بسم الله الرحمن الرحيم

صحيفة العماد

دينية *  سياسية *  مستقلة

  وثائق 

الفارين من الصومال  ُيستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل

تُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين وثيقتها حول حقوق المهاجرين

إسبانيا والمغرب تُسيئان للأطفال المهاجرين

الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون

فرنسا : القضاء يخذل ضحايا وحشية الشرطة

تقرير يبحث في ملابسات وفاة ثلاثة من المحتجزين في سجن قاعدة غوانتانامو

بريطانيا:احتجاز المواطنين الأجانب لأجل غير مسمىً دون اعتبار لحقوق الإنسان الأساسية

 إساءة الولايات المتحدة معاملة المعتقلين

يجب التحقيق مع رامسفيلد وتينيت في تعذيب القوات الأميركية للسجناء

 

 

 ان موضوع حقوق الانسان من المواضيع المهمة التي رافقت البشرية علي مر التاريخ وقد تطور هذا الموضوع حتي اصبح اليوم من ابرز المظاهر الحضارية الذي تسعي البلدان المختلفة ان تكون صفحتها نزيهة ومقبولة في هذا المجال.

لكن المؤسف ان هذا الموضوع الذي اكتسب اهمية كبيرة ودونت له القوانين وشكلت من اجله عشرات المنظمات الدولية والمحلية تحول الي أداة بيد الكبار يسخرونه حيثما تقتضي سياساتهم ومصالحهم اللامشروعه .
فالولايات المتحده مثلا تسخر الاعلام وترصد الميزانيات الضخمة لتقول للاخرين انها المكان المثالي لتطبيق حقوق الانسان ثم تستخدم هذه القضية كسلاح لمهاجمة الاخرين وتشويه صورة كل من لايسير طوع ارادة واشنطن وبالتالي برزت مواقفها المزدوجه وحولت موضوع حقوق الانسان الي ورقة سياسية تستخدمها كما تشاء

انتهاكات حقوق الانسان في بريطانيا

 الانتهاكات البريطانية لحقوق الانسان  في ظل سن قوانين مجحفة بحجة مكافحة الارهاب

 

 

عرفت المملكة المتحدة علي مر تاريخها الطويل بتجاهل حقوق الانسان سواء في العهد الاستعماري او ما بعده .

 

ورغم ان البرلمان البريطاني سن عام 1998 تشريعا يقضي باعادة الحقوق الي اصحابها الا ان هذا القانون معقد جدا وغير فعال . ورغم دخوله حيز التنفيذ في 2/10/ 2001 فان السلطات البريطانية بقيت تنتهك حقوق الانسان وتخترق القانون وتتعدي علي استقلالية القضاء وحرية الاحتجاج او المعارضة الشرعية تحت لافتات الامن الوطني ومحاربة الارهاب .

 
الحرب علي الارهاب وخرق حقوق الانسان

بعد الحادي عشر من ايلول اقرت بريطانيا ثلاثة قوانين تحتوي بنود قاسية تنتهك مبادئ حقوق النسان .
وبعد تفجيرات لندن عام 2005 وضعت اجراءات وتدابير اضافية تتعارض مع التزامات لندن امام القانون المحلي والدولي بشأن حقوق الانسان .
لقد ادي تطبيق هذه القوانين والاجراءات الي كبت وخنق الاراء المعارضة والاحتجاجات واطلاق العنان لضباط الامن والمخابرات وعملاء الاجهزة الحكومية ان يرتكبوا اخطاء ويسيئوا استغلال سلطتهم علي حساب حقوق الانسان كالقتل غير القانوني والتعذيب والاعتقال التعسفي والمحاكمات غير العادلة .
وقد اثرت هذه الاجراءات دائما وبشكل خاص علي المسلمين والاقليات الاخري ممن لم ينخرطوا في نشاطات غير مشروعة . فهناك الاف المسلمين جري توقيفهم في الشوارع واستجوابهم ومضايقتهم واعتقالهم بموجب قوانين مكافحة الارهاب .
ان تعريف الارهاب في قانون 2000 البريطاني تعريف فضفاض وغامض اتاح للشرطة البريطانية توقيف متظاهرين مسالمين ومضايقتهم ومصادرة بعض ممتلكاتهم وبالتالي فان قانون 2000 صار اساسا لكل القوانين الخاصة بمكافحة الارهاب التي صدرت بعده والتي وضعت معايير للتوقيف والاعتقال وتوجيه التهم تناقض القوانين الدولية والمحلية .
وفي قانون عام 2001 الذي صدر بعد تفجيرات 11 سبتمبر منحت صلاحيات اوسع للاجهزة الامنيه وصار بامكانها الاعتقال لفترة غير محددة لرعايا اجانب دون توجيه اتهام وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب واعتبارها موثقة ويعتمد عليها .
وفي عام 2004 زارت اللجنة الاوروبية لمنع التعذيب بريطانيا وكتبت تقريرا اكدت فيه ان تنفيذ قانون مكافحة الارهاب تسبب في ان يعاني الكثير من المعتقلين والمحتجزين من اضطرابات عقلية وصحية موضحة ان المعاملة والاجراءات غير انسانية وغير لائقة ومهينة ومذلة.
وفي عام 2005 صدر قانون اخر في مجال مكافحة الارهاب يسمح لوزير الداخلية بان يفرض مراقبة وسيطرة علي الاشخاص لمجرد الاشتباه بتورطهم في الارهاب وتشمل هذه الاجراءات المراقبة والحد من التنقل وامثال ذلك مما ينتهك حقوق الناس وحرياتهم .


دور بريطانيا في اعادة او تسليم متهمين الي الولايات المتحدة .
كانت الحكومات الاوروبية ومن بينها بريطانيا تنكر انها شاركت في ابعاد او تسليم المتهمين في اطار البرنامج الامريكي .
لكن ما كشفته الوثائق فيما بعد اظهر ان الحكومات الاوروبية قد تبنت مبدأ ( لا نري ولا نسمع شرا ) عندما يتعلق الامر برحلات تسفير او تسليم المتهمين عبر اراضيها .
ان المطارات الاوروبية والمجال الجوي الاوروبي استخدما من قبل وكالة الاستخبارات الامريكية CIA عبر رحلات قامت بها لتسليم المتهمين او ابعادهم الي جهات اخري .
ان عملاء بعض الدول الاوروبية ومنها بريطانيا قد تورطوا في اعتقال بعض الناس بايعاز من المخابرات الامريكية كما تورطوا في استجواب هؤلاء ونقلهم او ترحيلهم . وكان التعذيب في كل هذه الاجراءات امرا روتينيا .
المجلس الاوروبي اشار في تقرير اصدره في حزيران عام 2006 الي ان هناك مائة شخص تم اختطافهم علي ايدي عناصر السي آي أي من الاراضي الاوروبية وتم تسليمهم الي دول اخري بعد نقلهم عبر مراكز اعتقال سرية تستخدمها المخابرات الاوروبية بالتعاون مع الحكومات الاوروبية .
فيما اشار تقرير صادر عن البرلمان الاوروبي في شباط 2007 الي ان المخابرات الامريكية نفذت 1245 عملية في اوروبا تضمنت احتجاز ونقل معتقلين الي اماكن او بلدان يواجه المتهمون فيها التعذيب والاضطهاد وحتي الاعدام .
واعترف التقرير بان العديد من الدول الاوروبية قد تهاونت وتسامحت مع النشاطات والاعمال اللاقانونية التي قامت بها اجهزة الاستخبارات الامريكية .
وباختصار فان المملكة المتحدة واوروبا كانتا شريكين للولايات المتحدة في هذه الجريمة .
اما منظمة العفو الدولية فقد اكدت في تقاريرها ان بريطانيا هي من ضمن 14 دولة تواطئت مع السي آي أي مشيرة الي ان من تم اعتقالهم ونقلهم الي دول اخري قد اختفوا كما اجرت المنظمة مقابلات مع بعض الناجين اكدوا فيها انهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة .
وفي هذا المجال اظهر تقرير نشرته صحيفة الغارديان في 12 تموز 2005 ان الاسطول الجوي الذي تديره ال CIA وقوامه 26 طائرة قد استخدم 19 مطارا بريطانيا والعديد من القواعد الجوية البريطانية .


احتلال العراق وانتهاك حقوق الانسان
تحالفت الولايات المتحدة مع بريطانيا وغزت العراق مطلع ربيع عام 2003 .
ومنذ ذلك الوقت ذاق ملايين العراقيين انواع القتل والاصابات والاعاقة والتشويه والنزوح عن البلاد .
ان القوات الامريكية والبريطانية التي دمرت 12 مدينة عراقية اعتقلت الاف العراقيين لفترات غير محددة دون تهمة او محاكمة وكان جنود الاحتلال يقتلون ويعتقلون العراقيين عند حواجز التفتيش بشكل روتيني وعند مداهمة البيوت او تنفيذ العمليات العسكرية التي يمارسون خلالها كل الجرائم وينتهكون كرامة الانسان بلا وازع ولا رادع .
ان المبررات التي اعطتها واشنطن لغزو العراق لم تكن قانونية مطلقا وقد تسببت حرب العراق بالكثير من الضحايا والاصابات بين صفوف المدنيين وخلقت ازمة انسانية كبيرة للشعب العراقي .
لقد عملت واشنطن ولندن علي تضعيف دور الامم المتحدة في العراق بل سعتا الي اخذ الشرعية الدولية منها لجعل ممارساتهما غير القانونية في العراق بعيدا عن المحاسبة من قبل المجتمع الدولي .
لقد طالت عمليات الاعتقال معظم العراقيين لادني شبهة وعمدت قوات الاحتلال الي حرمان المعتقلين من حقوقهم التي كفلتها القوانين الدولية فكان المعتقل يقضي عامين في السجن بلا تهمة وبلا محاكمة ثم يطلق سراحه دون أي تعويض او حق شرعي لرفع الظلامة عنه واسترداد حقوقه .
ان اول تقرير صدر عن سلطة الاحتلال بقيادة بول بريمر عام 2004 اشار الي اعتقال 8500 عراقي بينما كان الرقم الحقيقي اكثر بكثير وقد جري الابلاغ عن انواع التعذيب التي كان يتعرض لها المعتقلون كالصدمات الكهربائية والضرب والجلد بالكيبلات البلاستيكية ناهيك عن سوء المعاملة وانتهاك الحرمات ولا ادل علي ذلك مما حدث في سجن ابوغريب .
لقد سجلت منظمة العفو الدولية حالات موت عديدة في معسكرات الاعتقال البريطانية والامريكية في العراق من بينها قتل اربعة اشخاص علي يد الجنود البريطانيين اواخر عام 2004 .
وفي 11 شباط من نفس العام عرض التلفزيون البريطاني فيلما مذهلا يظهر فيه جنود بريطانيون وهم يركلون ويضربون اربعة مراهقين عراقيين بعد ان تم القبض عليهم لاشتراكهم في تظاهرات . كما اظهر الفيلم جنديا بريطانيا وهو يعبث بجثة عراقي ميت ويركله برجله .


الفوبيا او الخوف غير المبرر من الاسلام
ان المادة الثانية من الميثاق العالمي للحقوق السياسية والمدنية والثقافية تلزم جميع الدول علي معاملة البشر علي اساس انهم متساوون في الحقوق امام القانون دون تمييز من أي نوع كالعرق او اللون او الجنس او الدين او الاتجاه السياسي .
كما تنص المادة 20 علي رفض أي محاولة او تحريض علي الكراهية الدينية او الوطنية او العرقية والتي تكون بمثابة التحفيز علي التمييز والكراهية والعنف . هذا اضافة الي الكثير من القوانين الدولية الاخري في هذا المجال .
ومع ذلك فان الروح العدائية تجاه الاسلام والمسلمين اصبحت سمة بارزة في بعض المجتمعات الاوروبية منذ القرن الثامن . وقد اتخذت هذه العدائية اشكالا مختلفة علي مر الازمان .
ان الفوبيا يمكن ان تعرف علي انها خوف غير منطقي وغير عقلاني من الاسلام تنتج عنه كراهية ضد المسلمين لان الغربي الذي يخضع لايحاءات الفوبيا يتصور بان المسلمين متعصبون دينيا ويحملون توجهات عدائية ضد غير المسلمين وهي اتهامات ,المسلمون منها براء .
وبالتالي فان صور العداء للاسلام والمسلمين في بريطانيا ودول غربية اخري تمثلت بما يلي :
-الاعتداءات الجسدية واللفظية ضد المسلمين والاساءة للاسلام في الاماكن العامة .
-الهجوم علي المساجد وتدنيس المقابر الاسلامية .
-سياسة الهجوم علي الحجاب في ظل قوانين مفبركة تتظاهر بحقوق المرأة .
-نشر صور نمطية سلبية ومسيئة في الاعلام الغربي ورسم صورة غير لائقة للمسلمين في اذهان غيرهم .
-التركيز علي هذه الهجمة في خطب ومحاضرات الزعماء السياسيين في بريطانيا والتي توحي علي اقل تقدير الي ان المسلمين اقل التزاما من غيرهم بالقانون وقواعد الديمقراطية .
-التمييز في مجالات التوظيف وفي مجال ممارسة المسلمين لعاداتهم وعباداتهم وثقافتهم في اماكن العمل .
-استخدام البيروقراطية واللامبالاة في التعامل مع مطالب المسلمين في مجال التربية والرعاية الصحية وفي تطبيقات التخطيط للمساجد.

 

-عدم الاهتمام بكون المسلمين في بريطانيا متضررون بسبب الفقر والاقصاء الاجتماعي .
-عدم اعتراف القانون البريطاني بالمسلمين بشكل خاص والدين بشكل عام وبالتالي كان التمييز علي اساس الدين في العمل امرا قانونيا الي حد قريب اما التمييز في تقديم الخدمات فما يزال الي الان قانونيا .
-الخروج عن المألوف في التشريعات التي تتعلق بالنظام العام بحيث يحصل المسلمون علي حماية اقل من الجماعات التي تنتمي الي دين اخر .
-القوانين التي تعرقل وتحد من الحريات المدنية والتي تؤثر علي المسلمين سلبا مقارنة بغيرهم .
ان التعصب الديني ليس جديدا في المجتمع البريطاني لكنه تفاقم بعد احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 بحيث واجه المجتمع المسلم تداعيات ومظاهر الخوف المبالغ فيها من الاسلام .
ان المسلمين في بريطانيا هم اكثر الجاليات تعرضا للاساءة وهم اول من توجه اليهم اصابع الاتهام عندما يتعلق الامر بالارهاب والحرب علي الارهاب وهذا الامر اتخذ منحي جديدا متطورا لمشكلة قائمة بحد ذاتها لا علاقة لها بالاسلام اصلا .
ومنشأ هذا العداء المتزايد للاسلام عدة عوامل علي رأسها السياسة الخارجية التقليدية لبريطانيا تجاه حالات الصراع المختلفة وخاصة في الشرق الاوسط بحيث خلقت هذه السياسة اعتقادا وتصورا بان الحرب علي الارهاب هي في الحقيقة حرب علي الاسلام .
والعامل الثاني هو ترويج وسائل الاعلام البريطانية للنظرة المادية والعلمانية والالحادية في التعاطي مع الكون والانسان .
والعامل الثالث هو ما يلعبه الساسة البريطانيون والاحزاب من دور تحريضي ضد الاسلام فقد نشر في عام 2004 فيلم وثائقي سجل سرا ويظهر فيه قادة من الحزب الوطني البريطاني اليميني تحت اسماء مستعارة وهم يصورون الاسلام كدين شرير وقبيح كما عبروا عن امنياتهم في ان يقوموا بتفجير المساجد واطلاق الرصاص علي المسلمين. وهذا ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية .


انتهاكات حقوق الانسان في ايرلندا الشمالية
ان شكل ونظام الحكم المحدد ظهر شمال ايرلندا عام 1921 عندما اقتطعت الاقاليم الستة في الشمال من الاقضية ال26 في جنوب ايرلندا .
ان السنوات ال 77 التي تلت هذا الاجراء شهدت ما يشار اليه بشكل واسع بالمشكلات وهي مفردة تغطي تحتها وضعا اشبه مايكون بحالة الحرب المدنية . فهذه المشكلات انتجت الكثير من الانتهاكات لحقوق الانسان علي يد لاعبي السياسة المحلية الحكومية والمتواطئين مع الدولة البريطانية فضلا عن القادة العسكريين .
وشملت هذه الانتهاكات اشكالا من الاساءة اللفضية والتهديدات والتعذيب والعقاب القاسي وانتهاكات ممنهجة لحقوق الانسان في الحصول علي محاكمة عادلة ومسائل اخري تتعلق بالعدالة .
ان اعمال العنف التي جاءت نتيجة لما سلف بين الميليشيات والحكومة البريطانية وبين قوات الامن الوطنية (المحلية) قد تصاعدت علي مدي عدة عقود لتصل الي حرب مدنية شاملة تواطئت فيها الحكومة مع القادة العسكريين في محاولة منها لقمع الحملات السياسية العنيفة التي يقوم بها الوطنيون المتشددون .
وخلال ثلاثين عاما من فترات الفوضي والاضطرابات في ايرلندا والتي عرفت بالمشكلات فان المجتمع الايرلندي المتواجد في بريطانيا كان مستهدفا ويعامل معاملة مشبوهة ومشكوكة بل كان يعد مذنبا حتي تثبت براءته . وخلال هذه العقود الطويلة تعرض ملايين الايرلنديين للتوقيف والاعتقال في المطارات البريطانية .
وهناك دراسة قامت بها لجنة المساواة العرقية عام 1993 اظهرت ان 60 بالمئة من من ابناء الشعب الايرلندي بناء علي العينة التي اجريت عليها الدراسة في بريطانيا قد تعرضوا للتوقيف والاستجواب والتحقيق بموجب قانون مكافحة او منع الارهاب .
كما تمت مداهمة بيوت الايرلنديين بشكل منتظم واعتقل الالاف منهم لاسباب متفاوته لمدد تتراوح بين عدة ساعات وسبعة أيام واطلق سراح معظمهم دون توجيه أية تهمة .
في 30/1/1972 فتحت قوات الامن البريطانية النار في ديرين بمدينة لندن ديري علي متظاهرين عزل يطالبون بحقوقهم الانسانية مما ادي الي قتل 13 متظاهرا واصابة 14 اخرين وقد تمت تبرئة الجنود البريطانيين الذين نفذوا هذه الجريمة .
لقد وصلت حصيلة القتلي في ايرلندا الشمالية الي 3700 اثناء ما يسمي بفترة المشكلات في بلد لا يتجاوز عدد سكانه مليون ونصف المليون نسمة .
وفي 1 تموز عام 2003 اصدرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان حكما اكدت فيه بان المملكة المتحدة تعاود انتهاك حقوق الانسان من خلال خرق الميثاق الاوروبي في هذا المجال مشيرة الي ان التحقيق لم يكن كافيا بشان تورط الجنود والشرطة البريطانية بعمليات القتل في ايرلندا الشمالية .


السجون في المملكة المتحدة
يوجد نحو 85000 سجين في السجون البريطانية البالغ عددها نحو 160 سجنا .والغالبية العظمي من هؤلاء يحتجزون في سجون انكلترا وويلز حيث يبلغ عدد السجناء في هاتين المقاطعتين 148 سجينا لكل 100 ألف شخص وقد تضاعف عدد السجناء في بريطانيا منذ عام 1993 .
وفي اسكتلندا تبلغ نسبة المساجين 135 سجينا لكل 100 الف شخص حيث تكتظ السجون بالنزلاء في ظروف سيئة تتميز بالقسوة والوحشية واللا انسانية .
ووفقا لتقرير منظمة العفو الدولية عام 2004 فان المفتشة السابقة لسجون انكلتراوبعد الاطلاع علي اوضاع السجون اصدرت تقارير مذهلة عن الاوضاع السيئة والمزرية في هذه السجون وابدت قلقها الشديد حول الممارسات التعسفية والظلم والاستغلال التي تمارس ضد النزلاء وحول تعرض أمنهم وسلامتهم للخطر وظروف الاعتقال المهينة .
وادي هذا الوع الي لجوء السجناء للانتحار حيث سجلت 600 حالة وفاة في السجون البريطانية عام 2007 وثلث هذا العدد كان بسبب الانتحار .
كما اشار المفوض العام لحقوق الانسان في المجلس الاوروبي الي ان بريطانيا تمتلك المعدل الاعلي في اعتقال واحتجاز الاطفال والاحداث والمراهقين من بين دول اوروبا الغربية .


انتهاك حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء
ابدت المفوضية الاوروبية ولجنة حقوق الانسان الدولية والمنظمات الانسانية قلقها من محاولات بريطانيا نقل المسؤولية المتعلقة باللاجئين الي دول اخري غالبا ما تكون فقيرة وهذه الاجراءات تقوض حق الانسان في اللجوء وحقه في الحصول علي حماية لصونه من الاعادة الي مكان غير امن او تسليمه الي جهة يتعرض فيها للخطر .
وبموجب قانون صدر عام 2003 تم اعتقال نحو 120 من طالبي اللجوء واودعوا في سجون عادية دون ان يقترفوا أي جنحة تستحق العقاب .
وشملت هذه الاجراءات اعتقال الاطفال وعوائلهم كما بثت قناة بي بي سي فيلما وثائقيا فيه ادلة وبراهين تكشف ان معتقلين تعرضوا لاستغلال وتمييز عنصري وتعسف واذي جسدي علي يد المسؤولين والموظفين في مركز اوكينغتون لاستقبال اللاجئين .

 

الانتهاكات الامريكية لحقوق الانسان

     

ماتمارسه الولايات المتحدة ذاتها من انتهاكات لحرمة البشر لم يعد خافيا علي احد عندما تسربت الي الاعلام العديد من الممارسات التي مارسها الجيش الامريكي او اجهزة المخابرات الامريكية وربما يكشف المستقبل خفايا اكبر مما اكتشف من انتهاكات الادارة الامريكية لحقوق الانسان .
لقد شهد العالم مافعلته امريكا في سجن ابوغريب العراقي وقاعدة بغرام الافغانية ومعسكر غوانتانامو اضافة الي السجون السرية في اوروبا وخطف المشتبه بهم من أي مكان من العالم.
كما لم يخلو الداخل الامريكي من الانتهاكات الفضيعة لحقوق الانسان حيث مارست الشرطة الامريكية افضع الانتهاكات تجاه الكثير من المواطنين الامريكين
في هذا التقرير نستعرض نماذج من الانتهاكات الامريكيه لحقوق الانسان استنادا الي تقارير ووثائق دولية عديدة.

معسكرات التعذيب الاميركية
التعذيب في معتقل ابوغريب وسوء معاملة السجناء
منذ نيسان (ابريل) عام 2004 وعندما ظهرت الصور الاولي للموظفين العسكريين الامريكيين وهم يمارسون التعذيب وسوء المعاملة والاهانة والاذلال ضد المعتقلين في سجن ابوغريب في العراق تحاول حكومة الولايات المتحدة الاميركية جاهدة وبشكل متكرر ان تصور سوء المعاملة هذا كحادث منعزل او عملية قام بها 'افراد فاسدون' بدون ان يتلقوا اوامر بذلك.
ولكن في الواقع ان هذا النموذج من سوء المعاملة لم ينتج عن تصرفات فرديه للجنود الذين انتهكوا القوانين والقواعد بل نتج عن القرارات الصادرة عن اداره جورج دبليو بوش التي تتجاهل وتستخف وتضرب بعرض الحائط كل الاعراف والقوانين.
وان سياسات الاداره الامريكيه قد خلقت المناخ لما حدث في سجن ابوغريب انطلاقا من ثلاثه وسائل رئيسيه ابتداء من الالتفاف حول القانون الدولي واستعمال اساليب قهريه خلال التحقيق والاستجواب وطريقه اداره بوش في الزعم بانها لاتري الشر ولاتسمع به.
بالرغم من الحقيقه القائلة بان الولايات المتحده قد صادقت علي ميثاق منظمة الامم المتحده ضد التعذيب واتفاقيتي جنيف الثالثه والرابعه وان حكومة واشنطن قد اعترفت كذلك بان المعاهدات او الاتفاقيات المذكورة هي ملزمه في الحرب لاجل تحرير العراق يلاحظ بان اداره بوش تدعي بان السجناء المحتجزين في ابوغريب لاتنطبق عليهم صفه اسري حرب تحت القانون الدولي ولكن وردا علي هذا فان بعض الخبراء القانونيين يرون بان علي الولايات المتحده محاكمة بعض جنودها بتهمه جرائم الحرب. كما يرون انه بموجب اتفاقيه جنيف الثالثه والرابعه لايجوز معاملة اسري الحرب والمدنيين المحتجزين بسبب الحرب بطريقه مهينه وان انتهاك هذا الجزء من القانون هو 'خرق خطير'.
بهذا الصدد فان منظمة مراقبة حقوق الانسان (هيومن رايتس ووتش) قد اعدت تقريرا مفاده ان اداره بوش قد سعت بشكل فعال الي اعادة صياغه مواثيق او اتفاقيات جنيف لعام 1949 لتعطيل اهم بنودها المتعلقه بالحمايه وهذه تتضمن حقوق كل المعتقلين في النزاع المسلح بان لايتعرضوا للمعامله المذله لكرامتهم او للتعذيب وكل الاشكال الاخري من التحقيق او الاستجواب القهري.
وكما هو ملاحظ فان هذه الممارسات تدل علي الانتهاك الصارخ والفاضح لحقوق الانسان والمواثيق الدوليه .
ان معامله السجناء والمعتقلين بطريقه لاانسانيه ووحشيه تحت ذريعه الحرب علي الارهاب قد اجبرت المجتمع الدولي علي ان يخرج من صمته ويدين الولايات المتحده . ولهذا ينبغي علي الامم المتحده ان تخضع سلوك واشنطن في مجال حقوق الانسان لمراقبه مستمره من اجل حمايه حقوق المواطنين الامريكيين والمواطنين الاخرين في العالم.

