو أنه أُدين سابقاً أو لديه سجل تأديبي
يلطخ سمعته. وفي ديسمبر/كانون الأول 1997، أُردي فابريس فرنانديز بالرصاص
من جانب شرطي أثناء استجوابه وهو مكبل اليدين في مركز للشرطة. وحُكم على
الشرطي، الذي أُوقف سابقاً عن الخدمة في الشرطة بتهمة الاعتداء، بالسجن
لمدة 12 عاماً بتهمة القتل في ديسمبر/كانون الأول 1999. وفي أغسطس/آب
1998، أُردي إريك بن فاطمة الذي كان يتسول للحصول على السجائر من جانب
شرطي أطلق عليه النار أربع مرات بينما كان يطارده في الشارع. والشرطي
الذي صوره وكيل النيابة والدفاع بأنه "شرطي طيب" لكنه يعاني من أزمة
عصبية، أدين بالتهمة ذاتها وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات في
يونيو/حزيران 2000. لكن في معظم الحالات، سعى أعضاء النيابة والقضاة –
وفي حالة المحاكم الجنائية الابتدائية – هيئة المحلفين، جاهدين لتفادي
صدور حكم فعلي بالسجن. وبموجب المادة 734 من قانون الإجراءات العقابية،
يجوز للقاضي أن يأخذ بعين الاعتبار سجل الخدمة الجيد وغيره من العوامل،
مثل الندم أو الاعتراف بالذنب، لكنه ليس ملزماً بإبداء أسباب قراره عند
إصداره عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ. وعملياً فإن أفراد الشرطة الذين
أدينوا بالقتل غير القانوني للمتهم استفادوا دائماً من وقف تنفيذ العقوبة
بموجب المادة 734. ويتعلق القسم الأكبر من الحالات الموثقة في هذا
التقرير إما بأحكام براءة مثيرة للجدل أو بعقوبات رمزية، حتى عندما
اعترفت المحكمة أن القضية خطيرة للغاية.
رشيد أردجوني، فتى عمره 17 عاماً من أصل جزائري أُطلقت عليه النار في
مؤخر رأسه وسقط صريعاً في إبريل/نيسان 1993. وأُدين الشرطي بالقتل العمد
وحُكم عليه بالسجن لمدة 24 شهراً مع وقف تنفيذ 16 شهراً منها. وفي
مايو/أيار 1996 خفضت محكمة استئناف دواي الحكم، رغم أن الشرطي كان
مخموراً (انظر التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية بين الأعوام 1994
و1997). وزادت المحكمة فترة وقف التنفيذ من 16 شهراً إلى 18 شهراً وخفضت
الأضرار والتعويضات المالية الممنوحة إلى عائلة الفقيد. حتى أن المحكمة
نقضت قرار المحكمة الإصلاحية بتدوين الإدانة في السجل الجنائي للشرطي.
وهذا يعني أنه يمكن للشرطي مواصلة الخدمة في قوات الشرطة وحمل سلاح.
ومنذ ذلك الوقت، لا يبدو أنه حصل تغيير يذكر في نمط الأحكام الرمزية.
وتشمل الأمثلة الأخرى قضية قاصر أعزل اسمه حبيب ولد محمد (3-4) أردي
بالرصاص في ديسمبر/كانون الأول 1998 وتُرك على قارعة الطريق، وأشارت
المحكمة إلى الحادثة على أنها "سلسلة مذهلة من الأخطاء المهنية المتهورة
والخرقاء" التي ارتكبها الشرطي الذي تقاعس عن الإبلاغ، كما يجب، بأنه
أطلق النار من سلاحه. بيد أنه لم يُحكم على الشرطي إلا بعقوبة السجن مع
وقف التنفيذ. وفي قضية رياض حملاوي (3-5) الذي أرداه شرطي بالرصاص في
العام 2000، جادلت المحكمة بالقول إنه رغم خطورة الجريمة، إلا أنه لا
فائدة من سجن الشرطي وأن تصرفه يُعزى إلى التدريب "الرديء". وصدرت على
الشرطي عقوبة مع وقف التنفيذ.
6.2 الدور الإشكالي للمحاكم الجنائية الابتدائية
حتى فترة حديثة، أصدرت المحاكم الجنائية الابتدائية المؤلفة من ثلاثة
قضاة (’المحكمة‘) وهيئة محلفين تضم ما بين تسعة واثني عشر مواطناً
فرنسياً، أحكاماً في قضايا جنائية خطيرة نسبياً أحالتها إليها شعبة
الاتهام، وهي قسم في المحكمة يقرر وضع القضية – ما إذا كان سيتم المباشرة
فيها، وإذا كان الأمر كذلك، يحدد المحكمة التي ستتولى المحاكمة فيها.