التعذيب في قاعده بغرام بافغانستان وسوء معامله السجناء
منذ سقوط حكومة طالبان في افغانستان قامت القوات التي تقودها الولايات المتحده باعتقال وحبس الالاف من الافغان واناس من قوميات اخري في كل ارجاء البلاد .
يوجد مركز الاعتقال الاميركي الرئيسي في افغانستان في قاعده بغرام الجويه الواقعه شمال كابل . والمخابرات الاميركيه (CIA) هي الاخري تحتجز عددا غير معروف من المعتقلين في كل من قاعده بغرام الجويه ومواقع اخري في افغانستان بما في ذلك كابل.
وهناك تقارير عده لانتهاكات حقوق الانسان من قبل العسكريين الاميركيين ورجال الاستخبارات الاميركيه . وفيما يلي جوانب مقتضبه لما يحدث في سجن بغرام.
ظروف كارثيه في بغرام:
وفقا لمنظمه حقوق الانسان (هيومن رايتس ووتش) فان موظفي الاستخبارات الاميركيه يستخدمون نظاما للاستجواب يتضمن حرمان المعتقلين من النوم وتعطيل حواسهم واجبارهم علي الوقوف او الجلوس في وضعيات تسبب الكثير من الالام والاوجاع لمده طويله .
وايضا قد جري تعذيب المعتقلين عبرتعرضهم لدرجات حراره متجمده وضرب مبرح وتعريتهم من ملابسهم وتصوريهم وهم عراة وهذا كله قد تم رصده وملاحظته.
وتتشابه هذه الممارسات مع ماجري في العراق كما تتطابق مع الادعاءات التي تلقتها اللجنه الافغانيه المستقله لحقوق الانسان ومع التقارير الصادره عن بعثه الامم المتحده للمساعداتع في افغانستان وجهات قانونيه دوليه عديده.
ووفقا لصحيفه واشنطن بوست فان الاشخاص المحتجزين من قبل السي آي ايه في مراكز الاستجواب والذين رفضوا التعاون والتجاوب كانوا يجبرون احيانا علي الوقوف او الركوع لساعات طويله مغطين رؤوسهم باغطيه سوداء كما تعرضوا ايضا لاوضاع مؤلمه ومخزيه اضافه الي الحرمان من النوم وابقاء الاضاءه لمده 24 ساعه بهدف اخضاعهم لما يسمي باساليب الضغط والاكراه .
لقد بقي كثير من الذين اعتقلتهم القوات الامريكيه في افغانستان رهن الحبس لمدد غير محدوده في القواعد العسكرية الامريكية دون ان يكون لهم الحق في الاتصال بذويهم او اقاربهم وقد ارسل بعض المعتقلين الي القاعده البحريه الامريكيه في خليج غوانتانامو في كوبا بينما بقي الاخرون في افغانستان .
ان احتجاز الاشخاص والاعتقال العشوائي بحجة الحرب علي الارهاب يجب ان يخضع لاطار قانوني واضح وسليم فالقانون الدولي يمنع احتجاز الافراد وحرمانهم من الحرية والتحقيق معهم خارج اطار القانون .
وبالتالي يجب ان يخضع المحتجزون بسبب النزاعات المسلحة كما هو الحال في افغانستان الي احكام القانون الانساني الدولي كما يجب معاملتهم وفقا لاحكام هذا القانون .
في هذا الصدد يقول البروفيسور كول من كلية القانون في جامعة جورج تاون بواشنطن ان قضية بغرام تطرح اسئله جديه حول عدم رغبة ادارة الرئيس جورج بوش الامتثال للقانون وان الادارة الامريكية اختارت غوانتانامو في المقام الاول لانها اعتقدت ان هذه المنطقه هي منطقه لا تخضع للقانون لكن المحكمة العليا اقرت بان الاداره الامريكيه يجب ان تكون مسؤوله فعلا عن الحدود القانونيه في غوانتانامو .
ويؤكد البروفيسور كول ان الحل الحقيقي الوحيد امام الاداره الامريكيه هو ان يتوافق مسلكها مع القانون وان لا تواصل الهروب من المسؤوليه القانونيه عن افعالها .

اوضاع المعتقلين
ان الاوضاع الجسدية والذهنيه للمعتقلين في غوانتانامو لا تخضع بشكل من الاشكال لمعايير وحقوق الانسان الدولية فهم يقبعون في زنزانات صغيرة جدا.
و يقضي هؤلاء المعتقلين معظم النهار معصوبي الاعين ويحظر عليهم التكلم او التجمع لاكثر من ثلاثة اشخاص .
وقد سجلت انواع الحالات من التعذيب كالحرمان من النوم واستخدام ما يسمي بالمخدرات الباعثة علي التحدث بالحقيقة والضرب والعزل في زنزانات مقفلة وباردة كما يجبر المعتقلون علي الجلوس في اوضاع غير مريحة لفترات طويلة .
ووفقا لتقارير التي صدرت من المحكمة عام 2007 ونشرت في الاعلام فان عملاء ال أف بي آي اقروا بان المعتقلين كانوا يقيدون بالسلاسل بوضع اشبه بالجنين في الرحم لمدة لا تقل عن 18 ساعة بحيث يضطرون لقضاء الحاجة وهم علي هذه الحالة . وعلاوة علي ذلك تبث في المكان موسيقي صاخبة ومزعجة واضواء شديدة زيادة في التعذيب النفسي والازعاج .
وفي عام 2005 انتهج السجانون اسلوبا وحشيا باجبار المرضي والمضربين عن الطعام بادخال انابيب اطعام في انوفهم لتصل الي المريئ وتستخدم الانابيب ذاتها بين مريض واخر دون تعقيمها ودون استخدام مهدئات او مخدرات للالم اثناء هذه العملية .
عند وصول اول دفعة من المعتقلين الي غوانتانامو في 11 يناير عام 2002 قال عنهم وزير الدفاع الامريكي انذاك دونالد رامسفيلد انهم مقاتلون غير شرعيين مما يحرمهم تلقائيا من وضعية اسري الحرب واتفاقيات جنيف ‘ لكن وفي ظل رفض الرأي العام والمنظمات الدولية لهذا التصريح اضطر الرئيس الامريكي جورج بوش الي الاعلان عن ان واشنطن قد تطبق مبادئ معاهدة جنيف الثالثة علي المحتجزين من عناصر طالبان لكنها لن تعتبرهم اسري حرب .
اما المعتقلون من تنظيم القاعدة فقد رفض بوش تطبيق أي من المعاهدات الانسانية عليهم وبالتالي استمر مسلسل التعذيب المخزي بمباركة من الادارة الامريكية .


وسائل الاعلام 
جاء في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 21 حزيران / يونيو 2005 ان عميلا لمكتب التحقيقات الفدرالي الامريكي اكد انه دخل غرف الاستجواب فرأي معتقلين مربوطي الايدي والارجل وملقون علي الارض ولا يوجد كرسي او ماء او طعام ومعظم الاحيان كانوا يتغوطون ويتبولون علي انفسهم لانهم يبقون علي هذا الوضع 18 او 24 ساعة او اكثر .
وفي 9 مايو/ايار 2004 نشرت صحيفة واشنطن بوست وثائق سرية تظهر ان البنتاغون قد وافق علي استخدام وسائل معينة كالحرمان من النوم والتعرض للبرد والحرارة والانارة الشديدة والموسيقي الصاخبة اثناء استجواب المعتقلين .
وفي يونيو / حزيران 2004 اوردت صحيفة نيويورك تايمز ان من بين حوالي 600 معتقل في غوانتانامو لايوجد اكثر من عشرين ممن يرتبطون فعلا بتنظيم القاعدة وان معلومات محدودة جدا قد يتم الحصول عليها خلال استجوابهم .
وفي 8 مايو / ايار عام 2004 نشرت صحيفة واشنطن بوست مجموعة من اساليب التحقيق التي تم اعتمادها في التحقيق مع الارهابيين المزعومين في غوانتانامو وقد وصف كينث روشا مدير منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الاساليب بانها قاسية وغير انسانية بمقتضي الدستور الامريكي .
وفي مقال لها عام 2003 قالت صحيفة الغارديان البريطانية ان غوانتانامو مكان كئيب منعزل ومتخلف وقاهر ومذل لنزلائه وقد لا يتضح للاوروبيين مستوي الحراسة والاغلال وطريقة وضع المعتقلين في اقفاص بطريقة عقابية مذلة .
واعتبرت الغارديان ان غوانتانامو مثال صارخ عن استهتار الادارة الامريكية بحياة الناس وحقوقهم وهذا ما ترفضه المؤسسات والهيئات القضائية والتشريعية في كل من اوروبا وامريكا وتعتبره مذلا وخطيرا .
وبتاريخ 24/6/2005 كشفت صحيفة نيويورك تايمز ان الاطباء العسكريين ساعدوا في تجويد اساليب التحقيق واوصوا بتصعيد الخوف والضغوط النفسية كوسيلة للحصول علي المعلومات من المعتقلين .

 
موقف المنظمات الانسانية
لقي انتهاك حقوق الانسان في غوانتانامو ادانات وانتقادات كثيرة من مختلف المنظمات غير الحكومية عبر العالم .
اجمعت هذه المنظمات علي ان معتقلي غوانتانامو تم احتجازهم هناك دون مراعاة لكرامتهم وحقوقهم الانسانية والاساسية ووجهت لهم اتهامات كبيرة من قبل السلطات الامريكية دون ان يسمح لهم بالاتصال بمحامين.
هذه المنظات اكدت ان الحكومات عليها واجب حماية الناس واتخاذ الاجراءات المعقولة والقانونية لمنع الارهاب في حدود القانون ومبادئ حقوق الانسان .
وقد منعت الادارة الامريكية الاتصال والتواصل مع المعتقلين وحجبت أي معلومات عنهم وعن الظروف التي يعيشونها علما ان التقارير تؤكد ان بين المعتقلين اطفال تقل اعمارهم عن 13 عاما .
لجنة الصليب الاحمر الدولية من جانبها اعتبرت هذه الممارسات اشكالا مضاعفة من التعذيب ضد اناس لم تجر محاكمتهم او ادانتهم بأية جريمة ولم توجه لهم تهمة محددة .
ورغم اطلاق سراح الكثيرين لعدم وجود ادلة ضدهم الاانه مازال هناك المئات من الرجال مازالوا محبوسين الي اجل غير مسمي مع ضعف الامل في الافراج عنهم .
من هنا فان الكثير من المسؤولين الاوربيين طالبو وفي مناسبات عديدة باغلاق سجن غوانتانامو كما طالب بذلك البرلمان الاوروبي ودان كل اشكال التعذيب وسوء المعاملة مشيرا الي الارهاب يمكن مواجهته اذا أعطي الانسان كامل حقوقه وأحترمت الحريات المدنية .
ومنذ يناير 2002 تابع خمسة اعضاء من لجنة حقوق الانسان التابعة للاتحاد الاوروبي ظروف المعتقلين في غوانتانامو وطلبوا عام 2004 من الادارة الامريكية السماح لهم بزيارة المعسكر فسمحت لثلاثة منهم فقط واشترطت عليهم ان لا تتضمن الزيارة محاورات او مقابلات خاصة او لقاءات خاصة بالمعتقلين مما دفعهم لالغاء الزيارة .
وبالتالي صدر تقرير اللجنة اعتمادا علي اجابات الحكومة الامريكية علي استبيان حول ظروف معتقل غوانتانامو اضافة الي شهادات معتقلين سابقين ومعلومات متاحة للعموم وتقارير لمنظمات غير حكومية .
ويثير التقرير عددا من المسائل المهمة علي صعيد حقوق الانسان الدولية مع الاشارة الي قرارات مجلس الامن الدولي والجمعية العامة مع التأكيد علي ان الولايات المتحدة طرف في العديد من اتفاقيات حقوق الانسان ذات الصلة مع الاشخاص المحتجزين في غوانتانامو .
وبالنهاية فان منظمات حقوق الانسان وبعد دراسة ظروف معتقل غوانتانامو والمحتجزين فيه تقدمت بتوصيات عديدة من بينها :
-ان الاجهزة التنفيذية للحكومة الامريكية تلعب دور القاضي والاتهام والدفاع وهذا ما يعد انتهاكا خطيرا لا يمكن معه اجراء محاكمة عادلة .
-ان ما يثير القلق هو محاولات الادارة الامريكية لاعادة تعريف التعذيب بهدف السماح ببعض اساليب التحقيق التي لا يسمح بها القانون الدولي .
-ان الاساليب التي تسمح بها الادارة الامريكية هي خرق للمادة 16 من معاهدة جنيف والمادة 16 من المعاهدة المناهضة للتعذيب .
-ان استعمال العنف المفرط اثناء نقل المعتقلين واطعامهم بالقوة هو خرق للمادة واحد من المعاهدة التي تمنع التعذيب .
-هناك اشارات مؤكدة وموثقة بان المعتقلين في غوانتانامو كانو ضحايا لانتهاك مسؤولي المعسكر لحرية الدين والمعتقد وهذا ما يناقض الاعلان الذي صدر عام 1981 .
وبالتالي فان القانون الدولي لحقوق الانسان يشمل المعتقلين في غوانتانامو والولايات المتحدة ليست استثناء للتقيد بهذا القانون .

 

 

 

 

 

معسكر التعذيب الانفرادي في خليج غوانتانامو:منذ عام 2002 كان ومازال معسكر غوانتانامو مركزا عسكريا يتم فيه سجن واستجواب المحتجزين الدين ينتمون لاربع واربعين دولة ويبلغ عددهم اكثر من 775 معتقلا تتهمهم حكومة الولايات المتحدة بانهم من الاعضاء الناشطين في تنظيم القاعدة وحركة طالبان

 

 

ان الاحتلال الاميركي للعراق وافغانستان وهجمات حلف الناتو في هذه البلدان خاصة ضد الناس الابرياء والشعوب المسلمة التي ليس لها حول ولاقوة والعداء والظلم ضد الشعب الفلسطيني وتصنيف المقاتلين الفلسطينيين من اجل الحرية كارهابيين وادنة المسلمين والعرب وتعزيز ثقافة الكراهية ضد الاسلام كل هذه الاشياء تمثل تجليات واضحة لخوف الحكومة الاميركية من الاسلام . وان مواصلة الخوف من الاسلام كنمط في السياسة المحلية والخارجية من قبل حكومة الولايات المتحدة الاميركية قد ساهم بشكل كبير وخطير في النمو المتزايد للمواقف والتوجهات التي تعبر عن الخوف من الاسلام بين الجماعات الدينية المسيحية واليهودية والعلمانية المتطرفة فيها والتي ادت بدورها الي ظهور اعراض التعصب ضد المسلمين وانتشار خطاب الكراهية واشكال مختلفة من تشويه للاسلام وكذلك اليهودية والمسيحية ايضا.
وانطلاقا من التحريض والدعم من قبل حكومة الولايات المتحدة وسياساتها المتعلقة بالخوف من الاسلام فان وسائل الاعلام الكبري قد كرست نفسها لسنوات عديدة لتصوير الاسلام كانه ديانة شريرة وشيطانية ولخلق اجواء الكراهية ضد المسلمين حول العالم خاصة بعد احداث 11 سبتمبر. اضافة الي هذا فان بعض الاوساط المرتبطة بصناعة الافلام والسينما في الغرب وخاصة في اميركا قد ساهمت وعززت نشر الاجواء المعادية للمسلمين ولمشاعرهم حول العالم .
في فترة مابعد احداث 11 سبتمبر 2001 اصبح المسلمون في الولايات المتحدة ضحايا موجات شديدة من العنف الشرير والشائن والجرائم كالقتل والضرب والاعتقال غير المبرر والتحرش والهجمات علي المساجد واطلاق الرصاص والتعديات بواسطة السيارات والتهديدات الشفوية .
جدير ذكره ان العنف المستخدم ضد العرب والمسلمين في المجتمع الاميركي له سوابقه لكن جرائم الكراهية التي تلت هجمات 11 سبتمبر كانت فريدة في قسوتها ومداها وحجمها . وبهذا الصدد نتناول باختصار بعض الوقائع عن الخوف من الاسلام في اميركا:


-الاسلاموفوبيا في الولايات المتحدة بالاحصائيات :
اخذت المواقف الاميركية نحو الاسلام منعطفا وتوجها سلبيا مباشرة بعد 11 سبتمبر ومنذ ذلك الحين فان الراي العام الاميركي تحول من الحيادية الي السخرية والازدراء وذلك للخوف الظاهر والواضح من العرب والمسلمين . وفي هذا المجال فان استطلاعا للراي العام الامريكي اجرته موسسة غالوب عام 2006 حول هذه المسالة يشير الي مايلي:
-ان نسبة 22% من الذين شملهم الاستطلاع لايرغبون بان يكون لهم جار مسلم
-34% منهم يعتقدون ان المسلمين يؤيدون القاعدة
-39% منهم يقترح وينصح بان يكون لدي المسلمين الاميركيين هوية تعريف خاصة بهم يحملونها دائما
-من جهة اخري فان احصاء اجراه مجلس العلاقات الاميركية – الاسلامية CTAR قد افاد بان واحدا من بين اربعة اميركيين يعتقد ان المسلمين يعطون قيمة للحياة اقل من غيرهم وان المسلمين يعلمون اولادهم الكراهية.

العنف وحرمان المسلمين من حقوقهم الاقتصادية :
ان مكتسبات او مداخيل العرب والمسلمين العاملين في الولايات المتحدة قد هبطت بنسبة 10% منذ 11 ايلول / سبتمبر وفقا لدراسة اعدتها جامعة ايلينوي مؤخرا .


اعمال الكراهية ضد المسلمين والمساجد :

- حرق القران الكريم :
في فترة مابعد 11 ايلول /سبتمبر فان احراق القران الكريم له حساسية خاصة ومعينة وقد اكد العسكريون الامريكيون وجود خمس حالات تم فيها اهانة القران (كتاب المسلمين المقدس) في سجن خليج غوانتانامو بايدي مسؤولين او موظفين اميركيين وان هناك جنودا ومحققين قد مارسوا او قاموا بتصرفات مهينة ضد القران الكريم. وجري الابلاغ عن حالات مختلفة تم فيها حرق القران الكريم في الولايات المتحدة نفسها.
-الاعتداءات علي الاسلام والمسلمين ومساجدهم :
سجلت حالات عديدة او بلغ عنها من قبل وسائل الاعلام التي تشير الي ان العنف ضد مساجد المسلمين في اميركا اصبح عاديا وروتينا في فترة مابعد احداث 11 ايلول /سبتمبر ومن بينها تخريب مسجد في ديترويت في يناير 2007 وحرق مسجد الرابطة الوطنية الاسلامية في نيويورك وتخريب مدرسة في بلدة كنر ومسجد رجل باكستاني جوار المدرسة واطلاق نار في مسجد ماربلاند في ابريل 2006 وتخريب مسجد اهل البيت في بومونا وحرق مسجد اودلانتوان وهذا قليل من كثير.


وحشية رجال الشرطة
ان سوء المعاملة والاستغلال الممارسين من قبل الشرطة هما من الخروقات الاكثر خطورة لحقوق الانسان في الولايات المتحدة وهناك مايقارب 400 شخص بريء يقتلون من قبل الشرطة كل عام في الولايات المتحدة .
وتتعدي حالات الوفاة الناتجة جراء الصعق بال(تايزر) 150 شخصا في حين ان منظمة العفو الدولية نشرت تقريرا في نوفمبر تشرين الثاني 2004 دعت فيه لوقف هذه الاسلحة او تداولها كما اعربت المنظمة عن قلقها ازاء تصاعد حالات الموت بالتايزر في الولايات المتحدة لاشخاص كان معظمهم في حراسة الشرطة ولم يكونوا يشكلون أي تهديد خطر لافراد الشرطة .
كما لوحظ ان خمسا من منظمات السجون الولائية الامريكية تسمح باستعمال الكلاب المتوحشة لتخويف السجناء او مهاجمتهم .
من جانبها اعلنت لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة عن قلقها ورفضها عدة مرات لما وصفته بوحشية الشرطة الامريكية داعية حكومة واشنطن الي التدخل لوقف استخدام القوة المفرطة من جانب منفذي القانون.
اعدام المرضي عقليا 
سجلت منظمة العفو الدولية اعدام اكثر من الف رجل وامرأة من المرضي عقليا في الولايات المتحدة مابين عام 1977 و 2005 .
كما ان هناك اكثر من 3000 شخص سيعدمون في الولايات المتحدة تقول الرابطة الوطنية للصحة العقلية 10 بالمئة منهم يعانون من امراض عقلية خطيرة .


انتهاك حقوق الانسان داخل السجون
تشير ارقام المجلس الاتحادي للاحصاءات العدلية لعام 2005 ان عدد السجناء في الولايات الامريكية تجاوز المليونين وثلاثمائة الف شخص نصفهم يعانون من مشاكل عقلية لان المرضي عقليا غالبا ما ينتهي الامر بهم في السجون وان ضباط السجون يعاملون هؤلاء الناس كما يعامل المجرمون .
وتتراوح الانتهاكات في السجون الامريكية بين الاستغلال الجنسي والتعذيب الجسدي حيث يشيع في هذه السجون العنف ضد الاطفال واستخدام الكلاب والتايزر ضد السجناء .
اما لجنة حقوق الانسان الدولية فقد اوضحت في تقاريرها ان هناك تجارب طبية ودوائية تجري علي السجناء بموافقة وزارة الصحة كما لاحظت نسبة عدد السجناء نسبة الي السكان في الولايات المتحدة هو اعلي من أي بلد نام في العالم .
كما اعربت اللجنة عن قلقها لما يحدث من خروقات في سجون الحراسة القصوي حيث يوضع السجناء في زنزانات انفرادية لمدة 23 ساعة يوميا .


السجون السرية
منذ 11 ايلول/ سبتمبر 2001 عمدت السلطات الامريكية الي انشاء شبكة من مراكز الاعتقال السرية في مختلف انحاء العالم حيث تقوم بخطف او احتجاز الاشخاص واحظارهم الي هذه المراكز بحجة الحرب علي الارهاب وهناك تمارس بحقهم ابشع المعاملة وقد يبقون في هذه السجون اشهرا او سنوات دون ان يعلم بهم احد .


انتهاك حقوق النساء والاطفال
يشمل انتهاك حقوق النساء في الولايات المتحدة التمييز علي اساس الجنس خاصة في العمل والاستغلال الجنسي والعنف المنزلي والضرب وغير ذلك.
النساء السجينات
بلغ عدد النساء الجينات في الولايات المتحدة اكثر من مائة وثمانين الفا عام 2005 بزيادة كبيرة عن الاعوام السابقة .
لقد صار الاغتصاب وغيره من الانتهاكات مثل تقييد النساء الحوامل وسوء المعاملة من ادبيات السجون الامريكية لان الحراس يعلمون انهم لن يحاسبوا علي اعمالهم .
وزارة العدل الامريكية اشارت بعد تحقيق في سجن مشيكان للنساء انه لا يتم الابلاغ عن الانتهاكات بسبب خوف السجينات من الانتقام كما اشارت منظمة العفو الدولية ان موظفي السجون يجبرون النساء علي عدم الكشف عما يتعرضن له من انتهاكات واعتداءات .
اما انتهاك حقوق الاطفال فيتمثل ببيع الاطفال والدعارة والافلام الاباحية واستغلال الاطفال في العمل

 

 

انتهاكات حقوق الانسان في فرنسا

 

 

 

تعاني الاقليات في فرنسا من مشاكل كبيرة في التمتع بحقوقها لان الدستور الفرنسي يعرف الامة علي انها افراد لهم حقوق متساوية وبالتالي فهو لا يعترف بالحقوق الجماعية وحقوق الاقليات .

 

ومن هنا كان موقف الحكومات الفرنسية المتعاقبة هو عدم الاعتراف رسميا بالخصائص الاتنية او الدينية او الثقافية للمواطنين بالرغم من توصيات الامم المتحدة والمنظمات الاوروبية .
ورغم اعلان فرنسا ان عدم الاعتراف بالاقليات لا يمنع من الحفاظ علي التنوع الثقافي الا ان اللجنة الدولية لحقوق الانسان لا تري في ذلك ضمانا لحرية اتباع الافليات .
وفي هذا الصدد وصفت الانسة غاي مكدوغال الخبيرة المستقلة في مسائل الاقليات والتي قامت في اطار التكليف الممنوح لها بزيارة فرنسا في الفترة مابين 19- 28 سبتمبر 2007 / وصفت الموقف كما يلي ( يشهد ابناء الاقليات في فرنسا تفرقة خطيرة تستهدف بوضوح الاقليات البادية للعيان بموروث الهجرة وكثير منهم مواطنون فرنسيون ) .
ان المشاكل الخاصة التي يواجهها الناس في الضواحي هي نتاج مباشر للتفرقة وتتطلب بالتالي مبادرات سياسية لمعالجة الظروف الخاصة التي تواجههم .
وتتجسد التفرقة ضد الاقليات في مجالات مثل تخصيص السكن والحصول علي الوظائف ونوعية التعليم والمستويات المتدنية من المشاركة السياسية . كما تحتل مسائل الهوية موقعا مركزيا في الخطاب والافكار المتعلقة بالاقصاء ويشير اتباع الاقليات الي ممارسة ضغط بالغ عليهم لتغيير هوياتهم الثقافية والدينية كشرط مسبق لشمولهم بالهجرة والاندماج والقبول الكامل في المجتمع الفرنسي .
فيما يلي من التقرير نسلط الاضواء اكثر علي هذه الانتهاكات :

 
ازمة الهوية وانتهاك الحقوق الدينية


لقد ظل ابناء الاقليات يتحدثون عن شعورهم بالاحباط من ان نيل المواطنة في فرنسا ليس كافيا للقبول في المجتمع الفرنسي ويقولون ان الشرط المسبق هو الذوبان الكامل ويشعرون بان المفاهيم المتشددة للهوية الوطنية الفرنسية تتطلب منهم التخلي عن جوانب مهمة من هوياتهم ولا يتم قبولهم كفرنسيين حقيقيين الا اذا وجدوا سبيلا لاخفاء الوان جلودهم ومظهر دياناتهم وثقافاتهم .
اما بالنسبة للحقوق الدينية فان فرنسا تتمسك بمبادئ العلمانية وبالتالي يواجه المسلمون في فرنسا كثيرا من التحديات . ففي ظل عدم المساواة واساءة فهم الاسلام والاسلام فوبيا المتنامية لم تعد مبادئ عدم التفرقة المكتوبة في الدستور تكفي لضمان المساواة في الممارسة .
ان توفير اماكن العبادة للمسلمين اصبح مبعثا للقلق فليس ثمة قانون محدد حول تشييد اماكن العبادة وبالتالي تكون السلطات المحلية قادرة علي فرض قيود تعسفية علي المسلمين الذين يتراوح عددهم في فرنسا بين 5-6 ملايين وهو العدد الاكبر في دول اوروبا الغربية .
وفي ابسط الاحوال فان السلطات تعمد الي تعقيد التشريعات المتعلقة ببناء اماكن العبادة وطول الاجراءات الخاصة بها وخاصة المساجد .

اما قانون الغاء الرموز الدينية في المدارس العامة الذي صدر عام 2004 فقد استهدف المسلمين بشكل مباشر حيث منعت المرأة المسلمة علي ضوئه من ارتداء الحجاب وهذا ما اعتبرته جمعيات حقوق الانسان انتهاكا لحق التعبير عن المعتقد .
صندوق بيكيت للحرية الدينية وصف هذا القانون بانه يخلق ظروفا تتطلب من الاقليات التخلي عن خصائصها المميزة ومعتقداتها الاساسية وتعاليمها من اجل الذوبان في الثقافة الفرنسية .
ومنذ صدور القانون طرد نحو خمسين طفلا من المدارس العامة وامتناع اعداد اخري من الذهاب للمداس او التحاقهم بالمدارس الخاصة الباهضة التكاليف او الانخراط في نظام التعليم عن بعد .
وقد اعتبر المجلس الدولي لحقوق الانسان القانون الفرنسي تمييزيا جدا وينتهك حقوق الفتيات والنساء المسلمات اللائي يرتدين الحجاب .

انتهاك الحقوق اللغوية والثقافية
يشتكي اتباع الثقافات واللغات من الاقليات كالبريتونيون والباسك والناطقون بالكاتالانية والاوستانية من ان لغاتهم وحقوقهم الثقافية لا تحترم بالشكل المناسب ولا تشجع في فرنسا معتبرين ان بعض اللغات وعناصر الهوية الثقافية والتراث سوف تختفي علي المدي المتوسط والبعيد .
وفي اعقاب تعديل دستور فرنسا عام 1992 لجعل اللغة الفرنسية لغة الجمهورية قال ممثلو هذه المجموعات بان السياسة الحكومية تهدف الي تعزيز اللغة الفرنسية علي حساب اللغات الاقليمية .

الانتهاكات في المستعمرات

ان وضع السكان الاصليين في المستعمرات الفرنسية عبر البحار يثير القلق العميق ففي غوايانا يشعرون بالقلق من ان سياسة الاستيعاب الفرنسية تجتاح ثقافتهم وتقليدهم ولغتهم . كما ان التفرقة الاجتماعية تشكل معضلة كبيرة لجميع السكان الاصليين في المستعمرات الفرنسية .

كما اجرت فرنسا مابين عام 1966 و 1996 نحو 46 تجربة نووية بالاضافة الي147 تفجير تحت الارض في جزر موروروا وفانغتوفا التي تحتلها مستخدمة اكثر من 15000 من السكان الاصليين للعمل في منشات التجارب النووية حيث اصيب معظم هؤلاء بمشاكل صحية خطيرة تكتمت عليها فرنسا وامتنعت عن علاجهم واعطائهم حقوقهم رغم مطالبات الجمعية الدولية للشعوب المهددة بالخطر .
انتهاك حقوق الغجر والرحل
يشير مصطلحا الغجر والرحل الي افراد وجماعات تنحدر من مجموعات من المواطنين الفرنسيين الذين لعبوا دورا علي مدي طويل في المجتمع والتاريخ الفرنسي كما تشمل فئة الغجر والرحل اشخاصا من ثقافات شتي تنضوي تحت اسماء متعددة .
يخضع الغجر والرحل الي مجموعة من القوانين الخاصة يتعلق بعضها بالتوظيف وتصاريح السفر والاقامة كما لا يحق لهم التصويت في الانتخابات الا اذا التحقوا باحدي البلديات لمدة ثلاث سنوات اما هذه المدة بالنسبة للمواطنين الاخرين فهي ستة اشهر .
ويعاني الغجر في فرنسا من صعوبات كثيرة منها مشكلة الحصول علي الهوية والوثائق وفرض ضرائب عالية علي مقطوراتهم وصعوبة التعليم والتهديد بالطرد ومنعهم من شراء ممتلكات خاصة وبالتالي فهم يشعرون بالتمييز العنصري والاقصاء والتفرقة .
وقد بادرت فرنسا قبل اسابيع باصدار قرارات بطرد اعداد كبيرة من الغجر المنحدورن من اوروبا الشرقية .


مظاهر من التمييز وعدم المساواة


1-عدم المشاركة السياسية
رغم سماح القانون الفرنسي لاتباع الاقليات بالمشاركة في القرارات الا ان معهد مونتان الفرنسي يشير الي ان اثنين فقط من 555 عضوا في مجلس النواب ينتميان الي الاقليات الافريقية والاسيوية رغم ان اتباع الاقليات يشكلون 12 بالمئة من سكان فرنسا .
ان المصالح المشروعة للاقليات لا تبحث بشكل كامل داخل المؤسسات السياسية الفرنسية لان هذه المؤسسات لا تعكس تنوع المجتمع الفرنسي
.
2-الاسكان
يتم في فرنسا فصل الاقليات ماديا عن التيار الرئيسي للمجتمع الفرنسي بواسطة سياسات الاسكان العام التي تحاصرهم في الضواحي المعزولة .
وقد ادت اثار التفرقة والاقصاء الي حدوث مستويات عالية من الفقر في اوساط ابناء الاقليات سواء كانوا مواطنين او مقيمين او مهاجرين .
وقد اعترف المسؤولون الحكوميون بان مناطق يسكنها 70 بالمائة من الاجانب قد شكلت ما يسمي بظاهرة الغيتو او معاناة سكان الضواحي ويلقي هؤلاء المسؤولون باللوم علي الاقليات نفسها فيما يتعلق بالاوضاع السيئة التي تعانيها . وامتد ذلك الي التوظيف حيث يؤكد اتباع الاقليات انه بمجرد ان يقرأوا مكان سكنك في استمارة طلب التوظيف فانهم يرمون به في سلة المهملات
.
3-التعليم
قضية التفرقة في مجال التعليم تثير القلق في فرنسا حيث تستمر مشكلة الاقصاء من صفوة المدارس والجامعات الفرنسية والتي تمثل تقليديا المدخل الي الخدمة المدنية في فرنسا .
كما ادي قانون منع الرموز الدينية الي حرمان المسلمات المحجبات من التعليم .

4-التوظيف
تعتبر التفرقة في التوظيف مشكلة رئيسية في فرنسا ففي عام 2007 اظهر مسح أجرته منظمة العمل الدولية في فرنسا ان 4 من كل 5 من اصحاب العمل يفضلون العمال المنحدرين من اصول فرنسية علي العمال المغاربة او الافارقة السود .
كما اكد المسح تفشي البطالة بشكل كبير بين اوساط النساء من اتباع الاقليات الاتنية او القومية .
والشائع في فرنسا ان الاعلانات عن وظائف او مساكن للايجار تشير الي الاحرف الاولي من الوان العلم الفرنسي أي الازرق والابيض والاحمر للايحاء بان المدعووين لتقديم طلباتهم هم الفرنسيون البيض
.

ارنا- وكاله انباء الجمهوريه الاسلاميه -

 

 الكاتب البريطاني والمحلل السياسى  روبرت فيسك  فى مقال بصحيفة "الاندبندنت البريطانية"

 لواء شرطة مصري معتقل فى أحد السجون السويسرية دون محاكمة

محمد الغنام :ضابط سابق بوزارة الداخلية المصرية ، حصل على دكتوراه فى القانون من جامعة روما و ترأس إدارة الشئون القانونية بوزارة الداخلية.

نشر كتابا بعنوان "القانون والإرهاب" فى العام 1991

منع من مغادرة مصر عدة مرات، بسبب التصدى لانتهاكات حقوق الإنسان والفساد الحكومى، والمحسوبية، والاتهامات التى توجه للصحفيين، ووقائع التعذيب التى تشهدها السجون المصرية.

  منحته سويسرا حق اللجوء السياسى بصفة مؤقتة

طلبت منه الشرطة السرية السويسرية اختراق المجتمع الإسلامى فى سويسرا للحصول على معلومات استخبارية

 لواء الشرطة رفض

 تورط فى كتابة مقال نشر فى مواقع جهادية عام 2005، زعم فيه أن سويسرا كانت الأحقر بين أعداء الإسلام، بسبب دعمها للاحتلال الأمريكى للعراق، ودعمها للنظام المصرى، وممارستها لضغوط على تركيا لأن حكومتها صارت "نصف إسلامية" المقال،أغضب السلطات السويسرية، لأنه اشتمل على عبارات مثل "سوف ننتقم، و نضرب ضربتنا الكبرى".

خبراء الأمم المتحدة فى مجال "الاختفاء الطوعى والقسرى" تدخلت لدى السلطات السويسرية لمعرفة مكان احتجاز الغنام، الذى كشفت سويسرا أنها تحتجزه  بسبب "خطورته"، فى سجن "ذا تشامب دلون" على يد دائرة الاتهام فى كانتون جنيف فى 12 مارس/اذار 2007، وأنه مازال محتجزا هناك حتى الآن دون توجيه أى تهمة.

/ د. علي الغنام

الحكومه السويسريه تحت سمع وبصر منظمات حقوق الأنسان و الأمم المتحده ترتكب جرائم خطف وتزوير ومحاولات تلفيق تقرير نفسي ضد العقيد د. محمد الغنام الحاصل علي وسام الجمهوريه للتهرب من جرائمهم وفشل أسره العقيد و أربعه محامين حتي الآن في رؤيته ومازال العقيد مختفيا عن الأنظار للعام الثالث رغم كشف سويسرا مكانه أخيرا بعد 3 سنوات من اختطافه في مارس 2007 .

القضاء السويسري الفاسد رفض ارسال شكوي شقيقي للمحكمه وكذلك رفض سماع الشهود حمايه لجهاز مخابراته يدعي السويسريين بعد 3 سنوات من خطف العقيد د. محمد الغنام تواجده بمصحه نفسيه وهي جريمه جنائيه دوليه بوضع شخص سليم بمصحه نفسيه لتصفيته ولأسباب سياسيه للتهرب من المسؤليه الجنائيه للحكومه السويسريه الحقيرهالحكومه السويسريه تحت سمع وبصر منظمات حقوق الأنسان و الأمم المتحده ترتكب جرائم خطف وتزوير ومحاولات تلفيق تقرير نفسي ضد العقيد د. محمد الغنام الحاصل علي وسام الجمهوريه للتهرب من جرائمهم وفشل أسره العقيد و أربعه محامين حتي الآن في رؤيته ومازال العقيد مختفيا عن الأنظار للعام الثالث رغم كشف سويسرا مكانه أخيرا بعد 3 سنوات من اختطافه في مارس 2007 .

القضاء السويسري الفاسد رفض ارسال شكوي شقيقي للمحكمه وكذلك رفض سماع الشهود حمايه لجهاز مخابراته يدعي السويسريين بعد 3 سنوات من خطف العقيد د. محمد الغنام تواجده بمصحه نفسيه وهي جريمه جنائيه دوليه بوضع شخص سليم بمصحه نفسيه لتصفيته ولأسباب سياسيه للتهرب من المسؤليه الجنائيه للحكومه السويسريه الحقيره
ومازال العقيد مختفيا عن الأنظار للعام الثالث رغم هذا الأدعاء بعد اختطافه في مارس 2007 ولدي مستندات من الحكومه السويسريه ترفض اعلامي بمكان شقيقي بعد خطفه عام 2007 مما يؤكد تعرضه لاعتداء وحشي عند اختطافه و لذا منعت عائله العقيد من رؤيته رغم حصولها علي تصريح زياره وتواجدها بالسجن المزعم تواجد العقيد فيه . 
والآن روايه جديده لحكومه سويسرا الحقيره أنه ليس بالسجن بل بمستشفي ما وان صح ذلك فانه بالطبع تحت تأثير عقارات الهلوسه للقضاء عليه نفسيا وصحيا بالاضافه لفشل أربعه محامين حتي الآن في رؤيته لذا فان مجرمي الحكومه السويسريه تحت سمع وبصر منظمات حقوق الأنسان و الأمم المتحده ترتكب جرائم خطف وتزوير ومحاولات تلفيق تقرير نفسي ضد العقيد د. محمدالغنام للتهرب من جرائمهم
بل ان احتجاز شخص سليم في مصحه نفسيه هي جريمه دوليه وكذلك عزله 3 سنوات وعدم تحدثه مع أسرته أو محاميه أو أي شخص كفيل بتصفيته وتحطيمه نفسيا و ذلك بعد أن كشف شقيقي عن محاولات المخابرات السويسريه لتجنيده وقيامها باعمال عنف مادي ونفسي ضده لاجباره علي العمل لحسابها .

علما بانهم فشلوا عام 2005في تلفيق تقرير نفسي ضد شقيقي واضطروا لاطلاق سراحه بعد أن قاموا باعتقاله ـ تحت ستار الحبس الاحتياطي ـ لمده تجاوزالأربعه أشهر لقيامه بشكوي مخابرات سويسرا علما بان القضاء السويسري الفاسد رفض ارسال شكوي شقيقي للمحكمه وكذلك رفض سماع الشهود حمايه لجهاز مخابراته الفاشل في تجنيد العقيد الغنام.
كما أن مسلك الحكومه السويسريه الحقيره التي تتصف كاحدي ديكتاتوريات العالم الثالث التي تنتهك حريه الرأي والتعبير وتستخدم قضائها الفاسد لتحقيق أهداف سياسيه اجراميه بحبس شقيقي عام- 2006- 2005 لنشره مقالا علما أنه لايجوز قانونا الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي . لعن الله سويسرا وقضائها الفاسد ومخابراتها الفاشله الحقيره نبذة عن العقيد الدكتور محمد الغنام المعتقل بسويسرا منذ اذار 2007 .

1- هو المدير السابق لمركز البحوث القانونية بوزارة الداخلية.
2- استاذ القانون الجنائي باكاديمية الشرطة والعديد من كليات الحقوق المصرية.
3- حاصل علي دكتواره في القانون الجانئي من جامعة روما بايطاليا.
4- معظم التشريعات والقوانين المصرية الحديثة من مؤلفات ومراجع العقيد محمد الغنام.
5- مثل مصر دوليا كخبير دولي في اوربا وامريكا اكثر من مرة.
6- هو نجل المرحوم اللواء ابو الفتح الغنام بالقوات المسلحة المصرية سابقاً.
7- هو حفيد المرحوم فضيلة الشيخ القاضي علي مشرف الغنام مدير المحاكم الشرعية بالمملكة المصرية سابقاً.
8- تقلد مناصب عدة في وزارة الداخلية ونوادي ضباط الشرطة سواء بالانتخاب ام التعيين المباشر.
9- قام بالتدرس للعديد من الضباط الافارقة بدورات تدريبية في معهد بحوث الشرطة.
10- قام بالتدريس لطلاب كلية الشرطة منذ تخرجه وحتي تقاعده.
11- حصل علي اللجوء السياسي بسويسرا بعد تعرضه للاغتيال بمصر لرفضه التواطؤ مع الحكومة المصرية لتلفيق جرائم ضد بعض السياسيين والصحفيين الشرفاء بحكم منصبه كمدير بحوث قانونية.

الجزائر تايمز

 مسلمو أمريكا بين الاستيعاب والتهميش

وضع المسلمين بأمريكا ونظرائهم في العديد من المجتمعات الأوروبية ( فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، هولندا وأسبانيا)،   حيث يرى الكاتب أن المسلمين بأوروبا فقراء، وذوي مستوي تعليمي منخفض ومهمشين اجتماعيا

تقرير واشنطن - عمرو عبد العاطي

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والعديد من الهجمات الإرهابية التي شهدتها العديد من العواصم الأوروبية (لندن،مدريد،.)، والتي نفذتها منظمات "إرهابية" ذات مرجعية إسلامية أصولية؛ أضحت قضية المسلمين في الولايات المتحدة والدول الأوروبية محل بحث ودراسة من قبل المؤسسات الرسمية، وكذلك غير الحكومية ومراكز الدراسات والأبحاث، وقد كانت المناقشات تتمحور حول وضعية المسلمين داخل مجتمعاتهم الجديدة؟، وهل هؤلاء مندمجون ومستوعبون في تلك المجتمعات؟ وقد اختلفت الإجابات بين دول شطري الأطلسي.

ولتعزيز الحوار بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بشأن استراتيجيات مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات في هذا المجال، أنشأ "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" "THE CENTER FOR STRATEGIC AND INTERNATIONAL STUDIES (CSIS)" في 2003 برنامج "الحوار عبر الأطلسي بشأن الإرهاب" بالتعاون مع "برنامج الأمن الدولي" و"البرنامج الأوروبي" بالمركز، وكذلك التعاون مع العديد من مراكز الدراسات الأوروبية مثل "Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP)" ببرلين؛ من أجل تعزيز الحوار والنقاش بين المتخصصين في مجال مكافحة الإرهاب؛ لتحديد الأولويات بين المشاركين الأمريكيين والأوروبيين، والبحث عن نقاط الالتقاء بين الرؤيتين. وفي هذا الإطار أقام البرنامج العديد من حلقات النقاش، ضمت العديد من الخبراء في مجال مكافحة الإرهاب، ورجال الاستخبارات، والمتخصصين في الشأن الأمني، والأكاديميين، وبعض الصحفيين المهتمين بهذا الشأن. وقد تمخض عن تلك المناقشات أن أصدر "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" تقريرا في "سبتمبر 2007" تحت عنوان "التكامل الإسلامي: صعوبات الحكمة التقليدية في أوروبا والولايات المتحدة" "MUSLIM INTEGRATION: CHALLENGING CONVENTIONAL WISDOM IN EUROPE AND THE UNITED STATES" ضم ست ورقات، تتحدث عن وضع المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية والولايات المتحدة، وطرح استراتيجيات بديلة لتعزيز وضعية واندماج المسلمين داخل مجتمعاتهم الجديدة.

ومن أوراق التقرير المشار إلية ورقة لـ "بول إم باريت" "PAUL M. BARRETT"، الصحافي السابق في "وول ستريت جورنال" "Wall Street Journal"، والمؤلف لكتاب "الإسلام الأمريكي: كفاح لروح الدين" (2007) "American Islam: The Struggle for the Soul of a Religion" تحت عنوان "المسلمون الأمريكيون وسؤال الاستيعاب" "American Muslims and the Question of Assimilation". وقد انطلقت الورقة من تساؤلين رئيسيين مفادهما: هل المسلمون نجحوا في الاندماج في المجتمع الأمريكي؟، أم أنهم منعزلون على هامشه؛ مما يجعلهم أكثر تقبلا للدعوات والأصوات الراديكالية؟. ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهناك اتجاهين متعارضين في الإجابة على السؤالين المحورين للورقة. فالاتجاه الأول: يؤكد على أن هناك اتجاه داخل واشنطن لاستيعاب المسلمين على الرغم من تزايد موجات الغضب والكراهية لهم عقب أحداث سبتمبر. في حين يري الاتجاه الثاني: أن المسلمين داخل الولايات المتحدة يفضلون العزلة في أماكن عباداتهم (المساجد)، والمراكز الإسلامية والتمحور حول هويتهم الدينية.

من هم مسلمي أمريكا
من أحد المشكلات التي تواجه مسلمو أمريكا، التناقض بين تقديرات المنظمات لعدد المسلمين داخل الولايات المتحدة؛ في ظل غياب رقم رسمي لعددهم، فالإحصاءات الأمريكية لا تأخذ الدين (العقيدة) بعين الاعتبار؛ ولذلك تنوعت التقديرات فبعض المنظمات الإسلامية داخل الولايات المتحدة كـ"مجلس العلاقات الإسلامية ـ الأمريكية (كير)" "Council On America – Islamic relation (CAIR)" تقدرهم بحوالي 6 مليون مسلم أو أكثر بقليل في حين تقلل منظمات أخري غير إسلامية من هذا الرقم، فقد قدر "مركز بيو للدراسات" "Pew Research Center" من خلال استطلاع للرأي معنون بـ "مسلمي أمريكا: الطبقة المتوسطة والاتجاه العام في الغالب" "Muslim Americans: Middle Class and Mostly Mainstream" خلال مايو 2007 عدد مسلمي الولايات المتحدة بـ(2.35) مليون مسلم.

ولبحث من هم المسلمون، ومن أين أتوا إلى الولايات المتحدة؛ اعتمد الكاتب على عدد من استطلاعات الرأي لمنظمات إسلامية وأخري غير إسلامية، والتي أظهرت أن هناك اختلاف بين تلك الاستطلاعات في الكثير من الأحيان. فاستطلاعات الرأي توضح أن حوالي ثلثي مسلمي أمريكا من المهاجرين. فوفقا استطلاع "بيو"، فإن 37% من مسلمي الولايات المتحدة من المنطقة العربية، و27% من جنوب أسيا (تشمل باكستان، الهند، بنجلاديش وأفغانستان). أي أن مسلمي أمريكا يأتون من لا يقل عن 67 أمة "دولة"، و20% منهم من الأمريكيين الأفريقيين والذين أغلبهم متحولين إلى الإسلام.

وحسب استطلاع لمركز "زغبي الدولي" "Zogby International"، الذي ركز على "العرق"، بصرف النظر عن مصدر الهجرة (الموطن الأصلي للمهاجر)، والذي صدر عنه تقرير في "أكتوبر 2004" من "مركز جامعة جورج تاون لفهم المسيحي ـ المسلم" "Georgetown University’s Center for Muslim-Christian Understanding" والمعنون بـ "المسلمين في النظام العام الأمريكي: والتحولات السياسية، نتائج 11/9، أفغانستان والعراق" "Muslims in the American Public Square: Shifting Political Winds & Fallout from 9/11,Afghanistan, and Iraq" فإن ما يقرب من 34% من مسلمي الولايات المتحدة من أصول عرقية بمنطقة جنوب أسيا و26% من أصول عربية، وأن 20% من أصول أفريقية. ولكن على أية حال هناك ارتفاع في أعداد المسلمين؛ لارتفاع معدلات الهجرة والولادة بين المسلمين الذين يعشون على الأراضي الأمريكية، فضلا عن، تزايد المتحولين إلى الإسلام من الأصول الأمريكية الأفريقية.

ويعيش المسلمون في الولايات المتحدة مثل باقي أفراد المجتمع الأمريكي في الضواحي والمدن، ولكن هناك تجمعات للمسلمين بـ (نيويورك، ديترويت، شيكاغو ولوس أنجلوس)، يقومون بالعديد من الأنشطة الاقتصادية المتنوعة. فحسب استطلاع "زغبي" السابق الإشارة إلية، يعمل المسلمين في مجال التقنيات، التكنولوجيا، الطب، التدريس والأعمال الإدارية.

يؤكد الكاتب على أن مسلمي الولايات المتحدة على درجة عالية من التعليم، فأغلبهم ذوي تعليم جامعي. فحسب استطلاع "زغبي" فإن 56% من البالغين لديهم شهادات جماعية بالمقارنة بـ (28%) من الأمريكيين. ولكن استطلاع "بيو" جاء بنتيجة مختلفة تماما لما جاء به استطلاع "زغبي" حيث توصل إلى أن 24% من مسلمي أمريكا من ذوي التعليم العالي.

وبالنسبة لمستوي الدخل استنتج استطلاع "بيو" أن هناك تشابه بين مستوي دخل المسلم الأمريكي ومستوي دخل المواطن الأمريكي، فيحصل 44% من الأمريكيين على 50 ألاف دولار سنويا في حين يحصل 41% من مسلمي الولايات المتحدة الأمريكية على نفس المبلغ. في حين يحصل 16% من الأخير على 100 ألاف دولار أو ما يزيد مقابل 17 % من إجمالي الأمريكيين.

دمج مسلمي الولايات المتحدة في المجتمع الأمريكي
يعتمد الكاتب على اكتشاف مدي اندماج المسلمين في المجتمع الأمريكي على مستوي الازدهار والتعليم العالي والمشاركة في الحياة السياسية الأمريكية. فعلي صعيد المشاركة السياسية في الانتخابات، يظهر استطلاع لـ "بيو" أن هناك ما يقرب من 63% من مسلمي الولايات المتحدة مسجلين في الجداول الانتخابية بالمقارنة بـ 76% لأمريكيين، في حين يُقدر "زغبي" أن نسبة المسلمين الأمريكيين المسجلين تصل إلى 82%.

ولإظهار نجاح الولايات المتحدة في دمج المسلمين، يُقارن كاتب الورقة بين وضع المسلمين بأمريكا ونظرائهم في العديد من المجتمعات الأوروبية ( فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، هولندا وأسبانيا)، حيث يرى الكاتب أن المسلمين بأوروبا فقراء، وذوي مستوي تعليمي منخفض ومهمشين اجتماعيا؛ وهو ما جعل المجتمعات الأوروبية في التحليل الأخير بيئة مواتية لانتشار الأفكار الأصولية بين المهمشين، وكانت تفجيرات لندن ومدريد حصاد السياسات الأوروبية المهمشة للمسلمين هناك. ولذا فإن نسبة التطرف وانتشار الأفكار الأصولية بين مسلمي الولايات المتحدة منخفضة بمقارنتها بمثيلاتها الأوروبية

 

 ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال

 

 ُيستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل

June 17, 2010

قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الشرطة الكينية على الحدود الصومالية وفي مخيمات اللاجئين القريبة تسيئ معاملة ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال التي تمزقها الحرب. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على كينيا أن تسيطر فوراً على قوات الشرطة الكينية المسيئة، وأن تزيد وكالة الأمم المتحدة للاجئين من مراقبتها ورصدها للوضع وأن تضغط من أجل وضع حد للانتهاكات.