وبينما كان هناك حق في استئناف قرارات المحكمة الإصلاحية التي تبت في
جرائم أو مخالفات أقل خطورة وليس فيها هيئة محلفين، فإنه لا يتوافر مثل
هذا الحق في المحاكم الجنائية الابتدائية التي تبت بالقضايا كمحكمة
ابتدائية ونهائية. (والطريقة الوحيدة للاعتراض على قرارات المحاكم
الجنائية الابتدائية هي رفع طلب نقض أمام الشعبة الجنائية التابعة لمحكمة
النقض. ولكن هذه الشعبة لن تنظر إلا في المسائل القانونية والإجرائية،
وليس في وقائع القضية، وبالتالي تحد بصرامة من إمكانيات الاستئناف).
والأساس المنطقي العام لغياب آلية كاملة للاستئناف يكمن في الاعتقاد بأنه
لا يجوز استئناف الحكم الصادر عن هيئة المحلفين لأن الشعب هو السيد،
وبالتالي معصوم عن الخطأ. بيد أن عدم توفير أية وسيلة للاستئناف، إلا
بشأن الشكليات، مثل الأخطاء الإجرائية، شكل انتهاكاً واضحاً وجوهرياً
للقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة 14(5) من العهد الدولي الخاص
بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أنه : "لكل شخص
أدين بجريمة حق اللجوء، وفقاً للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حُكم به عليه". ويوجد نص مشابه في المادة 2 من البروتوكول 7 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
به وهو مقيد. وفي هذه الحالة جادلت المحكمة بأن الشرطة تصرفت من منطلق "الدفاع المشروع"، وأنه لا وجه لإقامة دعوى ضد الشرطة، رغم حقيقة أن الوفاة حدثت دون جدال بعد مضي 15 دقيقة أو أكثر على تقييد الضحية وتكبيل يديه وساقيه، ومع ذلك ظل يتعرض لضغوط التقييد من جانب أفراد الشرطة والتي أدت إلى اختناقه حتى الموت.
·
"يستخدمون إلى أبعد حد ممكن وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام
القوة والأسلحة النارية. وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية
إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق
النتيجة المطلوبة".11
· لا ينبغي استعمال الأسلحة النارية "إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في
ارتكابه جرماً مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى
وتكون التدابير الأقل تطرفاً غير كافية لكبح المشتبه به أو لإلقاء
القبض عليه."12
· إذا تعذر تفادي استخدام القوة، فإن المبدأ الخامس من المبادئ
الأساسية للأمم المتحدة، ينص من جملة أمور على أنه يتعين على الموظفين
المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة ما يلي :
(أ) ممارسة
ضبط النفس في استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم والهدف
المشروع المراد تحقيقه،
(ب) تقليل الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان،
(ج) التكفل بتقديم المساعدة والإسعافات الطبية في أقرب وقت ممكن إلى
الشخص المصاب أو المتضرر.
كما تشدد المبادئ الدولية على أهمية مبدأ التناسب في تقدير ما إذا كان
استخدام القوة مشروعاً ويتعذر تجنبه تماماً، من أجل حماية الأرواح. وينص
المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية
من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين على أنه : "يتعين على
الموظفين ... عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد إلا في حالات الدفاع عن
النفس أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة" أو لمنع
ارتكاب "جريمة بالغة الخطورة تنطوي على تهديد خطير للأرواح أو للقبض على
شخص يمثل خطراً من هذا القبيل" وذلك "فقط عندما تكون الوسائل الأقل
تطرفاً غير كافية لتحقيق هذه الأهداف". وتضيف المادة "وفي جميع الأحوال
لا يجوز استخدم الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً
تجنبها من أجل حماية الأرواح."
ويدعو المبدأ السابع الحكومات إلى أن تكفل : "المعاقبة على الاستخدام
التعسفي للقوة أو الأسلحة النارية أو إساءة استخدامها من جانب الموظفين
المكلفين بإنفاذ القوانين باعتبار ذلك جريمة جنائية بمقتضى قوانينها".
كذلك تدعى الحكومات والهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين إلى "وضع إجراءات
فعالة للإبلاغ والمراجعة" حيثما يؤدي استخدام القوة والأسلحة النارية من
جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين إلى إصابة أو وفاة.
وينص المبدأ التاسع من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام
خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة13 على أن :
"يجري تحقيق شامل عاجل نزيه عند كل اشتباه بحالة إعدام خارج نطاق القانون
أو إعدام تعسفي أو إعدام دون محاكمة، بما في ذلك الحالات التي توحي فيها
شكاوي الأقارب أو تقارير أخرى جديرة بالثقة، بحدوث وفاة غير طبيعية..."