بناء على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ، يوثق تقرير "مرحباً بكم في كينيا: إساءة معاملة الشرطة للاجئين الصوماليين"، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون بلوغ ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظل أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة بالخطأ على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من رجال ونساء وأطفال على حد سواء، للحصول منهم على نقود. وفي بعض الحالات، قام عناصر من الشرطة باغتصاب النساء. وفي مطلع عام 2010 وحده، أعيد مئات وربما الآلاف من الصوماليين غير القادرين على الوفاء بالابتزاز، إلى الصومال، في خرق بيّن للقانونين الكيني والدولي.

وقال جيري سيمسون، باحث شؤون اللاجئين في هيومن رايتس ووتش وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفر من الفوضى والدمار في الصومال، الأغلبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات موجزة". وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات، يواجه بعض اللاجئين العنف من الشرطة وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي من قبل لاجئين آخرين وأشخاص كينيين".

العشرات من ملتمسي اللجوء من بين ما يُقدر عددهم بأربعين ألف صومالي ممن عبروا الحدود الكينية المغلقة رسمياً بالقرب من المخيمات خلال الشهور الأربعة الأولى، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة تتجاهل استجدائهم إياها بالمرور المجاني من الحدود. وتطالبهم الشرطة بالنقود وقامت بترحيل بعضهم واحتجاز وضرب وتزوير الاتهامات للبعض، بتهمة التواجد غير القانوني إذا لم يتمكنوا من الدفع. ووصف عامل بمساعدة اللاجئين من كينيا كيف أن عمل الشرطة بين الحدود وغاريسا - العاصمة الإقليمية - "آلة عملاقة لتوليد النقود".

"مرحباً بكم في كينيا" يوثق أيضاً كيف أن خطر اعتراض الشرطة للأفراد وما يتعلق به من انتهاكات، يجبر أغلب ملتمسي اللجوء على السفر نحو المخيمات في دروب ضيقة بعيداً عن الطريق الأساسي. وهؤلاء يصبحون عرضة لهجمات المجرمين، الذين يسرقونهم ويغتصبون النساء ويسرقون النقود القليلة التي معهم.

وما إن يصلوا المخيمات، يستمر اللاجئون في التعرض لعنف الشرطة، طبقاً للتقرير. وقد أخفقت الشرطة في منع العنف الجنسي والتحقيق فيه ومقاضاة المسؤولين عنه، بحق النساء والفتيات اللاجئات في المخيمات، على يد لاجئين آخرين وكينيين، مما يؤدي لخلق مناخ من الإفلات من العقاب ويزيد من عنف التعرض للعنف الجنسي.

كما يتناول التقرير السياسة غير القانونية التي تنتهجها كينيا بحظرها على أغلب اللاجئين المسجلين في المخيمات الانتقال إلى أجزاء أخرى من كينيا، ما لم يكن معهم تصريح خاص فيه أسباب من قبيل العلاج الطبي أو التعليم في نيروبي. وبموجب القانون الدولي، فعلى كينيا أن تبرر أي حظر أو تقييد على اللاجئين وعلاقته بحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة، وهو ما أخفقت في الوفاء به حتى الآن. وفي عام 2009 سمحت السلطات لستة آلاف شخص فقط من تعداد اللاجئين بداداب البالغ 300 ألف شخص، بالسفر إلى خارج المخيمات المزدحمة سيئة الأوضاع.

ويوثق التقرير كيفية اعتقال الشرطة للاجئين الذين يتنقلون دون "تصاريح التنقل" الصادرة عن الحكومة - ومن معهم التصريح أيضاً، بشكل متزايد - وتبتزهم من أجل الحصول على النقود، وأحياناً ما يتم نقلهم إلى المحكمة في غاريسا، حيث يُغرّمون أو يُحالون على السجن.

تقرير "مرحباً بكم في كينيا" يقول بأن الطبيعة المنظمة لآليات ابتزاز الشرطة وانتهاكاتها - التي تمتد مسافة 200 كيلومتر من بلدة ليبوي الحدودية إلى بلدة داداب ثم غاريسا - هي النتيجة المباشرة لقرار كينيا الصادر منذ ثلاث سنوات بغلق الحدود. وقالت هيومن رايتس ووتش إن إغلاق مركز تحويل اللاجئين في ليبوي، 15 كيلومتراً من الحدود وعلى مسافة 80 كيلومتراً من المخيمات، لم يؤد إلا لتدهور الأمور.

وقبل الإغلاق، كان مركز تحويل ليبوي مكان آمن يجد فيه أغلب ملتمسو اللجوء الصوماليون أول ملاذ آمن للجوء في كينيا، ومنه تنقلهم وكالة الأمم المتحدة للاجئين - المفوضية السامية لشؤون اللاجئين - إلى المخيمات. ودون المركز، فإن ما يُقدر بثلاثمائة ألف صومالي فروا من بلدهم إلى كينيا منذ يناير/كانون الثاني 2007 - نصفهم ذهبوا إلى المخيمات - يضطرون لاستخدام المهربين لنقلهم عبر الحدود. وتستغل الشرطة هذه الطبيعة العشوائية والخطيرة لرحلتهم، وتتهمهم زوراً بالدخول غير القانوني للبلاد وتهددهم بالاعتقال إذا لم يدفعوا النقود التي تطلبها الشرطة.

وبموجب قانون اللاجئين الكيني، فجميع ملتمسي اللجوء أمامهم مهلة 30 يوماً بعد دخول كينيا للانتقال إلى أقرب سلطة للاجئين للتسجيل كلاجئين، بغض النظر عن كيفية دخولهم البلاد أو متى دخلوها. لكن الشرطة تتجاهل بشكل ممنهج هذا الحق. وفي تكرار لتوصيات هيومن رايتس ووتش للسلطات الكينية الواردة في تقريرها "من الرعب إلى اليأس" الصادر في مارس/آذار 2009، يعيد التقرير الجديد التأكيد على دعوته السلطات بفتح مركز جديد في ليبوي حيث يمكن التعامل مع ملتمسي اللجوء الوافدين حديثاً وحيث يمكنهم الاعتماد على المركز الجديد كنقطة آمنة مؤقتة ينتقلون منها إلى المخيمات.

وقال جيري سيمسون: "لأكثر من ثلاث سنوات لم تفد الحدود المغلقة أي أحد إلا ضباط الشرطة الفاسدين، وأدت إلى إساءات لا حصر لها ضد المئات، إن لم يكن الآلاف، من ملتمسي اللجوء". وأضاف: "على كينيا أ، تضمن المرور الآمن والحماية للاجئي الصومال المعرضين للضرر".

وللحكومة الكينية بواعث قلق أمنية فعلية على صلة بالنزاع في الصومال، لكن خطابها السياسي ضد الصومال لم يؤد إلا لتعزيز سلوك الشرطة المسيئ، على حد قول هيومن رايتس ووتش. ملتمسو اللجوء يقولون إن الشرطة تتهمهم بالانتماء إلى جماعة المتمردين الصومالية الشباب أو القاعدة، أو أنهم "إرهابيين" قبل إجبارهم على العودة في الصومال، في بعض الحالات. وبناء على ثماني حالات بالإعادة الجبرية للصومال، بحق 152 شخصاً حققت فيها هيومن رايتس ووتش ووثقتها أثناء بحثها في مارس/آذار، تعتقد هيومن رايتس ووتش إنه من المرجح أن الشرطة أعادت المئات - إن لم يكن الآلاف - من الصوماليين إلى بلدهم في مطلع عام 2010 فقط.

ويحظر القانون الدولي الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يتعرضون للاضطهاد أو التعذيب أو حالة عنف معممة. ورغم أن كينيا لها الحق في منع بعض الأفراد من دخول كينيا أو الإقامة فيها - ومنهم من يُرون على أنهم تهديد لأمنها القومي، مثل أعضاء الشباب - فليس من حقها أن تغلق حدودها في وجه ملتمسي اللجوء. القانون الدولي يحظر أيضاً على السلطات ترحيل ملتمسي اللجوء إلى الصومال دون أن تسمح لهم أولاً بتقديم طلبات اللجوء.

وقال جيري سيمسون: "الشرطة تقول إنها تحمي كينيا من الإرهابيين وإنها تطبق قوانين الهجرة، عندما تعترض اللاجئين". وأضاف: "لكن في واقع الأمر فهي تبتز الصوماليين كي يدفعوا النقود مقابل المرور عبر نقاط التفتيش ومقابل عدم التعرض للاحتجاز، مما يوحي باهتمامهم بملء الجيوب أكثر من حماية الحدود".

ويدعو التقرير وكالة الأمم المتحدة للاجئين إلى تحسين آلياتها الخاصة بالمراقبة والضغط لدى السلطات، وأن تجري زيارات أكثر لمراكز الشرطة القريبة من الحدود، وفي بلدتي داداب وغاريسا.

وفيما يخص العنف الجنسي، قال الضحايا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة إما تتجاهل شكاواهم، أو تطلب منهم توفير الأدلة، أو تكف عن متابعة القضايا فجأة دون إبداء أسباب. وفي الحالات النادرة التي تقبض فيها الشرطة على المعتدين المزعومين، عادة ما يتم الإفراج عن المشتبه به خلال ساعات أو أيام، مع أقل الأمل في المزيد من الاستجواب أو المحاسبة. الكثير من النساء يعتقدن أن من اعتدوا عليهن قاموا برشوة الشرطة من أجل وقف التحقيقات أو إخراجهم من الحبس.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه رغم التحسنات التي طرأت منذ مطلع التسعينيات، فإن الرد الحكومي على العنف الجنسي في المخيمات أخفق بسبب قلة عدد رجال الشرطة في المخيمات الذين لديهم مهارات تحقيق في الجرائم، وبسبب عدم كفاية الإشراف على رجال الشرطة الذين يباشرون القضايا.

وقالت ميغان رود، الباحثة بقسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش، وكتبت الجزء المتعلق بالعنف الجنسي من التقرير: "بعد عشرين عاماً تقريباً من وجودها، ما زالت المخيمات مكاناً الإنصاف والعدالة فيه لضحايا الاغتصاب هو الاستثناء على القاعدة، والإفلات من العقاب هو القاعدة". وأضافت: "النساء والفتيات اللاجئات اللاتي يبلغن الشرطة بشجاعة عن العنف الجنسي يستحققن ما هو أفضل من هذا".

"إن جبين عالمنا يندى لهذه الأزمة الصامتة لحقوق الإنسان ... فالمهاجرون جزء من الحل وليس المشكلة. ولا يجوز تحويلهم إلى كبش فداء لمجموعة واسعة من العلل الاجتماعية".
كوفي عنان في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي، 29 يناير/كانون الثاني 2004

العمال المهاجرون بشر

تُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين لهذا العام وثيقتها التمهيدية الشاملة الأولى حول حقوق المهاجرين

في كل عام يموت آلاف الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى دول أخرى. ويواجه العديد من الذين يفدون إلى دولة جديدة مزيداً من الانتهاكات والاستغلال على أيدي المهربين وأصحاب العمل والموظفين الرسميين المجردين من الضمير. وغالباً ما يُحرم أولئك الذين يفتقرون إلى الوضع الرسمي وحماية القانون من حقوق الإنسان الأساسية ويُكتب عليهم العيش والعمل في أوضاع فظيعة ومهينة.

وتقدم مطبوعة منظمة العفو الدولية هذه التي تحمل عنوان العيش في الظل : مدخل إلى الحقوق الإنسانية للمهاجرين، لمحة عامة عن حقوق المهاجرين. وتبين كيف أن السياسات والممارسات الحكومية ينبغي أن تحمي الحقوق الإنسانية للمهاجرين في جميع مراحل دورة الهجرة. وتسلط الضوء على بعض انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها العديد من المهاجرين وتحدد أجندة للقيام بحملات من أجل حقوق المهاجرين. وحقوق المهاجرين هي حقوق إنسانية وينبغي على الحكومات والمجتمعات وأصحاب العمل والأفراد بذل المزيد للتمسك بها وحمايتها.

وبوصفهم أجانب، يتعرض المهاجرون بصورة متزايدة للتمييز والعنصرية وكراهية الأجانب وسوى ذلك من أشكال التحيز. وتشمل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها العمال المهاجرون الامتناع بصورة روتينية عن دفع أجورهم، ومصادرة جوازات سفرهم أو بطاقات إثبات شخصيتهم من جانب أصحاب عملهم، وتوجيه الشتائم إليهم وإيذاؤهم جسدياً من جانب أصحاب عملهم وعدم حصولهم على السكن والمرافق الصحية المناسبة. كذلك يواجهون التوقيف والاعتقال التعسفيين في أوضاع غالباً ما تتسم بالسوء. وفي الوقت ذاته، يعيش كثيرون منهم في خوف دائم من الطرد من البلد الذي يعملون فيه، غالباً بدون إتاحة فرصة لهم لتقديم استئناف. وبشكل خاص تتعرض النساء، اللاتي يشكلن قرابة خمسين بالمائة من العمال المهاجرين للاستغلال، بما في ذلك العنف الجنسي. كذلك يتعرض الأطفال بشدة، وبخاصة عندما يكونون بمفردهم، للاستغلال ويُرغمون أحياناً على القيام بأسوأ أنواع العمالة، بما في ذلك الدعارة القسرية أو تهريب المخدرات أو التجنيد في القوات المسلحة أو العمل المنـزلي في أوضاع أشبه بالعبودية.

وبسبب وضعهم غير المستقر، يظل العديد من العمال المهاجرين معرضين للغاية لانتهاكات حقوق الإنسان من أصحاب عملهم والدول المضيفة وغالباً ما يخشون جداً الشكوى من أوضاعهم. وإذا فعلوا ذلك، يُحتمل أن يطردهم رب عملهم، وإذا لجئوا إلى الدولة، فقد يتم ترحيلهم من البلاد.

وغالباً ما يصف بعض السياسيين ووسائل الإعلام المهاجرين بأنهم مجرمون ويشكلون عبئاً اقتصادياً وخطراً أمنياً وحتى خطراً على الصحة العامة. لكن الحقيقة هي أن اقتصاديات عديدة باتت تعتمد على المهاجرين المستعدين للعمل في أعمال قذرة ومهينة وخطرة لا تتضمن إلا القليل من الأمان وبأجور زهيدة. وتشغِّل الآن هذه القوة العاملة غير المعترف بها والمحرومة من التقدير والشأن جزءاً ملموساً من الاقتصاد العالمي. ويُنظر إلى العامل المهاجر بصورة متزايدة كسلعة أو وحدة عمل، "كمقدم مؤقت للخدمات" يمكن نقله ذهاباً وإياباً حول العالم بحسب الأهواء. وتفتقر هذه المقاربة إلى أي اعتراف بالحقوق الإنسانية للعامل المهاجر.

وهناك جزء واسع من القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان يكفل الحقوق الإنسانية للمهاجرين. بيد أن المشكلة هي أن الحكومات وسواها تفتقر إلى الإرادة السياسية لترجمة هذه الضمانات إلى تدابير عملية وحقيقية. وثمة حاجة لاتخاذ إجراءات بغية تحويل الحقوق الواردة في المعايير الدولية إلى حقيقة واقعة بالنسبة للمهاجرين الأفراد. وفي صميم الأجندة المقترحة لمنظمة العفو الدولية للقيام بحملة من أجل حقوق المهاجرين دعوة لمعاملة جميع المهاجرين على نحو يحترم بالكامل حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.

إساءات إسبانيا والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم

في هذا المكتب تجرى عمليات سرقة و أنتزاع الأطفال المغاربة من ذويهم و تتم عمليات الخداع و الضغط على الامهات للتنازل عن اولادهن

هذا المكتب الذي طردنا منه حينما دافعنا عن حقوق الامهات في الأحتفاظ اولمتابعة اولادهن

هنا تجرى عمليات أجبار الامهات و الضغط عليهن و خداعهن للتوقيع على صك التنازل عن اولادهن و كتابة التقارير و التعهدات ثم يتم دفعها للقضاءالاسباني

الذي بناءا على ما دفع اليه من وثائق وأوراق بان يحكم بفقدان حضانة الامهات المغربيات لابنائهن

أين المنظمات الحقوقية و الدولية لمراقبة أعمال المكتب الاسباتي و جرائمه بحق الأمومة والطفولة ؟

 تقرير أحدى المنظمات الانسانية عن الدولة الاسبانية والمغربية و ابناء المسلمين

إسبانيا والمغرب تُسيئان للأطفال المهاجرين
الضرب وعمليات الترحيل الجائرة هي من الأمور الشائعة



(مدريد, 7 أيار - مايو- 2002 ) كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المغاربة المهاجرون في إسبانيا للضرب على يد الشرطة، كما يتعرَّضون لإساءات مختلفة من قبل الموظفين والأطفال الآخرين في المراكز السكنية المزدحمة والتي تفتقر لشروط الصحّة العامة. وجَّهت منظمة مراقبة حقوق الإنسان هذه الاتهامات في تقرير نشرته اليوم، وأضافت بأن إسبانيا تقوم أيضاً بعمليات ترحيل جائرة إلى المغرب لأطفال قد يبلغون من العمر في بعض الحالات أحد عشر عاماً، وهناك تقوم الشرطة المغربيّة بضربهم وإساءة معاملتهم، ومن ثم يخلون سبيلهم إلى الشوارع.

يتكوَّن التقرير من اثنتين وستين صفحة وعنوانه "هل من ملاذ؟ : إساءات إسبانيا والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم ،" وهو يوثِّق الإساءات واسعة النطاق التي يتعرَّض لها الأطفال المغاربة الذين يرتحلون بمفردهم للمدينتين الإسبانيتين سبتة ومليلة الواقعتين على ساحل شمال أفريقيا. أجرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان العشرات من المقابلات مع أطفال مهاجرين حالياً ومع أشخاص كانوا مهاجرين في طفولتهم، وذلك خلال تحقيق استغرق خمسة أسابيع. وكان العديد من الأطفال قد رُحِّلوا لمرات متعددة.
وقالت كلاريسا بِنكومو، وهي باحثة في قسم حقوق الطفل في منظمة مراقبة حقوق الإنسان

    "لا أحد يرعى هؤلاء الأطفال، إذ ينتهك المسؤولون الإسبانيون الحقوق الإنسانية لهؤلاء الأطفال سعياً منهم إلى ردِّهم إلى المغرب، كما يقوم المسؤولون المغاربة بمعاقبتهم بسبب قيامهم بالرحيل."

تتميَّز الظروف المعيشية في اثنين من المراكز السكنية الإسبانية بدرجة خاصّة من السوء، وهذان المركزان هما مركز سان أنطونيو في سبتة، ومركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة، حيث المَرافق دون المستوى المقبول، والازدحام شديد وليس فيهما مكان للترفيه أو نشاطات لعب في أوقات الفراغ. اتفَقَت شهادات الأطفال الذين أجرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات معهم بأن الموظفين في تلك المراكز كثيراً ما يضربونهم ويهددونهم، كما يستخدم الموظفون في مركز سان أنطونيو "زنزانة عقاب" احتجزوا فيها أطفالاً لفترات وصلت إلى أسبوع، ولا تحتوي هذه الزنزانة على فراش ملائم، وأحياناً لا يتمكَّن الأطفال المحتجزون فيها من استخدام الحمّام. وروى الأطفال الأصغر سناً أو حجماً عن تعرُّضهم للاعتداء أو السرقة من قبل الأطفال الأكبر سناً أو حجماً في تلك المراكز وذلك على مرأى من الموظفين الذين يمتنعون عن التدخُّل.
وقالت بِنكومو

    "أخبَرَنا الأطفال بأنهم عندما كانوا يعيشون في الشوارع شعروا بأمان أكبر من ذاك الذي يشعرون به في المراكز السكنية المزدحمة والخطرة التي توفرها إسبانيا لرعايتهم."

وتتهم منظمة مراقبة حقوق الإنسان إسبانيا بأنها حرمت الأغلبية العظمى من الأطفال المهاجرين بمفردهم في سبتة والعديد من الأطفال في مليلة من التعليم، كما تتهم الموظفين في العيادة الطبية العامة وفي المركز السكني في سبتة بأنهم يحرمون الأطفال المرضى والمصابين من العناية الطبية وبشكل تعسُّفي.
إن القانون الإسباني يضمن للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية وعلى قدم المساواة مع الأطفال الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والعناية الصحيَّة والحق في الحصول على الإقامة القانونية المؤقتة والحماية من الإعادة إلى الوطن إذا كان هذا الإجراء يعرِّض الطفل للخطر. يقوم المسؤولون المحليون في سبتة ومليلة وباستمرار بتجاهُل القانون، ويحرمون الأطفال تعسُّفاً من الرعاية والحماية. وأقرَّ المسؤولون في الحكومة المركزية بإنهم لا يراقبون المعاملة التي يتلقاها الأطفال بانتظام، وبإنهم لا يرفعون حالات الإيذاء الشديد إلى المحكمة. وفي حالات عديدة حقَّقت منظمة مراقبة حقوق الإنسان بشأنها، كانت الجهات المُكلَّفة بحماية الأطفال - الشرطة ودائرة الرفاه الاجتماعي- هي مصدر الإساءات.
وتقول بِنكومو،

    "تقول الحكومة الإسبانية بإنها تهتم بحقوق الأطفال، ولكنَّها لا تفعل إلاَّ القليل، هذا إذا فعلت أي شيء، من أجل فرض تنفيذ قوانينها، وكلما سألْنا المسؤولين الحكوميين عمَّا يفعلونه لحماية الأطفال، يدَّعون دائماً بأن ذلك هو مسؤولية جهة أُخرى."

تُرحِّل إسبانيا الأطفال من سبتة ومليلة عبر تسليمهم للشرطة المغربية التي بدورها تقوم بضربهم وإساءة معاملتهم، وبعد ذلك تقوم الشرطة المغربية بإطلاق سراح الأطفال إلى شوارع غريبة عنهم، وكثيراً ما يحدث هذا في وقت متأخِّر من الليل، حتى أنَّ أطفالاً في سن صغيرة جداً تُركوا كي يعيلوا أنفسهم، لأَن المغرب تفتقر للتدابير الملائمة لحماية الأطفال الذين يعيشون خارج بيئتهم العائلية، ومن المعتاد أَلاَّ تتدخَّل السلطات المغربية إلاَّ عندما يُشتبه بأن الطفل قد ارتكب إثماً إجرامياً خطيراً، وكذلك فإن العناية في العديد من مراكز احتجاز الأطفال المغربية غير كافية على الإطلاق، وليس للقُضاة إلاَّ القليل من البدائل عن تلك المرافق في حالة عدم تيسُّر إعادة الطفل آمناً إلى عائلته.

دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة إسبانيا للتأكُّد من تزويد الأطفال المهاجرين بمفردهم بالسكن والتعليم والعناية الطبيَّة الطارئة والأنواع الأُخرى من العناية الطبيَّة، وكذلك بوثائق إقامة مؤقَّتة قانونية، وذلك بحسب القانون الإسباني. وعلى المراكز السكنية للأطفال المنفردين أن تفي بالمعايير الأساسية للصحَّة والسلامة وأن توفِّر للأطفال الرعاية والحماية الضروريتين لمصلحة الطفل. على إسبانيا أَلاَّ تعيد أو تُرحِّل الأطفال إلاَّ إذا تحققت الحكومة من أن الأطفال سيعادوا إمّا إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعاية الطفل وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية ملائمة في البلد الأصلي للطفل، والتحقُّق من أن عودة الطفل لا تعرِّض سلامته أو سلامة أقربائه للخطر أو المجازفة.
كما دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة المغرب لأَن تُيسِّر عودة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى المغرب عندما يكون ذلك في الصالح الأفضل للطفل، ولأَن توفِّر المصادر اللازمة للعناية بهم ولحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة رفاه اجتماعي لاستقبال الأطفال المهاجرين بمفردهم مِمَّن أُعيدوا من إسبانيا، ومن ثمَّ إرجاعهم إلى عائلاتهم حينما يكون ذلك ملائماً. على المغرب حماية الأطفال المهاجرين بمفردهم مِمَّن أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة.

ودعت المنظمة أيضاً كلا الحكومتين للعمل معاً للتأكُّد من أَنَّ الأطفال يعادوا من إسبانيا إلى المغرب فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعايتهم وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية ملائمة.

    "يجب أَلاَّ تكون الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية هما الجهتين المسؤولتين عن إعادة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى أوطانهم."

    شهادات لأطفال مهاجرين بمفردهم في سبتة ومليلة

    (وضعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان أسماء مستعارة لجميع الأطفال المذكورين في هذا التقرير حفاظاً على خُصوصياتهم.)

 إساءات الشرطة الاسبانية والمغربية

    كنت في الميناء وأنوي العبور إلى إسبانيا، شاهدني شرطي [إسباني] وحاول الإمساك بي لكنني أفلتُّ منه ثلاث مرات، ثم قبضَت عليَّ الشرطة. كانوا ستة، ووضعوني في سيارة، [وفي السيارة] أخذوا بضربي على ذراعيَّ وساقيَّ وعلى رأسي، ثم أخذني شرطي آخر إلى مركز الشرطة، وهناك راح يضربني بهراوة (porra) وبقدميه، كانوا غاضبين بشدّة ومهتاجين، ثم أخذوني إلى مركز الحرس المدني وكنت أصرخ من الألم، وهناك سألوني إذا ما كنت قد سقطت، ولكني كنت خائفاً بسبب وجود رجال الشرطة الآخرين، بعد ذلك أمعنَ الحارس المدني بضربي ثم وضعني في غرفة لمدة ثلاث ساعات، وبعد ذلك اصطحبني إلى مركز سان أنطونيو. شهاب ر.، خمسة عشر عاماً، يصف الضرب الذي تعرَّض له في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 على يد الشرطة الإسبانية، مما تسبب بكسر يده اليسرى. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    قادونا إلى الحدود منفصلين، كنت مع طفل آخر عمره عشرة سنوات، وكان يريد القفز من السيارة ولكنّي لم أدَعَه يفعل. لم يكونوا قد أخبرونا عن سبب ذهابنا، وفقط عندما اقتربنا من الحدود قال الشرطي [الإسباني]، "ستذهبون إلى عائلاتكم." وكان في السيارة التي تقلّنا اثنان من أفراد الشرطة السرية بالإضافة إلى الرجل الآخر، لم يقوموا بإيذائي ولكنهم أذوا الطفل الصغير لأنه أراد الخروج من السيارة، كانوا يصفعونه ويلوون ذراعه ويشدّون قبضاتهم على عنقه وكأنهم يقومون بخنقه. ...

    وفي مركز الشرطة [المغربي] قام أحد أفراد الشرطة [المغربية] بالدوس على أصابع أقدامنا بحذائه العسكري؛ وكنّا ننتعل صنادلاً، وسأَلَنا الشرطي عن المنطقة التي أتينا منها وكيف وصلنا إلى مليلة وأشياء أُخرى، ثم أُودِعنا في غرفة مخزن كان فيها بيرة ونبيذ، وكان أفراد الشرطة موجودين في الغرفة طوال الوقت ولم يقوموا بإيذائنا مرّة أُخرى إلاَّ في النهاية عندما أطلقوا سراحنا، وحينها ضربونا بعصا طويلة أو هراوة مكهربة بفولتية عالية، ضربونا كلنا على مواضع متفرِّقة من أجسادنا، ولكن الطفل الأكبر سناً بيننا حاول حماية الآخرين. كانت جميع الأبواب مقفلة ولم نتمكَّن من الخروج، وكان هناك ما يزيد عن عشرة من أفراد الشرطة في غرفة المخزن الكبيرة تلك، وحوصِرنا جميعاً في جهة من الغرفة حيث أخذ اثنان من أفراد الشرطة بضربنا، وكان الآخرون يضحكون ويكيلون لنا الإهانات، واستمر ذلك لمدة خمس دقائق. تعرَّض الطفل الأكبر سناً لأذى كبير - في ساقيه وظهره وذراعيه- وظهرت على جسده كدمات كثيرة، وكان هو أول من أُطلق سراحه، وبعد ذلك أُطلق سراحي أنا ومن ثم البقية، وعند إطلاق سراحنا انتظرنا في الخارج حتى أُطلق سراح الآخرين. أيمن م.، ستة عشر عاماً، يصف عملية الترحيل الجائر التي تعرَّض لها في شهر تموز (يوليو) 2001، وكان قد عاش في مليلة منذ كان عمره ثمانية سنوات، وعند ترحيله الجائر كان يعيش في مركز سكني وكان لديه وثائق إقامة مؤقتة.

    في المغرب، تقوم الشرطة بتفتيشك، وإذا كان معك أي شيء، مثل سكين أو أي شيء آخر، فأنهم يأخذونه وبعد ذلك يضربونك بهراوة. ... ويستخدمون للضرب أيضاً حبلاً من الأسلاك الكهربائية، هناك شرطي في المغرب يفعل ذلك. - عبد الهادي س.، أربعة عشر عاماً، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وشاهد باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان ندوباً على ظهره قال أنها من جرّاء استخدام الشرطة لحبل من الأسلاك الكهربائية في ضربه.

    الإساءات في المراكز السكنية

    يوم الأحد الماضي تعرّضْت للضرب ورُكلت على ربْلَتَيّ ساقيَّ من قبل حارس سمين وآخر نحيف، أحدهم ركلني على ساقيَّ حتى أوقعني أرضاً والآخر أمسكني من قميصي وأخذ بصفعي. ... وهم من المُربّين [في المركز السكني]. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف العقوبة التي تعرَّض لها بسبب شجار جرى بينه وبين طفل آخر في مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001.

    في إحدى المرات قمنا بالهرب، كُنّا ثلاثة، وذلك بأن أخذ أحد الأطفال قطعة معدنية واستعملها لكسر القفل [في غرفة العقاب]، أمسَكَنا أحد الأطفال الكبار وقام بضربنا، ثم أخذونا وأودعونا في غرفة أُخرى وأقفلوا الباب، وبعد ذلك جاء [أحد المربّين] وقام بضربنا بهراوة كالتي تستخدمها الشرطة، وقد ضربني على رأسي وعلى وجهي وعلى فخذيَّ. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    بسبب طفل صغير واحد لم يكن أحد مِنّا يعرفه، أُجبرنا جميعاً على الخروج إلى العراء في البرد ودون بطانيات، وفي النهاية سمحوا لنا بالدخول واحداً إثر الآخر، أو في مجموعات صغيرة من ثلاثة أو أربعة أشخاص، وسُمح لي بالدخول في حوالي الساعة الواحدة صباحاً، ولا أدري حتى متى بقي الآخرون خارجاً. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف كيف قام الموظفون في مركز Pur?sima Concepci?n Fort السكني بمعاقبة جميع الأطفال إثر قيام طفل صغير بسرقة مُلاءة سرير في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. مليلة، 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    أحياناً تمسك بي الشرطة وتعيدني إلى سان أنطونيو [المركز السكني]، ولكني أهرب من جديد، فأنا لا أبقى لفترة طويلة أبداً، لأن الأطفال الأكبر سنّاً يقومون بضرب الآخرين ويسرقون أحذيتهم. ... ولا يفعل المسؤولون في المركز أي شيء عندما يشاهدون الأطفال الأكبر سنّاً يضربون الأطفال الأصغر سناً. ... وإذا كان لديك نقود فإن الأطفال الأكبر سنّاً يأخذونها منك ويضربونك في سان أنطونيو. - لُطفي م.، إثني عشر عاماً. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    الجيدون [من موظفي المركز السكني]، يحاولون إجراء تحقيق عندما تخبرهم بأنَّ الآخرين [الشباب الأكبر سنّاً] يقومون بضربك، أمّا السيئين فإنهم يرفضون فعل أي شيء، ويقولون لك "قاوم من يهاجمك،" أو "عليك الدفاع عن نفسك بكل ما تستطيع." - عباس أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو في سبتة. 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    إنها مكان سيّء جداً، الفرشات ممزقة، والجميع يشعر بالازدحام الشديد بداخلها، ولا تحصل فيها على طعام كافٍ، إنّها سيئة جداً، كُنّا ثمانية في الزنزانة ولا يمكن لنا المغادرة، وإذا أردت استخدام الحمّام فعليك فعل ذلك في موضع على أرض الغرفة أو في دلو. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف "زنزانة العقاب" في مركز سان أنطونيو، حيث أمضى ثلاثة أيام في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. ولا يقوم موظفوا المركز السكني بمراقبة الغرفة عن قرب، ونتيجة لذلك تكون الخسارة من نصيب الأطفال الأصغر سنّاً أو حجماً عندما يكون هناك نقص في الطعام أو الفراش. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    عندما وصلت إلى هناك للمرة الأولى، كنت أنام على الأرض واضعاً ملاءتين تحتي ومُلاءة أُخرى كغطاء، وبعد حوالي خمسة عشر يوماً تخلَّى لي ولد عن مكانه إذ ذهب للنوم مع الأطفال الأكبر سنّاً ممّن يبلغون من العمر خمسة عشر وستة عشر عاماً. كان في الغرفة التي كنت فيها حوالي إثني عشر طفلاً، ومن ضمنهم الأربعة الذين ينامون على الأرض. - وفيق ح., ثلاثة عشر عاماً، يصف إحدى إقاماته في مركز سان أنطونيو في شهر أيلول (سبتمبر) 2001. وقد قدّر بأنه "كان هناك مئة طفل، قد يزيدون أو يقلّون قليلاً،" في مكان مصمَّم لإيواء أقل من نصف هذا العدد. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    أولئك الذين مرَّ على وجودهم فترة طويلة [في مركز سان أنطونيو] لهم أَسِرَّة خاصَّة بهم، ونحن لدينا مُلاءة، ولا شيء غير ذلك، وهي مُلاءة رقيقة جداً، وليس بوسعنا إلاَّ أن ننام على الأرض دون فرشة أو أي شيء. -شوقي م.، خمسة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وقال الأطفال إنّه وباستثناء الأطفال الذين مرَّ على وجودهم في المركز وقت طويل، فإن عليهم تبادُل دور استخدام الأَسِرَّة في كل ليلة، وكثيراً ما ينامون على الأرض مستخدمين مُلاءات قذرة فقط كانت قد استُخدِمت من قبل أطفال آخرين.

    عادةً ما أعاني من الألم عندما يكون الجو بارداً، أو عندما يقوم أحد ما بضربي، حاولت الذهاب إلى المستشفى عندما كنت أتألَّم ولكنهم رفضوا إدخالي، كما أنهم يرفضون إدخال أي شخص إلاَّ إذا كان يرافقه أحد من موظفي مركز سان أنطونيو. عندما يأتيني الألم لا أستطيع الحراك، وهكذا فمن سيأتي لنقلي إلى المستشفى؟ -عبد الصمد، ستة عشر عاماً. سبتة، 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. ويعاني عبد الصمد من مرض بالكلى من الممكن أن يعرِّض حياته للخطر، ولكنه حُرم من العناية الطبية بعد أن أُخبِر بأن عليه مغادرة مركز سان أنطونيو في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 بعد أن عاش هناك مدة سنتين ونصف، وكان موظفوا المركز السكني قد رفضوا مرافقته إلى المستشفى، كما رفض موظفوا المستشفى علاجه دون حضور موظف من المركز السكني. وفي النهاية أُجريت له عملية جراحية يحتاجها بعد أن تدخَّل fiscal لشؤون القاصرين (fiscal :موظف يتبع لوزارة تحمل نفس الاسم وتجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية, تشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع) وأصدر أمراً بإدخاله إلى المستشفى. وبعد ذلك لم يتمكَّن من الدخول مجدداً إلى مركز سان أنطونيو لقضاء فترة نقاهة إلاَّ بعد أن أصدر fiscal شؤون القاصرين أمراً ثانياً لضمان إدخاله.

    كنت أريد الذهاب إلى المدرسة لكي أتعلم اللغة الإسبانية، ولكنهم لم يدعوني أفعل ذلك. هناك أطفال آخرون ذهبوا ولكن أنا لم أستطع ذلك. ذهبت إلى المدير لأطلب منه الذهاب إلى المدرسة، ولكن ذلك لم يغيِّر شيئاً. ... أحياناً نقوم بالرسم، وهذا كل ما هنالك. الأطفال الأكبر سنّاً فقط يذهبون إلى المدرسة. -سليمان س.، أربعة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    لا أحد يفعل شيئاً، ليس هناك حتى فرصة للتعلُّم، ليس هناك أي دراسة أو تدريب مهني. يبدأ الإفطار في الساعة التاسعة، بعد ذلك ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة الغذاء في الساعة الواحدة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة merienda [وجبة خفيفة وقت حلول المساء] في الساعة السادسة أو السادسة والنصف وأحياناً في الساعة السابعة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، وجبة العشاء في الساعة العاشرة، ننظف ثم لا نفعل أي شيء. - منيب أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.



مأوى من الكرتون والقمامة بداخل حواجز الامواج الصخرية, بميناء سبتة
اتخذها الأطفال مأوى لهم بعد أن رفضوا البقاء في مركز سان انطونيو
حيث تعرضوا لسوء المعاملة من الموظفين والاطفال الاكبر سناً

 مركزأيواء في سبتة

مركز أيواء في سبتة

خُلاصة التقرير

كل عام، يدخل الى إسبانيا آلاف الاطفال المغاربة وحدهم ودون وثائق السفر المطلوبة، وبعضهم لا يبلغ من العمر إلاَّ عشرة سنوات، ويخاطرون بحياتهم إذ يتسللون عبر مراكز الحدود والمرافيء المغربية والإسبانية ساعين لتحقيق أحلامهم بحياة أفضل، بعضهم يفرّ من العنف العائلي وبعضهم من الفقر ومن قلة فرص التعليم والعمل في وطنهم، وفي الكثير من الحالات يلاقون العنف والتمييز وحياة مليئة بالمخاطر في شوارع مدن غريبة عنهم. وعندما يُقبض عليهم في إسبانيا، قد يتعرضون للضرب على يد الشرطة، وبعد ذلك يوضعون في مراكز سكن مزدحمة وغير صحيّة، كما انه لا يُسمح لبعضهم وبطريقة اعتباطية الانضمام الى المراكز السكنية، وكثيراً ما تحرمهم المراكز السكنية من الإعانات التعليمية والصحيّة التي يكفلها لهم القانون الإسباني، وعلاوة على ذلك قد يتعرَّض هؤلاء الأطفال لإساءات من قبل أطفال آخرين أو من قبل الموظفين الموكلين بالعناية بهم. وإذا كانوا سيئي الطالع يُرحَّلون الى المغرب حيث يتعرَّض الكثير منهم للضرب على يد الشرطة المغربية، وفي النهاية يُطلَق سراحهم كي يُعيلوا أنفسهم.

كل هذا يحدث في بلدين تعهّدا بتوفير الحقوق والضمانات المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، لكل الأطفال الخاضعين لولايتهما.

في حالة إسبانيا، قُنِّنَ هذا التعهّد في تشريع يضمن للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية، وعلى قدم المساواة مع الأطفال الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والرعاية الصحيّة والإقامة القانونية المؤقَّتة، والحماية من إعادتهم إلى وطنهم إذا كان هذا الإجراء يُعرِّضَهم أو يُعرِّض عائلاتهم للخطر، لكن الحكومة الإسبانية تهاونت في ضمان تنفيذ تلك الفقرات من القانون بشكل منتظم، كما أنَّ السلطات الإسبانية الإقليمية تنفِّذ القانون بشكل انتقائي، أو أنها تتجاهل القانون تماماً ولا تخضع للمُساءلة.

أمّا ما يتعلَّق بالحكومة المغربية، فإنها لا تراقب أوضاع الأطفال المغاربة الموجودين في إسبانيا، ولا تُيسِّر إعادتهم من إسبانيا عندما يكون ذلك في صالح الطفل، كما أنها لا تضمن الحماية والرعاية للأطفال المهاجرين بمفردهم في حال عودتهم الى المغرب.
تتفاوت أوضاع الأطفال المهاجرين بمفردهم بين مناطق إسبانيا المختلفة، ويتوقَّف ذلك على الفروق في أعداد الأطفال بين المدن، وعلى استعداد الإدارات المحليّة والإقليميّة لتطبيق القانون، وعلى مدى تواجد المنظمات غير الحكومية العاملة على الدفاع عن الأطفال المنفردين. ويتفق المسؤولون الحكوميون وممثلوا المنظمات غير الحكومية، على أنَّ أوضاع هؤلاء الأطفال قاسية بصورة خاصّة في مدينتي سبتة ومليلة المتمتعتين بالحكم الذاتي، وهما مدينتان إسبانيتان واقعتان على ساحل شمال أفريقيا.

قامت مجموعة من الباحثين من منظمة مراقبة حقوق الإنسان بزيارات مُتتالية إلى إسبانيا والمغرب في أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، لتقصّي الطريقة التي يُعامَل بها الأطفال في سبتة ومليلة، ووجَدَت المجموعة نمطاً ثابتاً من الإساءات من قبل الشرطة في كلتا المدينتين، ففي مليلة يتعرَّض الأطفال المنفردون للضرب بالأيدي والهراوات وللرفس من قبل الشرطة الإسبانية، وذلك أثناء الترحيل القسري لهؤلاء الأطفال إلى المغرب، وعند وصولهم إلى المغرب يُحتَجزون في ظروف غير آمنة ومن ثم تطلقهم الشرطة المغربية التي استلمتهم عند الحدود إلى الشوارع. أمَّا في سبتة فيتعرضون لحالات أقل من الترحيل القسري، ولكنهم يظلّون مُعرَّضين لحالات من الضرب الوحشي إذا حاولوا الفرار أثناء سعي الشرطة الإسبانية للقبض عليهم، وفي كلتا المدينتين لا يتمكَّن بعض الأطفال من الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة المكفولة لهم بالقانون، وذلك لأَنَّ مديرية الرفاه الإجتماعي، الوصي القانوني عليهم، لا تتقدم بطلب رسمي من أجل هذا الغرض، وفي حالة الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة ومرور عامين على ذلك، يصبح الأطفال مؤهَّلين للتقدم بطلب الحصول على الجنسيّة الإسبانية، ومن دون الإقامة المؤقتة يصبحون عرضة للترحيل إلى المغرب عند بلوغهم سن الثمانية عشر.
أمّا المراكز السكنية للأطفال المنفردين والتابعة لدائرة الرفاه الاجتماعي في مدينتي سبتة ومليلة، فهي تزدحم بشدّة مما يقلل من مستوى العناية التي تقدِّمها تلك المراكز، ويزيد من مخاطر تعرُّض الأطفال لسوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل أطفال آخرين، والمركزان الأكثر سوءاً هما مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة ومركز سان أنطونيو في سبتة، وهما مبنيان قديمان ما زالا في مرحلة الترميم بغية استخدامهما للعناية بالأطفال. المبنى الأول كان أصلاً حصناً عسكرياً، ومبنى سان أنطونيو كذلك كان مقراً عسكرياً، أُعِدَّ مركز سان أنطونيو في البداية لاستقبال حوالي ثلاثين طفلاً ولكنه الآن يستوعب وعلى الدوام مئة طفل أو أكثر، وينام بعض الأطفال على الأرضيات أو على الطاولات، كما يشترك الأطفال بحمّام واحد ويشتكون من قذارة الفراش والأغطية ومن رداءة الملابس وعدم كفايتها، ويشتكون كذلك من الوجبات التي قالوا أنها كثيراً ما تحتوي على لحم الخنْزير، وهذا بدوره أمر غير ملائم لكثير من الأطفال لأسباب دينية، ولا تتوفر في أي من المبنيين مرافق ترفيهية للمقيمين فيهما. يُسمح للأطفال في مركز Pur?sima Concepci?n Fort بالتجول في المدينة دون رقابة أثناء النهار، أمَّا الأطفال في مركز سان أنطونيو، فقد تحدَّثوا عن تقييدات أكبر لحركتهم وعن تعرُّضهم للعقاب فيما إذا قاموا بالفرار، وهم يواجهون مللاً شديداً في ذلك المبنى الصغير.

لا توفِّر أي من سبتة أو مليلة عناية صحيّة وقائية منتظمة للأطفال المنفردين، وكثيراً ما تحرمان الأطفال تعسُّفاً من العناية الصحيّة في حالة تعرُّضهم لمشاكل صحيّة أكثر خطورة، رغم أنهم مؤهلون لتلقّي العناية الصحيّة وفقاً للقانون الإسباني، وهذا أمر يبرز بشكل خاص في سبتة، حيث لم تُصرَف للأطفال البطاقة الصحيّة التي تصدرها الحكومة (Tarjeta Sanitaria) رغم أهليتهم لاستلامها، ومن المعتاد أن ترفض مراكز الخدمات الطبية والمدعومة من الحكومة تقديم العناية الصحيّة للأطفال الذين لا يحملون البطاقة الصحيّة، أو إذا لم يصحبهم موظف من المراكز السكنية.
الأغلبيّة العظمى من الأطفال المهاجرين بمفردهم في سبتة والكثير من الأطفال في مليلة لا يتلقون العلم في المدارس، بالرغم من أنهم تحت رعاية الحكومة - علماً بأن القانون الإسباني يوفر تعليماً إلزامياً لجميع الأطفال ما بين سن ست سنوات وست عشرة سنة، ونادراً ما تدمجهم الحكومة بالمدارس الإسبانية وبدلاً من ذلك فإنها تعتمد على موظفي المراكز السكنية في توفير تعليم أوَّلي، ولكن المراكز السكنية كثيراً ما تحرم الأطفال اعتباطياً حتى من هذا المستوى من التعليم، أمَّا الأطفال الذين يزيد عمرهم عن ستة عشر عاما،ً فكثيراً ما يُحرَمون من الانتفاع من التعليم المهني لامتناع دائرة الرفاه الاجتماعي عن تقديم الطلبات للحصول على وثائق العمل الضروريّة.
يتعرَّض الأطفال المنفردون الذين يعيشون في المراكز السكنية للابتزاز والسرقة والعنف الجسدي من قبل الشباب الأكبر سناً أو حجماً في المراكز، ونادراً ما يتدخَّل موظفوا المراكز لحماية الأطفال حتى عندما يشهدون الهجمات، كما ينخرط الموظفون في ممارسات من الإساءة من أجل الضبط، بما في ذلك الضرب والعقاب الجماعي والتهديد بالترحيل، وفي سبتة يقوم الموظفون في مركز سان أنطونيو بوضع الأطفال في "غرفة عقاب" صغيرة ومعتمة وقذرة، وتخلو إلاَّ من بعض الفرشات ولا يوجد فيها حمّام، وقد أخبَرَنا بعض الأطفال أنهم أمضوا في تلك الغرفة ما يصل الى أسبوع لارتكابهم مخالفات كان منها التدخين والخروج من غير إذن أو الهروب، وذكر الأطفال في كلتا المدينتين أنَّ السبب الأساسي لهروبهم من المراكز السكنية هو سوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل الأطفال الآخرين.
تقوم الشرطة الإسبانية وبشكل دوري بعمليات ترحيل جائرة للأطفال المنفردين الى المغرب، وذلك في خرق لفقرات من القانون الإسباني تقضي بإعادة الأطفال إلى أهلهم فقط أو إلى وكالات الرفاه الإجتماعي المعنيَّة في البلد الأصلي للطفل، على أَلاَّ يتسبب ذلك بتعريضهم أو تعريض أهلهم للخطر. أوردت جمعيّة حقوق الطفل (ARC)، وهي منظّمة لحقوق الإنسان مركزها في مليلة، أن ما لا يقل عن سبعين عمليّة ترحيل قد جرت ما بين شهري تموز (يوليو) 2001 وشباط (فبراير) 2002. وقد ذكر الأطفال الذين قابلناهم بأن أفراد الشرطة الإسبانية قاموا بصفعهم وضربهم وتهديدهم قبل تسليمهم للشرطة المغربية، التي هي بدورها تسيء معاملتهم.
تتهاون إسبانيا في تقديم الحماية والرعاية لهؤلاء الأطفال، وليس هناك أي وكالة حكومية إسبانية تنهض بالمسؤوليّة الفعليّة لضمان تلقّي الأطفال المنفردين في سبتة ومليلة للرعاية والحماية، ولا توجد أية آليّة فاعلة لتمكين الأطفال من تقديم شكاوي أو لممارسة حقّهم في إسماع صوتهم في كافّة العمليات القانونيّة المتعلّقة بهم، وينيط مسؤولوا الحكومة المركزيّة أمر مراقبة الأوضاع والتحقُّق من حالات الإساءة إلى السلطات المحليّة، وهذه بدورها تدّعي بأنها لا تَحْتَكِم إلى الوسائل الضروريّة للقيام بهذه المهمة، وتعتمد على المراكز السكنية وعلى الشرطة من أجل الإبلاغ عن هذه الحالات.

تتهاون السلطات المغربية كذلك في توفير الرعاية والحماية اللازمين للأطفال المهاجرين بمفردهم، وبالرغم من وجود عدد كبير من الأطفال المنفردين في المدن الواقعة على الموانيء وفي البلدات الحدودية المغربية، غير أن الحكومة لم تفعل سوى القليل لضمان تزويدهم بالرعاية وإعادة التأهيل، وفي أكثر الحالات لا تقوم الحكومة بتوفير الملاذ إلاَّ للأطفال المُدانين بارتكاب جرائم، إذ تودعهم في مراكز اعتقال للقاصرين. كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المُرحَّلون من سبتة ومليلة إلى المغرب للضرب والابتزاز والاعتقال في ظروف غير آمنة على يد الشرطة المغربية، وفي المغرب من المعتاد أن يُحتَجَز الأطفال مع البالغين في مراكز الشرطة لمدة ساعات دون إمكانيّة الحصول على طعام أو ماء أو إمكانيّة استخدام الحمّام، وكثيراً ما يقوم أفراد الشرطة المغربية بضرب الأطفال، ويقومون أحياناً بسرقة نقودهم أو ممتلكاتهم قبل إطلاق سراحهم، وكان واحد فقط من الأطفال المرحَّلين من سبتة ومليلة من الذين قابلناهم قد أخبَرَنا بأن الشرطة المغربية قد أعادته لرعاية أفراد من أسرته، وفي سائر الحالات التي حقّقنا بأمرها، قال الأطفال إنه بعد حجزهم لمدة يوم أو أكثر أخبرتهم الشرطة ببساطة أنّ عليهم مغادرة مركز الشرطة، وأحياناً يكون ذلك في منتصف الليل، وبعد ذلك يعود الأطفال أدراجهم الى إسبانيا، وهذه العمليّة قد تستغرق عدة ساعات أو عدة أيام منذ اللحظة التي يخطون فيها الخطوة الأولى عائدين إلى الحدود، ومن ثمَّ يحاولون من جديد مراوغة الشرطة المغربية والشرطة الإسبانية التي تحرس المعابر الحدوديّة.

التوصيات الأساسيّة

· على الحكومة الإسبانية العمل على التنسيق بين وزارة التربية والثقافة والرياضة، و Ministerio Fiscal Ministerio Fiscal): وزارة تجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية تشبه، النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع) ووزارة الصحّة وشؤون المستهلكين، ووزارة الداخليّة، ودوائر الرفاه الاجتماعي في المدن المتمتّعة بالحكم الذاتي، وقوّات الأمن، وذلك لضمان توفُّر السكن والتعليم والعناية الطبيّة الطارئة والخدمات الطبية الأُخرى ووثائق الإقامة المؤقَّتة للأطفال المهاجرين بمفردهم، وفقاً للقانون الإسباني.
· على حكومتي إسبانيا والمغرب التنسيق بينهما لضمان إعادة الأطفال من إسبانيا إلى المغرب، فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعايتهم وقادرين على ذلك، أو الى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة. ولا يجب بأي حال من الأحوال، إلقاء المسؤولية على عاتق الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية للقيام بإعادة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى وطنهم.