وينص المبدأ 18 على وجوب تقديم الجناة إلى العدالة. وينص المبدأ 11 على
أنه حيث تكون إجراءات التحقيق المعتادة غير وافية بسبب الافتقار إلى
الخبرة أو النـزاهة، أو بسبب أهمية المسألة أو حيث تقدم أسرة المجني عليه
شكاوى من وجود أوجه القصور هذه أو تكون هناك أسباب جوهرية أخرى، "تواصل
الحكومات التحقيق بواسطة لجنة تحقيق مستقلة".
ويدعو المبدأ 20 إلى تقديم تعويض عادل وكاف خلال فترة معقولة إلى عائلات
ومعولي ضحايا عمليات الإعدام هذه.
ويساور منظمة العفو الدولية القلق، من جملة أشياء، إزاء التفسيرات
الواسعة، وأحياناً الخيالية إلى حد ما "للدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"،
وتحث السلطات على مراجعة تطبيق القانون من جانب المحاكم. وتتناول الفقرة
أدناه خمس حالات من أصل عدد من الحالات الأخرى لعمليات إطلاق النار
المميتة التي نظرت فيها المحاكم بين العامين 1995 و2003. وبما أن هذه
الحالات حدثت قبل عدة سنوات وقد أُقفلت الآن، فمن الممكن وصف تاريخها
اعتباراً من البداية وحتى النهاية؛ لكنها توضح أيضاً بواعث القلق
المتواصلة. ولم يكن أي من الضحايا الذين جرى توثيق حالاتهم يحمل أسلحة
نارية ولم يكن لعدد منهم أي سجل سابق لدى الشرطة.
1.3 تودور بوغدانوفيتش
من الأمثلة البليغة والتي أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها بشأنها في
جلسة شفوية عقدتها اللجنة في العام 1997 قضية تودور بوغدانوفيتش، وهو طفل
غجري من صربيا عمره ثماني سنوات أردته شرطة الحدود بالرصاص بالقرب من
سوسبل (جبال الألب – البحرية) ليلة 19-20 أغسطس/آب 1995. 14 وكان تودور
بوغدانوفيتش نائماً في المقعد الخلفي لإحدى السيارات التي تشكل جزءاً من
قافلة قوامها 43 غجرياً حاولوا الوصول إلى فرنسا بعد الفرار من نوفي
بازار. والقافلة التي كانت تتألف من أربع سيارات ومقطورتين كانت تتجه
صعوداً عبر طريق جبلي ناءٍ في الظلام. وزعم شرطيا الحدود أنها عندما
اقتربت من نقطة التفتيش حاولا إيقافها. وقالا إنهما كانا يرتديان زيهما
الرسمي وكان هناك ضوء تحذيري في نقطة التفتيش. وعندما لم تتوقف السيارتان
الأوليان – بطأتا السرعة في البداية، لكنهما ما لبثتا أن أكملتا طريقهما
بسرعة، وتجنبتا سيارة الشرطة – أطلق شرطي ثلاث طلقات – واحدة على السيارة
الأولى برصاصة مطاطية واثنتان على السيارة الثانية برصاص معدني، أدخلهما
في البندقية نفسها التي تعمل بالدفع الخلفي عقب إطلاق الرصاصة المطاطية.
وهذه البندقية من النوع الذي يحتاج إلى دفع خلفي منفصل قبل الضغط على
الزناد عند إطلاق كل عيار ناري. وأصابت الرصاصتان اللتان أطلقتا على
السيارة الثانية التي يقودها والد الطفل الزجاج الخلفي للسيارة من مسافة
قريبة جداً، حيث اخترقتا كتف تودور بوغدانوفيتش وخرجتا من قفصه الصدري.
وزعم أفراد عائلته أنهم لم يشاهدوا الضوء التحذيري ولا اللباس الرسمي،
لكن فقط "ظلال"، وخشوا من أن يكون الرجال قطاع طرق. وزُعموا أن أضواء
سيارة الشرطة كان مطفأة.
وقدم أعضاء القافلة طلبات لجوء على الفور، لكن لم يُسمح إلا للأفراد
المباشرين في العائلة بالدخول المؤقت إلى فرنسا. وفي اليوم الذي أعقب
عملية القتل، طُرد بقية أعضاء القافلة، بينهم شاهد عيان واحد مهم على
الأقل وربما عدد آخر من فرنسا، وبالتالي لم يتم أبداً إجراء مقابلة معهم
طوال الإجراءات القضائية. وفي يونيو/حزيران 1997، قضى مجلس الدولة أن
أوامر الطرد كانت غير قانونية. وبالتالي تم إلغاؤها.