· على مفوَّضي الحكومة الإسبانية في سبتة ومليلة التأكّد من عدم ترحيل أو إعادة أي طفل من إسبانيا، إلاَّ إذا تحقَّق المفوَّضون من أن الطفل سيعاد إمَّا الى فرد من الأُسرة راغب في رعاية الطفل وقادر علىذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة في البلد الأصلي للطفل، وعلى المفوَّضين أن يتحقَّقوا أيضاً من أن عودة الطفل لن تشكِّل خطراً أو مجازفة لسلامة الطفل أو سلامة أقربائه، وذلك قبل الشروع بإجراءات الإعادة إلى الوطن. · على الحكومة المغربية تيسير عودة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى المغرب عندما يكون ذلك في مصلحة الطفل الفُضلى، وعليها أيضاً أن توفِّر الموارد اللازمة لرعايتهم وحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة خدمات اجتماعية لاستقبال الأطفال المهاجرين بمفردهم العائدين من إسبانيا، وتسليمهم لأُسَرِهم حينما يكون ذلك ملائماً. · على الحكومة المغربية اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الأطفال المهاجرين بمفردهم، والذين أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا، من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة. · على مدينتي سبتة ومليلة المتمتعتين بالحكم الذاتي توفير الشروط الأساسية للصحّة والسلامة في المراكز السكنية للأطفال المنفردين، وتوفير الحماية والرعاية الضروريتين لرفاهيتهم.

مجال البحث ومنهجه
هذا التقرير هو نتيجة حلقة من سلسلة تحقيقات تجريها منظمة مراقبة حقوق الإنسان بشأن معاملة المهاجرين في غرب أوروبا. يستند التقرير إلى بحث ميداني في إسبانيا والمغرب، استغرق إجراؤه خمسة أسابيع توزَّعت على أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، وقد أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات مع أطفال مهاجرين بمفردهم ومع مسؤولين حكوميين، ومع ممثلين لمنظمات غير حكومية ومع ناشطين محليين في كل من سبتة ومليلة ومدريد في إسبانيا، وناشطين من طنجة والرباط والدار البيضاء في المغرب، كما أننا قمنا بمراجعة مجموعة كبيرة من الوثائق الرسمية المتعلِّقة بقضايا فردية لبعض الأطفال، وبشكاوي تَزعُم بتعرُّض الأطفال للإساءات على يد شرطة سبتة.
امتنع المسؤولون الإسبانيون من السماح لنا بالوصول إلى المراكز السكنية في سبتة ومليلة حيث يقيم الأطفال المهاجرون بمفردهم، وبالرغم من ذلك قمنا بتفحُّص كل المراكز في سبتة ومليلة من الخارج، وتمكّنا بمعونة من ممثلين لمنظمات غير حكومية ونُشطاء آخرين من التعرُّف على أطفال مهاجرين بمفردهم في كلتا المدينتين ومن مقابلتهم، وفي كل الحالات تقريباً جرت المقابلات باللغة العربية أو اللغة الإسبانية من قبل باحثين يتقنون اللغتين، وبالإضافة إلى ذلك أُجريت بعض المقابلات بمساعدة مترجم يتقن اللهجة المحلية للغة البربرية.

أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات مع خمسة وثلاثين طفلاً مهاجراً بمفرده، كانت ثلاث وعشرون منها في سبتة، وعشرة في مليلة واثنتان في طنجة. ارتحل أكثر الأطفال إلى سبتة ومليلة من قرى وبلدات قريبة، ولكن بعضهم أتى من أماكن بعيدة مثل أغادير وسلا وفاس، وكان جميع الأطفال الذين قابلناهم من مواليد المغرب ما عدا طفل واحد جزائري.
تراوحت أعمار الأطفال الذين قابلناهم ما بين سن الثانية عشر عاماً والسابعة عشر عاما،ً وقابلنا كذلك مهاجراً يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً عاش في مليلة منذ كان عمره أحدَ عشر عاماً. أعرب اثنان وثلاثون طفلاً إن أعمارهم تبلغ ستة عشر عاماً أو أقل، وأربعة عشر منهم يبلغون من العمر أربعة عشر عاماً أو أقل، وهناك بنتان فقط في المجموعة. ولقد أَعلَمَنا ممثلون عن منظمات محليّة، إن البنات لا يشكِّلنَ إلاَّ نسبة ضئيلة جداً من العدد الكلّي للأطفال المهاجرين بمفردهم، وليس هناك إلاَّ عدد ضئيل من البنات يُقِمْنَ في المراكز السكنية الإسبانية للأطفال المنفردين في سبتة ومليلة.
أجرينا في إسبانيا مقابلات مع ممثلين عن الحكومة الإسبانية المركزية وممثلين عن سلطات الحكم الذاتي مسؤولين عن شؤون الأطفال المهاجرين بمفردهم، وكان من ضمن المسؤولين الذين قابلناهم نائب مدير قسم شؤون المهاجرين في وزارة الداخلية، ونائب مدير قسم شؤون الأجانب في وزارة الخارجية، والسكرتير العام للشؤون الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ورئيس مكتب ديوان التفتيش (defensor del pueblo: مكتب خاص للتحقيق في الشكاوي الموجهة ضد موظفي الدولة (، ومفوَّض الحكومة المركزية في سبتة (delegado del Gobierno) ورئيس ديوان مكتب مفوضيّة الحكومة المركزية في مليلة، و fiscals لشؤون القاصرين في سبتة ومليلة (fiscal :منصب يجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية, يشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع.) وقابلنا كذلك رئيس المحكمة والقضاة لشؤون القاصرين في سبتة، أما المسؤولون المحليون الذين قابلناهم فكان منهم رئيس ديوان مكتب الرئاسة في سبتة، والمدير العام لدائرة الصحّة والرفاه الاجتماعي في مليلة، ونائب المدير في دائرة الرفاه الاجتماعي في سبتة. وكنّا قد طلبنا الاجتماع مع وزير التربية والثقافة والرياضة ومع مُديريّ دائرتيّ الرفاه الاجتماعي في سبتة ومليلة، ولكن طلبنا لم يُستجَب.
وفي المغرب أجرينا مقابلات مع وزير العدل، ومع مستشار وزير حقوق الإنسان لشؤون حقوق الأطفال، ومع مدير مركز حماية الطفولة في طنجة التابع لوزارة الشبيبة والرياضة، وكذلك مع موظفي بعثة صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) في المغرب. وكنّا قد طلبنا الاجتماع مع وزير الخارجية ووزير الداخلية ووزير الشبيبة والرياضة ووزير حقوق الإنسان، ولكن طلبنا لم يُستجَب.

قام ممثلوا منظمات غير حكومية ونُشطاء في قضايا حقوق الأطفال في إسبانيا والمغرب، بتزويدنا بمعلومات وفيرة عن معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في كلا البلدين.
وضعنا أسماء مستعارة لجميع الأطفال الوارد ذكرهم في هذا التقرير وذلك حفاظاً على خصوصياتهم.

المعايير الدوليّة

لقد قيّمنا معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في إسبانيا والمغرب وفقاً للقانون الدولي كما ورد في اتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وميثاق منع التمييز في التعليم. وكلتا الدولتين، إسبانيا والمغرب، هما أطراف في تلك المعاهدات، وإضافة إلى ذلك فإن المعايير الإقليمية الأوروبية ذات الصلة في هذا الموضوع تتضمَّن شرعة الحقوق الأساسية للإتحاد الأوروبي، وميثاق حماية حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية.

كشّاف مُصطَلحي

تشير كلمة "طفل" في هذا التقرير إلى أي شخص دون سن الثمانية عشر عاماً. أمّا اتفاقية حقوق الطفل فتعرِّف الطفل بإنه "هو الإنسان لم يتجاوز الثمانية عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه."

اتَّبعَتْ منظمة مراقبة حقوق الإنسان الاستخدام المعتمد لدى المفوَّض العالي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة بخصوص مُصطلح "الأطفال المنفردين،" إذ يشير إلى الأشخاص ممن هم دون سن الثمانية عشر من العمر، ومنفصلين عن كلا الأبوين ولا يتلقّون الرعاية من شخص بالغ مسؤول عن رعايتهم بحسب العرف أو القانون

 إبريل 2005

 الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون

  فرنسا : البحث عن العدالة

المقدمة
"
كنت اعتقد حقاً أن العدالة ستأخذ مجراها"، هذا ما قاله ضحية لعنف الشرطة لمنظمة العفو الدولية بعدما رفض النائب العام شكواه القضائية.
وزعم الضحية (الذي تشكل قضيته إحدى الحالات المبينة في هذا التقرير) أنه في فبراير/شباط 2002، تدخل في حادثة كان شاهداً عليها، وهو في طريقه إلى المنـزل للاحتفال بعيد الأضحى الإسلامي. ونتيجة لتدخله، اعتدى عليه أفراد الشرطة وكسروا أنفه. كذلك زعم أنه تعرض لشتائم وإهانات عنصرية من جانبهم، بينما وقف 15 شخصاً آخر يتفرجون دون أن يتدخلوا.
وشهد الهجوم عدد من الأشخاص الذين أدلوا بشهاداتهم أمام مندوبي منظمة العفو الدولية. لكن يبدو أنه رغم حقيقة أن رواية الضحية أكدها العديد من الشهود والتقارير الطبية التي شهدت على عدد من الجروح، فإن النائب العام لم يتابع الشكوى وخلص إلى القول إنه لا وجه لإقامة دعوى. لذا اضطر مقدم الشكوى إلى التفكير إما في التخلي عن القضية أو متابعتها بصورة شخصية.

هذه ليست قضية غير نموذجية لكيفية تقاعس نظام القضاء الجنائي في فرنسا عن توفير الحق في سبيل انتصاف لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والحصول على تعويضات، بما فيها التعويض المادي. فطوال سنوات عكفت منظمة العفو الدولية على توثيق رد السلطات على مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة، بما في ذلك احتمال ارتكاب عمليات قتل غير قانونية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.1 والمدة الطويلة التي عكفت فيها المنظمة على مراقبة هذه الحالات أتاحت لها متابعة العديد منها طوال كامل فترة الإجراءات القانونية التي غالباً ما كانت طويلة، وبالتالي إجراء تقييم فعال لمختلف المراحل التي مرت بها داخل النظام. وتواجه الأغلبية العظمى من الحالات المصير ذاته : فالتحقيقات داخلية للشرطة مقرونة بصلاحيات استنسابية للنيابة العامة، أدت إلى عمليات مقاضاة عديمة الفعالية لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وأُغلقت ملفات قضايا عديدة قبل وصولها إلى المحكمة، حتى عندما توافرت أدلة جديرة بالثقة تؤكد حدوث الانتهاك. وحتى عندما أُحيلت هذه القضايا إلى المحكمة، كانت الإدانات نادرة نسبياً، أو عندما صدرت إدانات، كانت العقوبات رمزية في أغلب الأحيان. وكما أشارت صحيفة لوموند الفرنسية، فإن : "العدالة بالنسبة لأفراد الشرطة لها تعريفة خاصة : إذ لا يعاقبون عقاباً جدياً أبداً."2

وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن استمرار تقاعس الحكومة عن التصدي لهذه الانتهاكات أدى إلى نشوء ظاهرة إفلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من العقاب فعلياً. فكانت النتيجة "عدالة ذات سرعتين" وفقاً لهذه العبارة التي استحدثتها صحيفة لوموند – واحدة للقضايا التي ترفعها الشرطة وأخرى للقضايا التي يرفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة. ويسهم هذا الأمر في خلق إحساس بالإفلات من العقاب وانعدام ثقة الجمهور في أن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يعملون تحت سقف سيادة القانون ويخضعون للمساءلة عن أفعالهم

ومن الأمثلة الحية على بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب قضية أحمد سلموني (5-1). وفي معرض إصدار حكمها حول هذه القضية في يوليو/تموز 1999، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن فرنسا انتهكت الحظر المفروض على التعذيب فضلاً عن الحق في محاكمة عادلة ضمن مهلة زمنية معقولة. ولم تصل القضية إلى المحاكم الفرنسية إلا بعد مرور عدة سنوات على ارتكاب الانتهاكات، وبضغط من التحقيق الذي أجرته المحكمة الأوروبية. وحتى عندها، فإن محاولات إحدى المحاكم الفرنسية لإصدار حكم بالسجن لمدة تشكل "عبرة" للآخرين، بسبب خطورة القضية، باءت بالفشل، عندما عبَّرت نقابات الشرطة عن غضبها بالنـزول إلى الشارع. وإضافة إلى ذلك، فإن جلسة الاستئناف المقدم من المدانين والتي عُقدت بسرعة خاطفة، والتي قدَّم فيها النائب العام مناشدة دفاعاً عن "شرف" الجناة، أدت إلى تخفيض خطورة الجرائم التي أدينوا بارتكابها ومكَّنت أفراد الشرطة من متابعة مسيرتهم المهنية في الشرطة.

وكانت تقريباً جميع القضايا التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية تتعلق بأشخاص ليسوا من أصول عرقية أوروبية وينحدرون غالباً من أصل شمال أفريقي أو ينتمون إلى المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى أو من الإدارات أو الأراضي التابعة لفرنسا في الخارج. ورغم أن هذا لا يشكل بحد ذاته دليلاً ظاهر الوجاهة على العنصرية الراسخة في النظم أو الأعراف داخل الهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين،3 فقد لمست المنظمة وجود نمط، حدث بموجبه سلوك متهور أو ارتُكبت "سلسلة من الحماقات" – ونستخدم هنا عبارة شائعة في المحاكم لتبرير الأحكام الخفيفة أو الرمزية – ضد هؤلاء الأشخاص بصورة رئيسية. ويشير هذا النمط إلى تصور رسمي بأن هؤلاء الأشخاص ربما يشكلون خطراً أمنياً أكبر أو أنهم أكثر ميلاً لارتكاب جرائم من المواطنين الفرنسيين البيض أو غير المسلمين أو سواهم من الأوروبيين.

وعلاوة على ذلك، لاحظت منظمة العفو الدولية وجود عدد من الحالات التي رافقت فيها الانتهاكات العنصرية كما ورد العنف الذي ارتكبته الشرطة. وتعني المواقف العنصرية للشرطة أن بعض الأشخاص معرضين بشكل خاص للتمييز وسوء المعاملة على أيدي الشرطة. كما يمكن للتمييز أن يعزز إفلات أفراد الشرطة، المسؤولين عن إساءة معاملة الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعات اجتماعية مهمشة أو يُتصوَّر بأنهم ينتمون إليها، من العقاب. وغالباً ما يتمكن أفراد الشرطة من التصرف وهم مطمئنون إلى أنه لن تجري تحقيقات شاملة في سلوكهم، أو بالفعل أية تحقيقات أصلاً. ومن العواقب المترتبة على ظاهرة الإفلات من العقاب هذه إسكات الأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم، إما لأنهم لا يشعرون بأنهم قادرون على الإبلاغ عن الانتهاكات أو لأن الشرطة أو أعضاء النيابة يقررون عدم تلقي الشكاوى أو تسجيلها أو عدم متابعتها.

وبشكل خاص يسود انعدام ثقة الجمهور في نزاهة عملية الحفاظ على القانون والنظام في "المناطق الحساسة" التي ينتمي إليها العديد من ضحايا سوء المعاملة أو الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة. كما إن أجواء التوتر هذه السائدة بين الشرطة وهذه المجتمعات تفاقمت عندما وصلت الدعاوى التي رفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة أو عائلاتهم إلى المحاكم في نهاية الأمر وأدت إلى صدور أحكام بالبراءة أو أحكام رمزية على أفراد الشرطة كانت مثار جدل شديد. وقد غصت قاعات المحاكم في هذه المناسبات بالأصدقاء والأقرباء من جانب، وأفراد الشرطة من جانب آخر، ولم يخلُ محيط المحاكم من مشاهد العنف، الأمر الذي عزز الإحساس بانقسام الحاضرين إلى "نحن مقابل هم".

وعند استخدام عبارة "الإفلات الفعلي من العقاب" لا تشير منظمة العفو الدولية بالضرورة إلى إفلات تام من العقاب، حيث يُعفى مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب كلياً، ولكن إلى عدد من العوامل المختلفة التي تسهم في التقاعس واسع النطاق لنظام القضاء الجنائي عن إجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان والمقاضاة والمعاقبة عليها بشكل فعال في المسائل المتعلقة بإنفاذ القوانين. انظر الفقرة الواردة في المربع.

والعوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب والتي تهدف الحالات الواردة في هذا التقرير إلى توضيحها تشمل ما يلي :

  • عدم توافر الإجراءات القانونية السريعة في مراكز الشرطة بالنسبة لعدد متزايد من الأشخاص الذين يعتقلون بسبب مجموعة واسعة من المخالفات أو الجرائم المزعومة التي تندرج تحت عنوان "الجريمة المنظمة" أو بالنسبة للمتهمين "بالإرهاب"، والحظر المستمر على تسجيل استجواب السجناء الراشدين على أشرطة فيديو؛

  • التقاعس عن الاحترام الكامل لحقوق المعتقلين في حجز الشرطة، مثل التقاعس عن تقديم المساعدة الطبية أو السماح للمعتقل بإجراء اتصال مع قريب أو صديق أو رب عمل؛

  • صعوبة تسجيل الشكوى ضد الشرطي في مراكز الشرطة والاستخدام المتكرر للشكاوى المضادة من جانب أفراد الشرطة لتخويف أولئك الذين يودون تقديم شكوى ضد شرطي؛

  • روح تضامن مشوهة بين أفراد الشرطة تشجع أفراد الشرطة على التستر على زملائهم أو مرؤوسيهم وتجعل التعرف على هوية أفراد الشرطة مستحيلاً؛

  • تقاعس آليات الشكاوى الداخلية للشرطة عن إجراء تحقيقات في مزاعم سوء المعاملة وعمليات إطلاق النار التي اختلفت بشأنها الآراء أو حالات الوفاة في الحجز، بصورة سريعة وشاملة ونزيهة؛

  • تقاعس الحكومة عن إنشاء آلية مستقلة فعالة للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  • إخفاق نظام القضاء الجنائي في المعالجة الكافية لمزاعم الانتهاكات العنصرية أو السلوك القائم على التمييز الذي يمارسه الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  • تقصير النيابة العامة في ضمان المقاضاة الفعالة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان؛

  • التفسيرات المشكوك فيها لمفهومي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة"؛

  • الأحكام التي لا تعكس كما يبدو خطورة الجريمة المرتكبة؛

  • انعدام الخبرة أو التدريب، الذي يستخدمه القضاة بصورة متكررة كسبب لتوقيع عقوبات متساهلة أو للامتناع عن توقيع أية عقوبات؛

  • القضايا الهيكلية، مثل انعدام آليات الاستئناف الوافية – وهو وضع يجرى تصحيحه تدريجياً فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الابتدائية، لكنه يظل غير كاف؛

  • تخلف المحاكم، في بعض الحالات، عن إعلان الأسباب الكامنة وراء قراراتها. وتجدر الملاحظة بأن المحاكم الجنائية الابتدائية ليست ملزمة بفعل ذلك، سواء بالنسبة لأحكام الإدانة أو البراءة، على أساس أن أعضاء هيئة المحلفين غير المتخصصين هم الذين يصدرون القرار.


  • ويتضمن هذا التقرير وصفاً تفصيلياً لبعض الحالات الأكثر خطورة للإفلات الفعلي من العقاب، والتي تمكنت المنظمة من متابعتها في كل مرحلة من مراحل العملية القضائية الطويلة منذ البداية وحتى النهاية. ورغم أن هذه القضايا وصلت إلى نهايتها، إلا أنها توضح بواعث القلق التي لم تتم معالجتها. كما يشير التقرير أيضاً إلى عدد الحالات الأخرى التي تظل مصدر قلق لمنظمة العفو الدولية. والعديد من هذه الحالات، وبخاصة تلك المتعلقة بسوء المعاملة، حديثة العهد. أما الحالات الأخرى، ففي حين أنها تعود إلى عدة سنوات خلت، إلا أنها ما زالت قائمة. ويُختتم التقرير بسلسلة من التوصيات المقدمة إلى السلطات، والتي إذا تم تنفيذها، يمكن أن تقضي قضاءً مبرماً على أنماط الإفلات الفعلي من العقاب والتي ما برحت المؤسسات الفرنسية تُبتلى بها.

    1. النظام القانوني الفرنسي
    تتضمن الفقرة أدناه خلاصة موجزة للنظام القانوني الفرنسي من أجل تهيئة الخلفية التي تنبع منها بواعث قلق منظمة العفو الدولية.

    وبموجب النظام القانوني "الوحداني" في فرنسا، فإن المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التي تم التصديق عليها أو اعتمادها لها الأولوية تلقائياً على القانون الفرنسي (انظر المادة 55 من الدستور الفرنسي). وهكذا مثلاً، فإن نصوص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) يجب أن تحظى بالأولوية من جانب الحكومة الفرنسية والهيئة التشريعية الفرنسية والقضاة الفرنسيين ولها أثر متساوٍ وغير مقيد في جميع الأراضي والإدارات الفرنسية في الخارج.

    ولدى فرنسا مستوى مزدوج من الولاية القضائية والولاية القضائية العليا. وهذا يعني أن القضية التي صدر فيها حكم عن المحكمة الابتدائية (مستوى المحاكمات) يمكن تقديم استئناف لها إلى محكمة أعلى (مستوى الاستئنافات). وفوق محكمة الاستئناف، يمكن لقاضٍ في محكمة النقض أن يصدر حكماً حول قانونية قرارات المحكمة الأدنى. ولا يُسمح باستئناف الأحكام الصادرة عن محكمة النقض ضمن النظام القانوني الوطني. ويجوز لكل من يعتبر أن حقوقه الأساسية، كما هي معرفة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، قد انتُهكت ومن استنفد سبل الانتصاف القانونية المحلية، أن يرفع دعوى قانونية، خلال ستة أشهر، أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات ستنظر المحكمة الأوروبية في القضية حتى وإن لم يتم استنفاد سبل الانتصاف المحلية، لكنها تكون طويلة أو غير وافية.4

    وهناك عدة أنواع من المحاكم الجنائية، تبعاً لطبيعة القضية. فالمخالفات الصغيرة أو الإساءات تنظر فيها محاكم الشرطة، والجنح الأكثر خطورة تنظر فيها المحاكم الإصلاحية. أما الفئة الأكثر خطورة من الجرائم فتنظر فيها المحاكم الجنائية الابتدائية. وهناك حق في استئناف القرار الصادر عن جميع هذه المحاكم، رغم أنه في حالة المحاكم الجنائية الابتدائية، فهذا تطور مستجد، ولا يمكن استئناف قرارات البراءة إلا من جانب أعضاء النيابة الملحقين بمحاكم الاستئناف.

    ويمكن تقديم الشكاوى حول الانتهاكات أو سوء المعاملة أو القوة المفرطة على أيدي الموظفين الرسميين بعدة طرق مختلفة، عن طريق النائب العام، وقاضي التحقيق وهيئات الشكاوى لدى الشرطة أو هيئة الإشراف على الشرطة المعروفة باسم الهيئة الوطنية للآداب في الأمن. وليس بين هذه الإجراءات ما هو مُرضٍ تماماً.

    1.1 القضاء
    تتألف السلطة القضائية الفرنسية من أعضاء النيابة العامة وقضاة هيئة المحكمة (بمن فيهم قضاة الاستجواب والتحقيق المستقلين وقضاة الإشراف على الاعتقال5). وأعضاء النيابة العامة الذين يشكلون جزءاً من وزارة العدل مسؤولون أمام وزير العدل. ولدى أعضاء النيابة العامة ألقاب مختلفة، تبعهاً للدور المسند إليهم أو المحكمة الملحقين بها. والعبارة العامة التي غالباً ما تشير إلى النيابة ككل هي
    Parquet. واستناداً إلى مبدأ النيابة الاستنسابية، يقرر أعضاء النيابة كيفية تصنيف القضية. وعندما يقررون متابعة القضية، يمكنهم إما إرسال المتهمين إلى المحاكم الإصلاحية أو محاكم الشرطة (إذا كانت القضية غير معقدة أو جاهزة للمحاكمة) أو أن يطلبوا بأن يتابعها قاضي تحقيق في القضايا الأكثر تعقيداً التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق. كذلك يمكنهم إقفال الشكوى باعتبار أنه لا وجه لإقامة الدعوى.

    وتغلق العديد من الشكاوى حول إساءة المعاملة من جانب الشرطة بهذه الطريقة، إما لأن وكيل النيابة يعتبر أن القضية غير مناسبة أو لأنه يشعر بأنها ليست مؤيدة بوقائع جيدة أو في حالات عديدة لأنه برأيه، تفتقر إلى الأدلة التي تجعل من الصعب متابعتها. ويمكن للضحايا أو أقرباء الضحايا أن يتصلوا بقاضي التحقيق للانضمام إلى الإجراءات كطرف مدني (بالنسبة للجرائم) أو في حالة ارتكاب مخالفات، عن طريق مذكرة دعوى مباشرة (تكليف مباشر بالحضور). ويسمح الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني بالاطلاع على المعلومات المتعلقة بالقضية التي لا يجوز لهم الحصول عليها لولا ذلك، بسبب سرية التعليمات، ويسمح لهم بالمشاركة في الإجراءات. بيد أن ذلك يمكن أن يكون مكلفاً. وقد انتقدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخراً السلطات الفرنسية بسبب تقصيرها في إجراء تحقيق رسمي فعال في وفاة شخص معتقل. وقضت المحكمة أن التحقيق الفعال في الوفاة يجب أن يُطلع عائلات الضحايا تلقائياً على الإجراءات بدون أن تنضم إلى العملية كطرف مدني، كما جادلت السلطات الفرنسية.6

    ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن 80 بالمائة من الشكاوى التي ترفعها الأطراف المدنية في الإجراءات القانونية تنتهي برفض الدعوى، على أساس أنه لا وجه لإقامة الدعوى.7

    وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 اقترح رئيس محكمة باريس فرض حد على قدرة الأطراف المدنية (والمحامين) على المشاركة في الإجراءات القضائية عبر شكواهم وإحالة الدعوى إلى النائب العام قبل أن يستطيع قاضي التحقيق فتح تحقيق فيها. وفيما يتعلق بالحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، حيث تصبح عائلات الضحايا بصورة شبه ثابتة طرفاً مدنياً في الإجراءات القانونية، بسبب تقاعس النائب العام عن متابعة القضية بفعالية، هناك خطر في أن تسهم خطوة من هذا النوع في مشكلة الإفلات الفعلي من العقاب.