وفُتحت تحقيقات شرطية وقضائية. وزعم الشرطي المعني أنه شعر بأنه مهدد
بالسيارات القادمة والتي بدا أنها تتجه نحوه بينما كان يقف على الطريق
وأنه كان يتصرف دفاعاً عن النفس أو من قبيل "الدفاع المشروع". ولم يتمكن
التحقيق الداخلي للشرطة الذي أجرته المفتشية العامة للشرطة الوطنية من
إثبات تصرف الشرطي دفاعاً عن النفس وبحسب ما ورد خلص إلى أن الطلقتين
اللتين صوبتا إلى السيارة الثانية أطلقتا قبل الأوان. كذلك نقل عن نائب
وكيل النيابة في نيس قوله إن : "حجة الدفاع المشروع لا يمكن التمسك بها
بدون تحفظ... ولا يمكن اعتبار الدفاع المشروع أمراً مسلماً به، بل يجب
إثباته. والآن وفقاً للنتائج الأولية التي توصلت إليها المفتشية العامة
للشرطة الوطنية يبدو أن الطلقات أطلقت قبل أوانها". وأُخضع الشرطي
للتحقيق بتهمة القتل غير العمد وأُخلي سبيله تحت المراقبة القضائية.
وقدمت عائلة بوغدانوفيتش شكوى كطرف مدني.
بيد أنه في ديسمبر/كانون الأول 1996 قرر قاضي التحقيق رفض القضية. وبدا
أن وكيل النيابة متفق مع القاضي على أن الشرطي تصرف بصورة غريزية ومن
منطلق الخوف – أي أنه بعبارة أخرى خشي بشكل مشروع من أن حياته كانت في
خطر من السيارات التي مرت بسرعة عبر نقطة التفتيش. وعلى الفور قدمت عائلة
بوغدانوفيتش استئنافاً ضد الحكم. وأُحيلت القضية إلى شعبة الاتهام في
محكمة الاستئناف في إيه – أون – بروفانس التي نقضت في ديسمبر/كانون الأول
1997 أمر إسقاط الدعوى. وقبلت المحكمة بأن مظهر الشرطيين كان يدل بوضوح
على أنهما من الشرطة وقبلت بأن القافلة التي خشيت من الإعادة القسرية
تعمدت مواصلة السير عبر الحاجز. بيد أن المحكمة جادلت أنه لكي يكون
الشرطي قد استخدم سلاحه في دفاع مشروع، كان ينبغي أن يطلق النار بطريقة
توقف السيارة الثانية قبل اجتيازها للحاجز. وعوضاً عن ذلك، أطلق النار
جانبياً، من الورك ومن الخلف، فيما كانت السيارة قد اجتازت الحاجز فعلاً.
كذلك ذكرت المحكمة أن الشرطي كان بحاجة إلى تشغيل آلية البندقية والضغط
على الزناد في كل مرة يطلق فيها النار. ورغم أن الوقت الذي احتاجه لإطلاق
كل طلقة كان قصيراً، إلا أنه قد يكون لا بل يجب أن يكون كافياً للسماح له
باتخاذ قرار بعدم إطلاق النار حالما يكون أي خطر محتمل قد زال.
وأُحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية الابتدائية في جبال الألب البحرية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1998 برأت المحكمة الشرطي على أساس الدفاع
المشروع. وطلب وكيل النيابة إنزال عقوبة اسمية على أساس أن ظروف الدفاع
المشروع حُددت حالما مرت السيارة عبر الحاجز، لكن الشرطي لا يستطيع الزعم
بأنه تصرف من قبيل الدفاع المشروع، بإطلاق النار، كما فعل، حالما تجاوزته
السيارة. لذا، فالقضية تتعلق بالمدى.
وأرسلت منظمة العفو الدولية محامياً لمراقبة المحاكمة. وأشار المراقب في
التقرير الذي رفعه إلى المنظمة إلى "انطباعه الواضح" بأن وكيل النيابة
لعب كما يبدو دور الدفاع، الأمر الذي سهَّل الدعوى كثيراً على الشرطي،
ومن ناحية أخرى "زاد جداً من صعوبة" مهمة الأطراف المدنية
والمحامي الذي يمثل عائلة بوغدانوفيتش. ولم يشر وكيل النيابة في أي وقت إلى أن الشرطي لم يكن بحاجة إلى إطلاق الرصاصة الثالثة والمميتة أو أن زميله، الشرطي الثاني، وجد أنه من غير الضروري استخدام سلاحه. وبالنسبة للسؤال المهم المتعلق با