    2.1 الشرطة وآلياتها
    جرت العادة على تقسيم عملية إنفاذ القانون الفرنسي بين شرطة مدنية وطنية خاضعة لوزير الداخلية ودرك وطني خاضع لمسؤولية وزير الدفاع ويُعتبر جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة، إلى جانب القوات البرية والبحرية وسلاح الطيران. ويمكن للدرك أن يعمل بصفة مدنية وكذلك عسكرية. وتعمل الشرطة الوطنية عادة في المدن والتجمعات السكانية الحضرية بصورة رئيسية؛ أما الدرك (الذي ينحدر من الماريشوسيه التي أُنشئت كقوة عسكرية في القرن السادس عشر) فهو موزع في جميع أراضي فرنسا، لكنه مركز في المناطق الريفية بصورة رئيسية، فضلاً عن المناطق الحضرية المستحدثة. وما زال نظامه الأساسي الذي أرساه القانون الصادر في 28 جرمينال العام السادس (17 إبريل/نيسان 1798) ساري المفعول.

    وقد أُنشئت مؤسسة الشرطة الوطنية بموجب القانون الصادر في 9 يوليو/تموز 1966. وتضم عدداً من الأجهزة المتخصصة، مثل شرطة الحدود التي تعمل في المناطق الحدودية، بما فيها المطارات ووحدة المرافقة الوطنية للمساندة والتدخل المشاركة في عمليات المرافقة الخاصة مثل الإبعاد، والوحدات الميدانية الخاصة أو وحدات "مكافحة الإرهاب". ومن الوحدات المتخصصة التي تستحق الذكر ألوية مكافحة الجريمة التي تُنشر لمحاربة "الجنوح البسيط والمتوسط الحجم". وغالباً ما اصطدمت ألوية مكافحة الجريمة بالشبان في المناطق "الحساسة" من المدن، وفي ضواحي المدن أو التجمعات الحضرية في فرنسا التي اكتسبت سمعة خلافية اعتباراً من الثمانينيات فصاعداً. وهناك مفرزة متخصصة أخرى للتدخل ومكافحة الشعب هي سرايا الأمن الجمهورية. وتشكل شُعب الشرطة القضائية التي تنضوي تحت راية المديرية الإقليمية للشرطة القضائية، وحدة ملحقة بالسلطة القضائية، وتعمل على منع وقمع الجريمة المنظمة، مثل الاتجار بالمخدرات أو الأشخاص والاختلاس و"الإرهاب". وقد ازدادت مسؤوليات الشرطة القضائية في السنوات الأخيرة لتشمل العنف في المدن.

    ويتصور قانون العقوبات الفرنسي فرض عقوبات على أفراد الشرطة المدانين بارتكاب أفعال غير قانونية، ولدى قوات الشرطة مدونات قواعد الآداب أو مدونات قواعد السلوك الخاصة بها، التي تهدف إلى التمسك بالمعايير الأخلاقية للحفاظ على الأمن وتحديداً بالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والدستور الفرنسي والقوانين والاتفاقيات الدولية. ومن بين المواد الرئيسية لمدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية (المحددة في مرسوم صادر في 18 مارس/آذار 1986)، والتي تُعطى إلى كل شرطي ما يلي :

  • المادة 2 : ينبغي على الشرطة أن تؤدي مهامها المتعلقة باحترام حقوق الإنسان والدستور الفرنسي والمعايير الدولية؛

  • المادة 6 : إذا انتهك شرطي مدونة قواعد السلوك سيتعرض لعقوبة تأديبية؛

  • المادة 7 : ينبغي للشرطي أن يبدي "احتراماً مطلقاً" للأشخاص أياً كانت جنسيتهم أو أصلهم؛

  • المادة 10 : جميع الأشخاص الذين تلقي (الشرطة) القبض عليهم تضعهم تحت مسؤوليتها ولا يجوز تعريضهم لأي نوع من أنواع العنف أو المعاملة المهينة.


  • وتُجري وحدة متخصصة ضمن قوات الشرطة الوطنية هي المفتشية العامة للشرطة الوطنية التي أُنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 1986 التحقيقات الجنائية والتأديبية في سلوك الشرطة. وهي تغطي كامل الأراضي الفرنسية باستثناء باريس، التي توجد فيها الهيئة المقابلة وهي المفتشية العامة للأجهزة. ويجوز للأفراد أن يقدموا شكاوى مباشرة إلى أفراد الشرطة. ولدى الدرك الوطني وحدة تفتيش داخلية مشابهة يُطلق عليها اسم مفتشية الدرك الوطني. ويمكن للتحقيقات الداخلية في الشرطة أن تستغرق عدة شهور. ثم تُعرض نتائج تحقيقات الشرطة على النائب العام الذي يقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء بصيغة شكوى تُقدَّم إلى قاضي التحقيق.

    وفي فترة سابقة تعود إلى العام 1997 ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الثالث ل

     

    فرنسا المتعلق بتنفيذها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ذكرت أنها "تشعر بقلق شديد" إزاء عدد المزاعم التي تلقتها حول إساءة المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين ضد المعتقلين وغيرهم من الأشخاص "الذين يحتكون بهم احتكاكاً ينطوي على نزاع"، وإزاء الطبيعة الخطيرة لهذه المزاعم، وحقيقة أنه "في معظم الحالات لا يُجرى تحقيق يُذكر من جانب الإدارة الداخلية للشرطة والدرك الوطني في الشكاوى المتعلقة بإساءة المعاملة هذه، الأمر الذي يؤدي إلى إفلات فعلي من العقاب".8

    وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2004، ظل تقاعس المفتشية العامة للأجهزة عن أداء دورها بفعالية ونزاهة "كشرطة على الشرطة" مشكلة وتعرضت المفتشية العامة للأجهزة لانتقادات وجهها رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن (انظر أدناه) بسبب قصورها في التعامل مع الحالات التي نُهيت إلى علمها. وفي معرض انتقاده أشار الرئيس بيير تروش تحديداً إلى قضية اعتداء للشرطة على مقهى لأبناء القبائل في باريس ليلة رأس السنة الجديدة 2003-2004، الذي جرى فيه تعطيل احتفال سلمي بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع وتوفي فيه شخص واحد (انظر الفقرتين 2 و5-8).

    3.2.1 آليات الإشراف المستقلة
    شُكِّلت هيئة إشراف مستقلة على الشرطة والسجون هي اللجنة الوطنية للآداب في الأمن بموجب قانون صدر في 6 يونيو/حزيران 2000 في أعقاب سلسلة من عمليات إطلاق النار التي ارتكبتها الشرطة، وبدأت عملها في 14 يناير/كانون الثاني 2001. 9 وتملك صلاحيات للتحقيق في حالات الانتهاكات المزعومة التي يرتكبها أفراد الشرطة وسواهم ولأخذ أقوال الضحايا والشهود وأولئك المتهمين بارتكاب الانتهاكات، بمن فيهم أفراد الشرطة. ولا تستطيع اتخاذ إجراءات تأديبية أو قضائية بمفردها، لكنها مخولة بإصدار توصيات، وينبغي عليها إبلاغ النائب العام بالأفعال التي ترى أنها تشكل جرماً جنائياً.

    ويجوز تقديم الشكاوى إلى اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة من جانب مواطنين أفراد تعرضوا لأفعال غير أخلاقية من جانب موظفي الأمن العام أو كانوا شهوداً عليها. بيد أنهم لا يستطيعون تقديم شكوى إلى اللجنة الوطنية للآداب العامة إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق رئيس الوزراء أو مكتب المظالم الخاص بالقُصَّر أو عضو في مجلس الشيوخ أو عضو في الجمعية الوطنية.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأفراد لا يستطيعون تقديم شكوى مباشرة إلى اللجنة الوطنية للآداب في الأمن ومن أن الشرط الحالي لإحالة قضية عن طريق وسيط برلماني يمكن أن يؤدي إلى عمليات تأخير كبيرة في التحقيق بالشكوى. وتُصدر اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريراً سنوياً، كما تصدر تقارير محددة تتعلق بقضايا معينة.10
    2. بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب في فرنسا

    1.2 حدوث زيادة في الشكاوى المتعلقة بالعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في ذلك العنصرية
    لقد عملت منظمة العفو الدولية طوال سنوات عديدة بشأن حالات القتل على يد الشرطة والوفاة في الحجز وحالات التعذيب وسوء المعاملة في فرنسا. وفي معظم الحالات التي تناهت إلى علمها كان الضحية شاباً ذكراً منحدراً من شمال أفريقيا أو المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وفي السنوات الأخيرة، انخفض – لحسن الحظ – عدد عمليات إطلاق النار المتهورة المميتة من جانب أفراد الشرطة أو الدرك في ظروف اختلفت بشأنها الآراء. بيد أن عدد الشكاوى حول سوء المعاملة من جانب أفراد الشرطة – النابعة غالباً من عمليات التدقيق في الهوية التي تقوم بها الشرطة والتي تنتهي بأعمال عنف – قد ارتفع على عكس ذلك. ولم تقترن الزيادة في عدد الشكاوى باعتراف من جانب السلطات بعدم مناولتها بشكل واف، ولم تضع الحكومة الفرنسية حتى الآن آلية مستقلة فعالة لضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في الانتهاكات التي يرتكبها أفراد الشرطة، منذ بداية الحادث المزعوم.

    وفي دراسة بعنوان "
    زيادة الإحساس بالتمييز في الشرطة"، أجرتها مجموعة الدراسات ومكافحة التمييز، وهي مجموعة
    عمل، في العام 2002 لقضية التمييز العنصري في قوات الشرطة الفرنسية نجد وصفاً كلاسيكياً لنوع القضايا التي يعنى بها هذا التقرير وهي قضية فوديل (فضل) بن ليلي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1999، كان فوديل بن ليلي، وهو عامل مع الشبيبة كان يعمل في بلدية لاكورنيف، وصديق له يدعى "مأمون" يقودان سيارة اصطدمت بترام (قطار كهربائي). وكانت الحادثة بسيطة ولم يتوقف الترام، لكن الشابين خرجا من السيارة لتفحص الضرر. ووصل ثلاثة أفراد من سرايا الأمن الجمهورية. ونظراً لأنهم اشتبهوا بأن السيارة قد تكون مسروقة، فقد فتشوها "بعنف" وانكسر المفتاح في قفل الإشعال، الأمر الذي أكد شكوك أفرادها. وعند هذه النقطة ورد أن الشرطة لجأت إلى العنف ضد الشابين نفسيهما. وأُصيب فوديل بن ليلي ورفيقه بضربات من الهراوات التي "انهالت" عليهم، وسقط مأمون على ركبتيه. واحتج فوديل بن ليلي من أنه لا يحق للشرطة أن تتصرف على هذا النحو وبأنهما يعملان في البلدية. ثم ورد أنهما تعرضا لشتائم عنصرية (عنصر قذر من الأوساخ الخ) واقتيدا إلى مركز شرطة لاكورنيف. وبعد أربع ساعات في حجز الشرطة نُقلا إلى المستشفى لتلقي العلاج الطبي، ثم أُعيدا إلى مركز الشرطة حيث احتُجزا فيه لمدة 20 ساعة أخرى. وخلال هذا الوقت، زُعم أن أفراد الشرطة أثاروا المرارة القديمة المرتبطة بحرب الجزائر. وبسبب الجروح التي أُصيب بها، أعطي فوديل إجازة مرضية لمدة ستة أيام. ولم يتمكن من تقديم شكوى في مركز الشرطة، حيث يعمل زملاء أفراد سرايا الأمن الجمهورية؛ وأبلغه أحد أفراد الشرطة بأن الشرطة لن تُبلِّغ شكواه إلى النائب العام، لذا فلا جدوى من المحاولة. وعليه قدم شكوى لدى النائب العام بدعم من رب عمله. ووفقاً للتقرير، ما زالت القضية عالقة في العام 2002، لكن الوثائق القانونية ضاعت والمعلومات الطبية اختفت أيضاً. وفي هذه الأثناء، رفع أفراد الشرطة شكوى مضادة حول "التحريض على المقاومة".

    كذلك في العام 2002، أجرت جمعيتان هما نقابة القضاة ونقابة المحامين الفرنسية بالتعاون مع منظمة غير حكومية كبرى هي رابطة حقوق الإنسان تحقيقاً توصل إلى نتائج مقلقة. وتبين من التحقيق أن عمليات المقاضاة التي تقوم بها الشرطة حول إهانة الشرطة أو مقاومة الاعتقال قد ارتفعت بنسبة 27,92 بالمائة بين العامين 1996 و2000 وأن مزاعم ممارسة العنف من جانب الشرطة قد ارتفع عددها أيضاً.

    وفي مايو/أيار 2004 أصدرت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريرها السنوي للعام 2003 الذي لاحظ حدوث ارتفاع حاد في شكاوى الانتهاكات والعنف الذي ترتكبه الشرطة. وقد حققت اللجنة المذكورة في 70 شكوى، قياساً بـ 40 وأقل من ذلك في السنوات السابقة وحثت على إجراء إصلاحات هيكلية رئيسية في رد الشرطة. ونجم هذا الاتجاه عن زيادة للسنة السادسة على التوالي قدرها 9,10 بالمائة في الشكاوى المقدمة إلى كل من المفتشية العامة للأجهزة والمفتشية العامة للشرطة الوطنية التي تغطي فرنسا ككل، وفقاً للأرقام المتوافرة لدى الشرطة. وبحسب ما ورد صرَّح الرئيس الحالي للجنة الوطنية للآداب في الشرطة بيـير تروش، وهو رئيس سابق لمحكمة النقض، بأنه صُدم "بالتكرار الإحصائي" للشكاوى التي تتعلق بأشخاص ذوي أسماء أجنبية، وأن هذا "التكرار الإحصائي" يجب أن يخضع لمزيد من الدراسة في التقارير المستقبلية.

    وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي تقرير محدد، انتقد بشدة "العدوان العنصري المنحرف" الذي انطوى عليه اقتحام مقهى القبائل الذي يملكه أحد أبناء شعب الأمازيغ (البربر) في باريس من جانب 30 شرطيا
    ً في ليلة عيد القديس سيلفستر (31 ديسمبر/كانون الأول – 1 يناير/كانون الثاني 2004). ويرد أدناه سرد للقضية (تحت الفقرة 5-7).

    وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، أصدرت اللجنة الوطنية المعروفة باسم المواطنون – العدالة – الشرطة والتي تضم رابطة حقوق الإنسان والنقابتين المذكورتين أعلاه ومنظمة غير حكومية فرنسية أخرى هي حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب، والتي تتعامل مع العديد من حالات العنف العنصري أو المتعلق بالعرق. وأظهر التقرير أنه في 60 بالمائة من الحالات التي تمت دراستها، كان الضحايا من الرعايا الأجانب؛ ونسبة الـ 40 بالمائة المتبقية من حاملي الجنسية الفرنسية، لكن مع بضعة استثناءات فقط، فإن أسماءهم أو مظهرهم يعني ضمناً أنهم من أصل أجنبي. العدالة، رقم 174، مارس/آذار 2003 "انتهاكات الشرطة في عمليات التدقيق بالهوية". وكانت حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب قد لاحظت في وقت سابق أيضاً حدوث ارتفاع في حوادث مثل العنف، وبخاصة في سياق عمليات تدقيق الشرطة في الهوية أو في حجز الشرطة، والاستخدام المتكرر لتهمة إهانة أفراد الشرطة المذكورة أعلاه (إما بالإيماءة أو الكلمة) أو مقاومة الاعتقال، غالباً في شكل شكوى مضادة ضد شخص يرغب في تقديم شكواه. ويمكن تعريف الإهانة بواسطة الإيماءة بأنها إيماءة بأي جزء من الجسم "تعبر بوضوح عن الازدراء أو الاحتقار للشخص الذي وُجهت إليه". وتُعرف الإهانة بالكلمات بأنها النطق بأية ألفاظ تتهجم على السلطة الأخلاقية للشخص وتقلل الاحترام الواجب لمهامه. وبموجب المادة 433 – 5 من قانون العقوبات فإن الإهانة الموجهة إلى "شخص يشغل منصباً عاماً" تشكل جنحة محددة يعاقب عليها بشدة أكبر من إهانة المواطن "العادي" يمكن حتى أن تؤدي إلى السجن.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن أفراد الشرطة والدرك يستخدمون هذا الجرم كمبرر أو ذريعة لإجراء عمليات التدقيق في الهوية التي تتحول إلى عنف، غالباً نتيجة سلوكهم هم الذين يتسم بالعدوانية أو الإهانة، كما حصل في قضية حياة خمال المعروفة جيداً في ري – أورانجي (انظر 5-5).

    كذلك أشارت لجنة المواطنين – العدالة – الشرطة في تقريرها إلى القلق من أنه رغم ازدياد حجم عمل اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة، فإن مستويات تمويلها آخذة بالتراجع. كذلك لاحظت اللجنة الأولى أن الأخيرة قد أحالت قضية واحدة فقط إلى النيابة العامة، أسفرت عن اتخاذ عقوبات تأديبية بحق شرطي واحد؛ وأنه بصورة عامة نادراً ما يكون لتوصياتها أي مفعول.

    وفي تقريرها الثالث حول فرنسا الصادر في 15 فبراير/شباط 2005، أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا، أعربت أيضاً عن قلقها إزاء عمليات التدقيق في الهوية التي تتسم بالتحيز العنصري، اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب، التقرير الثالث حول فرنسا الذي اعتُمد في 25 يونيو/حزيران 2004، CRI (2005) 3. ولاحظت أن الشكاوى حول عمليات التدقيق في الهوية القائمة على التمييز مستمرة. ويساور اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب "قلق خاص إزاء المعلومات التي أوردتها المنظمات غير الحكومية بما معناه أنه عندما يقدم أحدهم شكوى ضد موظف مكلف بإنفاذ القانون، فإن الأخير يبادر بشكل شبه ثابت إلى الانتقام بتوجيه تهمة إهانة رجل القانون أو اتهامه بتهمة كيدية، ما يضعف موقف المدعي المدني."

    كذلك أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب عن شكوكها إزاء مدى فعالية بعض القوانين المعمول بها في فرنسا حتى الآن لمحاربة العنصرية والتمييز. وفي فبراير/شباط 2003، أدخل ما يعرف "بقانون لولوش" عاملاً مشدداً في سياسة إصدار الأحكام المتعلقة ببعض الأفعال العنيفة التي يثبت أنها نابعة من دوافع عنصرية. القانون رقم 2003-88 الصادر في 3 فبراير/شباط 2003 العامل المشدد للعقوبة على الجرائم ذات الطابع العنصري أو المعادي للسامية أو كراهية الأجانب، الذي صدر في الجريدة الرسمية رقم 29 في 4 فبراير/شباط 2003. وجرم قانون سابق له صدر في 1 يوليو/تموز 1972 ("قانون بلوفن") "التحريض" على التمييز العنصري والكراهية والعنف وزاد العقوبات على التشهير أو الأذى العنصري. بيد أن فعالية هذه القوانين في التصدي للعنف العنصري الذي يمارسه أفراد الشرطة كانت محدودة جداً حتى اليوم كما يقال. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، فإنه حتى اليوم، لم تؤخذ عوامل مشددة بعين الاعتبار في أية حالة في الأحكام الصادرة على رجال الشرطة، رغم تكرار مزاعم العنف ذات الطابع العنصري.

    وفي تقريرها الثالث لاحظت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب أن : "الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وأعضاء السلطة القضائية ليسوا متيقظين دائماً بشكل كاف للجانب العنصري للجرائم، ولا يحاط الضحايا علماً بصورة كافية دائماً بالإجراءات الرسمية أو تُقدَّم لهم مساعدة بشأنها." وأوصت بأن : "تنفذ السلطات الفرنسية النصوص التي تنص على أن الدافع العنصري يشكل ظرفاً مشدداً في حالة الجرائم المحددة، وأن تتخذ الخطوات الضرورية لمراقبة تنفيذ هذه النصوص الجديدة". وفي تقريرها الصادر في العام 2005 فإن اللجنة الأوروبية المذكورة "لاحظت بقلق استمرار الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون ضد أبناء الأقليات. وتشير الشكاوى إلى ضلوع أفراد الشرطة والدرك وموظفي السجون والموظفين العاملين في المناطق المخصصة للأفراد الذين ينتظرون توضيح وضعهم القانوني (مناطق الاحتجاز الحدودية). وتزعم وقوع أفعال عنف بدني وإذلال وتوجيه شتائم عنصرية وممارسة تمييز عنصري. وأوصت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب اعتماد تدابير "لوضع حد لكل السلوك السيئ للشرطة بما فيه إساءة معاملة الأقليات."

    وقد سار الارتفاع في حوادث العنف الذي تمارسه الشرطة، والذي يتعلق جزء كبير منه بالعرق، جنباً إلى جنب مع التصور بأن الجرائم عموماً ازدادت زيادة كبيرة ومع مطالبات الرأي العام بسياسات قائمة على "الأمن" للتصدي للجريمة أو ما يشتبه في أنه جريمة.

    ووفقاً لما قاله شرطي كتب حول التحديات التي يواجهها مجتمع يزداد فيه "عدم الأمان"، فإن البيئة الحضرية شهدت "تقدماً ثابتاً في العنف"، تعرضت فيه الخدمات الضرورية العامة للخطر جراء "جميع أنواع العدوان تحت ذريعة واحدة بأنها تمثل السلطة بنظر المعتدي". ريشار بوسكيه، عدم الأمان، مخاطر جديدة، 1999. وما زالت تعليقاته ذات صلة بواقع اليوم. ولاحظ الكاتب أن جزءاً كبيراً من التوتر المتزايد القائم بين الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وبين شبيبة "المناطق الحساسة" – التي تقطنها أغلبية من المواطنين الفرنسيين أو المقيمين المنحدرين من أصل أفريقي أو من شمال أفريقيا – نما نمواً أخطبوطياً بعد الحرب في الضواحي أو المدن والتجمعات الحضرية حول مراكز المدن وتأثر بالبطالة والفقر المستشريين وطويلي الأمد، لكن في الوقت ذاته بجوار أماكن الاستهلاك البارز مثل المتاجر الضخمة للمواد الغذائية ذات المواقف الكبيرة للسيارات. وقد تصبح السيارات المركونة هدفاً مغرياً للجرائم الصغيرة، التي يجسدها إحراق السيارات أو حفلات "الروديو" المتعلقة بالسيارات المسروقة – وهو وضع يشكل أساساً لبعض الحالات المبينة أدناه. ويشير الكاتب إلى الحاجة "لإعادة الاستيلاء على الأحياء (المناطق)".

    ويعزى تكرار الشكاوى من جانب أشخاص منحدرين من أصل أجنبي، على الأقل جزئياً، إلى أفعال الشرطة، بما في ذلك عمليات التدقيق المسيئة في الهوية أو تلك التي تتحول إلى أعمال عنف، والتي تجريها وحدات الشرطة في المناطق الحساسة. ولا يمكن إنكار الصعوبات الحقيقية ومستويات الضغط التي يواجهها أفراد الشرطة الذين يحافظون على الأمن في هذه المناطق – التي غالباً ما تعتبر مناطق "محرمة". ومع ذلك تبدو مفاهيم مثل "إعادة الاستيلاء" وكأن أفراد وحدات التدخل التابعة للشرطة قد فسروها أحياناً بشكل حرفي، حيث قد يعتبرون أنفسهم جزءاً من قوة تشتبك في عمليات حربية ضد خصوم وتعمل في الأحياء وكأنها مسرح حرب. وبالنسبة للشرطة والعديد من المواطنين، هناك "إفلات من العقاب" في الأحياء، وهو ما يعني أن الجانحين (الأحداث بصورة رئيسية) هم الذين يرتكبون الجنح أو الجرائم بدون أن يخشوا افتضاح أمرهم. بيد أن الإحساس بأن الشرطة تقوم بعملية "إعادة استيلاء" وتشارك في قتال ضد الإفلات من العقاب يزيد دون شك من صعوبة إقرار أفراد الشرطة بأنهم يستفيدون أيضاً من الإفلات من العقاب خلال اللحظات التي يتخطون فيها حدودهم ويتجاهلون مدونات قواعد السلوك الخاصة بهم.

    2.2 الحجز لدى الشرطة
    تتعلق بعض العوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب بمعاملة الأشخاص حالما يتم اعتقالهم ووضعهم في حجز الشرطة. ويساور منظمة العفو الدولية القلق بشكل خاص إزاء التقاعس عن ضمان السماح لجميع المعتقلين بالحصول فوراً على مساعدة قانونية، بما فيها وجود محامٍ خلال عمليات الاستجواب؛ وفترة الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي بالنسبة لبعض فئات المعتقلين؛ والتقاعس عن إخضاع المعتقلين لفحوص طبية دون إبطاء عند اللزوم؛ وتقاعس أفراد الشرطة عن تطبيق اللوائح المتعلقة بحجز الشرطة على الوجه الصحيح.

    ويجب أن يُتخذ قرار وضع شخص في حجز الشرطة من جانب موظف في الشرطة القضائية، دركياً كان أم شرطياً مدنياً، ملزم بإبلاغ النائب العام أو قاضي التحقيق حالما يتم التوصل إلى القرار. ويجب إحاطة المعتقلين فوراً بحقوقهم بلغة يفهمونها؛ وبالنصوص المتعلقة بحجز الشرطة؛ وبأسباب توقيفهم وبأية تهمة موجهة إليهم. ويحق للمعتقلين إبلاغ أقربائهم أو شركائهم أو أرباب عملهم بأنهم موضوعون رهن الحجز، وذلك خلال فترة ثلاث ساعات على الأكثر، إلا إذا تقرر بأن هذا الإبلاغ يُعرض التحقيق للخطر؛ ويحق لهم أن يفحصهم طبيب. وتقع مسؤولية سير حجز الشرطة على ما يرام على عاتق النائب العام الذي ينبغي أن يزور مراكز الشرطة كلما شعر بأن ذلك ضرورياً وهو ملزم بفعل ذلك مرة واحدة على الأقل في السنة.

    والحد الأقصى لحجز الشرطة في معظم الحالات هو 24 ساعة. بيد أنه يمكن تمديده بـ 24 ساعة أخرى بموافقة النائب العام أو قاضي التحقيق، وفي الحالات التي تعتبر ذات خطورة غير عادية (مثل "الإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات)، يمكن تمديد فترة حجز الشرطة البالغة 48 ساعة لمدة 48 ساعة أخرى بناء على قرار قاضي التحقيق أو القاضي المشرف على الاعتقال.

    1.2.2 الاستعانة بمحامٍ
    يشكل الحق في توكيل محامٍ دون إبطاء معياراً دولياً راسخاً. فعلى سبيل المثال ينص المبدأ السابع من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين على الاستعانة "فوراً" أو "بأي حال خلال مهلة لا تزيد عن ثمان وأربعين ساعة من وقت القبض عليهم أو احتجازهم". وقد اعتمده المؤتمر الثامن للأمم المتحدة الخاص بمنع الجريمة ومعاملة المذنبين، الذي عُقد في هافانا، بكوبا، من 27 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول 1990. وأوصى المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأن تكون الاستعانة خلال 24 ساعة من إلقاء القبض UNDoc.E/CN.4/2002/76، 27 ديسمبر/كانون الأول 2001، الملحق 1.

    وفي 15 يونيو/حزيران 2000، أصدر البرلمان الفرنسي قانوناً حول "حماية افتراض البراءة وحقوق الضحايا. اسم القانون ... وقد تضمن نصاً للاستعانة بمحام منذ الساعة الأولى للحجز لدى الشرطة في معظم الحالات، لكن ليس في حالة الجرائم المتعلقة "بالإرهاب" أو جرائم الاتجار بالمخدرات. وقد تم التعامل مع "الإرهابيين" المشتبه بهم أو مهربي المخدرات بموجب نظام حجز خاص، يمكن بموجبه احتجاز المعتقلين لمدة تصل إلى 96 ساعة وحرمانهم من الاستعانة بم
    حام لمدة تصل إلى 36 ساعة. وكان من المتوقع أن يساعد تسجيل استجواب الشرطة للقصَّر على أشرطة فيديو على منع ممارسة الوحشية في حجز الشرطة، لكن منظمة العفو الدولية يساورها القلق إزاء تأجيل خطة لوضع ضمانات مشابهة للراشدين نتيجة معارضة شديدة من جانب الشرطة.

    وفي مارس/آذار 2003، عقب وصول حكومة جديدة إلى السلطة، نقض قانون حول الأمن الداخلي بعض التدابير الإصلاحية الأكثر ليبرالية الواردة في القانون السابق. وتم وضع مجموعة من المخالفات الجديدة، مثل التجمع في الأماكن العامة ضمن المساحة المحيطة بالمباني السكنية والذي يحتمل أن يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام؛ والاستدراج العلني لارتكاب الفحشاء؛ والتسول الجماعي "العدائي"؛ وشتم العلم أو النشيد الوطني أو إهانته في بعض المناسبات العامة. (يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء هذا القانون الذي يقيد الحق في الحصول على مساعدة قانونية دون إبطاء فيما يتعلق بمجموعة أكبر من الناس، بينهم القصر الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً الذين يمكن
         

    أن يحرموا من الاستعانة بمحام في الساعات الـ 36 الأولى في حجز الشرطة؟؟). وفي مارس/آذار 2004، تم إصدار "قانون بربن الثاني" الذي كان يهدف إلى توفير إطار قضائي لتنفيذ قانون الأمن الداخلي. ومن جملة إجراءات، وسع القانون نظام الحجز الخاص البالغ 96 ساعة ليشمل مجموعة أوسع من الجرائم بينها "الجريمة المنظمة". وعلاوة على ذلك، يمكن بموجب هذا القانون احتجاز الأشخاص المتهمين "بالإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 72 ساعة الأولى بدون الاستعانة بمحامٍ.

    وغالباً ما يمارس التعذيب وسوء المعاملة في اللحظات الأولى في حجز الشرطة، وقد ساور منظمة العفو الدولية القلق منذ زمن طويل من أن الخاضعين لحجز الشرطة بدون الاستعانة بمحام، يتعرضون باستمرار لخطر التعذيب وسوء المعاملة. وتشير عدة حالات، توضح الإفلات الفعلي من العقاب ويصفها هذا التقرير، إلى حالات وفاة أو تعذيب أو سوء معاملة في حجز الشرطة لم يكن المحامون حاضرين من بدايتها. وحتى في حالات القصر، فإن وجود آلات تصوير في بعض أجزاء مركز الشرطة لا يمنع بالضرورة حدوث سوء المعاملة (انظر 5-4).

    وفي تقرير أصدرته في مارس/آذار 2004، كررت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كررت خلافها مع السلطات الفرنسية حول القانون الذي يحرم من الاستعانة بمحام طوال الـ 36 ساعة الأولى في حجز الشرطة، مشددةً على أنه يجب السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محام منذ بداية حجز الشرطة، وكذلك من الحق في حضور محام خلال الاستجواب الذي تقوم به الشرطة. ولا يُسمح بهذا الحق الأخير حالياً. وانتقدت اللجنة الأوروبية المذكورة حقيقة أن القانون الجديد الخاص بالأمن للعام 2003 قد احتفظ بالانحراف عن المعايير المتعلق بالاستعانة بمحام بالنسبة لمجموعة كاملة من الجرائم الجنائية. وأشارت اللجنة إلى أنه خلال الزيارات التي قامت بها إلى فرنسا واصلت تلقي مزاعم حول إساءة المعاملة البدنية على أيدي أفراد الشرطة لحظة الاعتقال أو خلال حجز الشرطة. وحثت السلطات الفرنسية على "التخلي عن النظام المهين في حجز الشرطة فيما يتعلق بالاستعانة بمحام وإلى الاعتراف في النهاية بحق جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم من جانب قوات النظام والقانون – لأي دافع كان- في الاستعانة بمحام (رغم أنه ليس بالضرورة محام يختارونه بأنفسهم) منذ بداية حرمانهم من حريتهم "تقرير إلى حكومة الجمهورية الفرنسية يتعلق بالزيارة التي قامت بها إلى فرنسا اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المقدم بين 11 و17 يونيو/حزيران 2003. CPT/Inf(2004)6، الفقرة 64.

    وهناك قضية تناهت إلى علم هذه المنظمة في العام 2003 أثارت بواعث قلق حول احترام دور المحامين عند زيارة موكليهم في مراكز الشرطة. ففي 31 ديسمبر/كانون الأول 2002، طُلب من محام اسمه دانييل فرانسوا مساعدة فتى عمره 17 عاماً محتجز لدى الشرطة في أولني – سو – بوا (سين- سان – دنيس). وعندما لاحظ المحامي وجود جروح على وجه الفتى، أبلغ الشرطي المناوب أنه يود تسجيل مزاعم بأن
    موكله تعرض لأفعال عنف وطالب بإجراء فحص طبي له، لكن محاولاته باءت بالفشل. فقد قال شرطي لدانييل فرانسو إنه لا توجد آلة نسخ تسمح له بتصوير نسخة من طلبه المكتوب بخط اليد ورفض إصدار أمر بإجراء فحص طبي للفتى. وعندما احتج المحامي طُلب منه المغادرة ورافقه حتى الباب. وعاد إلى مركز الشرطة لإيداع النص الذي كتبه بخط يده. عندئذ أُلقي القبض عليه، ووضع في حجز الشرطة بتهمة توجيه الإهانات ومقاومة الاعتقال. وفي تقريرها السنوي للعام 2003 الصادر في العام 2004 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية دانييل فرانسوا. وأعربت عن دهشتها لاحتجاز المحامي لمدة 13 ساعة وإخضاعه لفحص الكحول رغم أنه لا يوجد دليل على أنه كان يعاقر الخمرة. وأوصت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن "باتخاذ تدابير لتعزيز حماية المحامين أثناء (قيامهم) بمهامهم المهنية وعدم اتخاذ أية قرارات أخرى بوضع شخص بحجز الشرطة من جانب شرطي يزعم أنه ضحية."

    2.2.2 الفحوص الطبية
    فيما يتعلق بالرعاية الطبية في حجز الشرطة، أُدخلت إصلاحات على الأوضاع في حجز الشرطة في العام 1993، للسماح برؤية الطبيب دون إبطاء، في أعقاب وفاة عيسى إهيش، من نوبة ربو عقب تعرضه للضرب. ويجوز للمعتقل أن يطلب بأن يفحصه طبيب يعينه النائب العام أو موظف في الشرطة القضائية. ويمكن تجديد الطلب في حالة إطالة أمد حجز الشرطة. بيد أنه سلطت عدة حالات حديثة الضوء على المشاكل المصاحبة لمحاولة الحصول على فحص طبي أثناء الحجز لدى الشرطة. وقضية دانييل فرانسوا المذكورة أعلاه هي أحد الأمثلة، كذلك هي قضية عمر بهاء، وهو مواطن فرنسي من أصل جزائري قُبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2002. وقد تدخل عمر بهاء (5-7) في استجواب من جانب الشرطة يتعلق بأطفال. وكسر شرطي يحمل علبة غاز أنف عمر بهاء. والشكوى التي قدمها في العام 2002، ما زالت عالقة في المحاكم. فرنسا : سوء المعاملة المزعوم لعمر بهاء من جانب أفراد الشرطة في باريس (رقم الوثيقة : EUR 21/002/03، مارس/آذار 2003، والتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2004.

    3.2.2 قضايا أخرى تتعلق بالحجز
    كما أشرنا أعلاه، يُسمح للمعتقلين في حجز الشرطة بإجراء مكالمة هاتفية مع أحد أفراد العائلة أو رب العمل، وهي قاعدة تهدف إلى درء خطر سوء المعاملة الناجم عن عدم اتصال المعتقل بالعالم الخارجي. ومع ذلك يجوز لموظف قضائي أن يرفض منح الحق في إجراء مكالمة هاتفية إذا اعتبر ذلك بأنه يمس بمجرى التحقيق، شريطة موافقة النائب العام على ذلك. وتشير بعض الحالات التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية إلى أنه لم يتم دائماً التمسك بهذا الحق، حتى عندما لا يكون هناك إمكانية للمساس بالتحقيق. ففي يوليو/تموز 2001، مثلاً، اقتيد قاصر عمره 16 عاماً واسمه ياسين (5-4)، أخفت منظمة العفو الدولية الاسم الكامل في هذه القضية، إلى مركز الشرطة أسنيير في منطقة باريس. وعلى نحو مخالف للقانون، لم يتم إبلاغ والدته فوراً بأنه محتجز في مركز الشرطة، رغم أن ياسين طلب إبلاغها.

    وفي 11 مارس/آذار 2003، أُرسل تعميم وزاري إلى مقر قيادة الشرطة الوطنية والدرك الوطني وإلى رئيس شرطة باريس، يتعلق بتحسين الأوضاع الفعلية لحجز الشرطة. وأشار تعميم وزارة الداخلية إلى أن عمليات التفتيش الجسدي يجب أن تكون استثناءً ودعا من جملة أمور إلى تعزيز حق المعتقلين في إجراء مكالمات هاتفية واتصالات سرية مع المحامين، فضلاً عن تقديم وجبات ساخنة إلى المعتقلين. ووُجهت انتقادات لممارسة تقييد المعتقلين بمشعاع الحرارة. وفي التقرير المذكور أعلاه، حثت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب الحكومة على إيلاء أولوية قصوى لتنفيذ التعميم. بيد أنه تجدر الملاحظة بأن هذا التعميم لم يشر إلى مشاكل العنف الذي تمارسه الشرطة ولم يتطرق إلى وجود عقوبات تأديبية لأفراد الشرطة الذين لم يحترموا القواعد التي تنظم حجز الشرطة. ويوحي استمرار مزاعم إساءة المعاملة في حجز الشرطة، مثل تلك التي صدرت عن المحامي أليكس أوروسوليه، الذي أصرَّ على أنه تعرض لسوء المعاملة في حجز الشرطة وقُيِّد بمشعاع، بأن "روح" التعميم لم تحترم بعد بالضرورة.

    وقُبض على أليكس أورسوليه، وهو محام م مارتينيك، في يناير/كانون الثاني 2005، في هذه الحالة نتيجة حادث مروري. وزعم أنه تم تقييده بمشعاع بينما كان في الحجز في مركز شرطة ريفولي في باريس. ووجه تهم التوقيف التعسفي والاعتداء والتمييز العنصري والسلوك المهين إلى الشرطة. وبعث رئيس نقابة محامي باريس المحامي جون – ماري بورغوبورو برسالة إلى وزير الداخلية حول هذه القضية أشار فيها إلى "تجاوزات السلطة" من جانب الشرطة وأنباء السلوك العنصري. وعند كتابة هذا التقرير كانت المفتشية العامة للشرطة تجري تحقيقاً داخلياً.

    وإن قلق منظمة العفو الدولية إزاء استمرار عدم احترام المبادئ التوجيهية أو القواعد الداخلية، فضلاً عن المعايير الدولية تشاطرها فيه المنظمات غير الحكومية مثل حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب. ونتيجة للتوترات ذاتها التي غالباً ما أدت إلى وجود المعتقلين في مراكز الشرطة أساساً، فقد يعاملهم أفراد الشرطة بالريبة، وفضلاً عن رفض أفراد الشرطة السماح لهم بالخضوع لفحص طبي، أو الاتصال بأقربائهم في بعض الحالات، فقد لا يحيطونهم علماً بحقوقهم الكاملة أو ربما لا يعبئون بشكل صحيح أو كامل التقارير التي يجب أن يعدوها بالنسبة لكل عملية حجز لدى الشرطة. وأفراد الشرطة ملزمون بالاحتفاظ بمحضر للحجز يتضمن معلومات حول الأوضاع في حجز الشرطة : مثلاً، المدة الكاملة لحجز الشرطة؛ وطول فترات الاستجواب؛ وأوقات الاستراحة؛ وساعات الطعام الخ. ويجب أن يوقع على محضر الحجز الشخص المحتجز لدى الشرطة قبل إنهائه. بيد أن هذا المحضر لن يشكل بالضرورة وصفاً كاملاً للحقائق ذات الصلة وقد يشعر المعتقلون المتحرقون للإفراج عنهم من حجز الشرطة بإغراء الموافقة عليه بدون قراءته بشكل صحيح أو يتم تهديدهم بإطالة أمد حجزهم لدى الشرطة إذا أبدوا علامات على رفض التوقيع عليه.

    والتقاعس عن إدارة حجز الشرطة على الوجه الصحيح، إما نتيجة للامبالاة أو سوء النية يمكن أن يؤدي إلى أوضاع الإفلات من العقاب. وغياب التقرير الطبي، إذا تعرض المعتقل للإصابة خلال التوقيف أو بعده؛ وعدم الوصف الكافي في المحضر للأوضاع التي تم فيها تنفيذ الحجز لدى الشرطة، وإغفال التجاوزات المحتملة؛ وممانعة بعض أفراد الشرطة في تسجيل شكوى ضد زملائهم يتقدم بها ضحية عنف الشرطة أو تقديم شكوى مضادة ضد شخص يحاول تسجيل مثل هذه الشكوى؛ وعرقلة عمل محام يحاول أداء واجبه المهني، هي كلها من جملة العوامل التي تسهم في عرقلة التحقيق القضائي منذ البداية، وتزيد من صعوبة إقامة العدل عملياً وليس من حيث المبدأ.

    3.2 الصلاحيات الاستنسابية للنائب العام
    ما برحت منظمة العفو الدولية على مدى سنوات تشعر بالقلق إزاء السلطة الممنوحة إلى أعضاء النيابة العامة لتقرير ما إذا كانوا سيتابعون الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، وممانعتهم في المقاضاة في عدد من هذه الحالات. كذلك أعربت الهيئات المشرفة على تنفيذ المعاهدات الدولية عن قلقها إزاء إجراءات التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون. وما زالت بواعث القلق المعبر عنها أو التوصيات المقدمة إلى فرنسا حول هذه القضية من جانب لجنة حقوق الإنسان في العام 1997 أو لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998 قائمة (المرة الأخيرة التي مثلت فيها فرنسا أمام أي من هاتين اللجنتين).

    وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها إزاء :
    "إجراءات التحقيق الحالية في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الشرطة. كذلك يساورها القلق إزاء تقاعس أعضاء النيابة أو ممانعتهم في تطبيق القانون المتعلق بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالموظفين المكلفين بإنفاذ القانون..." الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15.

    وفي العام 1998، أعربت لجنة مناهضة التعذيب، التي نظرت في التقرير الدوري الثاني لفرنسا حول تقيدها باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره

    من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أعربت عن قلقها إزاء نظام "مدى ملاءة المقاضاة" الذي على حد قول لجنة مناهضة التعذيب ترك "لأعضاء النيابة العامة حرية تقرير عدم مقاضاة مرتكبي أفعال التعذيب أو حتى إصدار أمر بإجراء تحقيق، وهذا ما يتعارض بوضوح مع نصوص المادة 12 من الاتفاقية". وحثت لجنة مناهضة التعذيب الدولة الطرف على "إيلاء أقصى حد من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة، بهدف الإيعاز بإجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها الذنب، توقيع العقوبات المناسبة". كما حثت فرنسا على إلغاء النظام الحالي "لمدى ملاءمة المقاضاة"، وبذلك تبدد "كافة الشكوك المتعلقة بواجب السلطات المختصة في إجراء تحقيقات حيادية بصورة منهجية وبمبادرة منها في جميع الحالات التي تتوافر فيها أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن فعل تعذيب قد ارتُكب..." الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب؛ فرنسا، UN Doc A/53/44، 27 مايو/أيار 1998 (التي يشار إليها فيما يلي : بالملاحظات الختامية لـ ل. م.ت.)، الفقرات 143(ب) و146 و147 على التوالي. وهذه هي الملاحظات الختامية الأحدث عهداً للجهة القضاء على التعذيب فيما يتعلق بفرنسا التي من المقرر أن تمثل مرة أخرى أمام لجنة مناهضة التعذيب في العام 2005. بيد أن نظام "مدى ملاءة المقاضاة" ما زال يُطبَّق.

    وفي قضية ما زالت عالقة أمام المحاكم وتوضح قضايا أخرى عديدة حتى اليوم، قرر كريم لطيفي (5-5) متابعة شكواه بواسطة إجراء تقديم مذكرة دعوى مباشرة. وفعل ذلك بعدما قرر النائب العام إقفال الشكوى، رغم وجود أدلة كثيرة على عنف الشرطة وحقيقة أن أفراد الشرطة قد جرى تأديبهم. وإزاء التقاعس المتواصل لأعضاء النيابة عن المتابعة الفعالة لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، غالباً ما قدم الضحايا أو عائلاتهم أو الجماعات المؤيدة لهم شكاويهم بأنفسهم لدى قاضي التحقيق. وهذا كما أوضحنا أعلاه، يسمح لهم بأن يكونوا طرفاً في الإجراءات وفي بعض الحالات كانت هذه المشاركة حاسمة في إعداد قضية الادعاء. وفي حكم صادر في العام 2004 (تحت الفقرة 4)، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في الحالات الخطيرة للانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، مثل الوفاة في الحجز، ينبغي للتحقيق الفعال أن يحيط تلقائياً وتباعاً أفراد عائلة الشركاء المعنيين بالمعلومات المتعلقة بالإجراءات القانونية من دون أن يضطروا للانضمام إلى العملية كطرف مدني. ولم تتبع السلطات الفرنسية حتى الآن هذه الممارسة.

    وفي عدد من الحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، والتي تتعلق بعمليات إطلاق نار مميتة من جانب الشرطة أو بحالات وفاة في حجز الشرطة، لعب أعضاء النيابة العامة في الواقع دور مستشار الدفاع، غالباً عند أدائهم لعملهم كأعضاء في النيابة أمام المحاكم الجنائية الابتدائية. بيد أن أعضاء النيابة العامة في المحاكم الإصلاحية عملوا أيضاً بصورة فعلية نيابة عن فريق الدفاع عن الشرطة. وفي قضية إساءة معاملة ياسين التي ما زالت مفتوحة، والتي خلصت المحكمة الإصلاحية إلى أنها تضمنت أفعال عنف من جانب الشرطة "تتجاوز كثيراً الاستخدام المعقول للقوة"، طلب وكيل النيابة مع ذلك تبرئة ساحة أفراد الشرطة (5-4). وبموجب نظام القضاء التحقيقي، فإن وكيل النيابة ملزم بعرض وجهة نظر الدولة، وليس الطرف المدني في المقاضاة. ومع ذلك، فإنه لمما يثير القلق إنه حتى في بعض الحالات الخطيرة للغاية والخلافية المتعلقة بعنف الشرطة، تخلى أعضاء النيابة عن دور المقاضاة كلياً وأدوا فعلياً دور الدفاع، وبالتالي تركوا المقاضاة كلياً بيدي المحامي الذي ينوب عن العائلة أو الطرف المدني.

    ومن الأمثلة الماضية الملفتة جداً على هذه الظاهرة قضايا مثل قضية تودور بوغدانوفيتش (3-1) التي علق فيها مراقب المحاكمة نيابة عن منظمة العفو الدولية قائلاً إن قرار وكيل النيابة بأداء دور الدفاع سهَّل جداً حجة الشرطي وجعل مهمة الأطراف المدنية والمحامي الذي يمثل العائلة "صعبة للغاية". ومرة أخرى في قضية إيتيان لوبورنيو (3-2)، تُرك الدور الفعلي للنيابة إلى قسم في محكمة الاستئناف، بينما ذهب وكيل النيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية إلى حد القول إن قتل الشرطة لسائق سيارة الأجرة يبرره "الموقف الانتحاري" لذلك السائق – وهي حجة تثير الدهشة في الملابسات المحيطة بالقضية وظلم تضاعفه حقيقة أنه لا يمكن تقديم استئناف لحكم المحكمة الجنائية الابتدائية. ورغم أن عمليات الاستئناف لأحكام المحاكم الجنائية الابتدائية يُسمح بها الآن، إلا أنها تخضع لاستنساب النائب العام. وفي قضية وفاة محمد علي سعود (4-2) التي تبت فيها الآن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تقاعس وكيل النيابة عن إخطار قاضي التحقيق الذي بناء على ذلك، لم يفتح تحقيقاً إلا بعد مضي شهرين على حدوث الوفاة. وفي قضية وفاة رياض حملاوي (3-5) الذي كان جالساً وهو أعزل في سيارة، أُردي بالرصاص من مسافة قريبة من جانب شرطي في العام 2002، قررت النيابة العامة عدم استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية الذي انتقده وزير سابق في الحكومة الفرنسية بقوله إنه لا يحتمل أن يوحي بالثقة في نظام القضاء الفرنسي. واتُخذ هذا القرار بعدم متابعة القضية رغم حقيقة أن وكيل نيابة يعمل بصفة وكيل نيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية، طلب إنزال عقوبة السجن لمدة ست سنوات لكي تعكس خطورة الجريمة التي اعتقد أنها وقعت نتيجة قرار متعمد.

    وفي التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2000، أشارت المنظمة إلى ممانعة المحاكم في إدانة أفراد الشرطة على جرائم العنف أو القوة المفرطة، أو تأييد الأحكام التي حاولت أن تعكس خطورة الجريمة. و"في بعض الحالات" علقت قائلة إن "أعضاء النيابة يؤدون كما يبدو دوراً نشطاً في استمرار ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب عندما يتعلق الأمر بأفراد الشرطة." وحتى اليوم يظل هذا الأمر يشكل مصدر قلق حقيقياً.

    4.2 عمليات التأخير في الإجراءات القضائية
    ينص القانون الدولي على إجراء تحقيق دون إبطاء في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن : "تضمن كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملاً من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية." وينبغي المباشرة بالإجراءات الجنائية وإتمامها في غضون مدة زمنية معقولة، كحق للمتهم، انظر مثلاً المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكجزء من الحق في "سبيل انتصاف فعال" للأشخاص الذين انتهكت حقوقهم، انظر مثلاً المادة 2(3) من العهد المذكور.

    وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها "إزاء عمليات التأخير والطول غير المعقول للإجراءات القضائية في التحقيق والمقاضاة على الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المتعلقة بالموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين". الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15. ويوضح عدد من القضايا التي عملت منظمة العفو الدولية بشأنها المشكلة الحقيقية لعمليات التأخير الطويلة والتقاعس عن توخي اليقظة الواجبة في الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بشكاوى ضد الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.

    ومن هذه الحالات تلك المتعلقة بلوسيان دجوسوفي، وهو مواطن من بنين قامت منظمة العفو الدولية بحملة نيابة عنه. وأدين شرطيان فرنسيان في العام 1996 باستخدام العنف غير القانوني وبإصابته بجروح، وصدر على كل منهما حكم بالسجن لمدة 18 شهراً مع وقف التنفيذ وأُمرا بدفع تعويضات. بيد أن منظمة العفو الدولية تشعر بقلق شديد من أن التحقيق والمحاكمة استغرقا خمس سنوات وأربعة أشهر قبل اختتامهما. وقال المحامي الذي راقب الإجراءات القضائية نيابة عن منظمة العفو الدولية إنه لا يعتبر التفسيرات التي قدمها المدعي الخاص لتبرير طول الإجراءات القضائية مقنعة.

    وهناك قضية أخرى كهذه هي قضية مراد تشير، وهو شاب من أصل جزائري أُصيب بطلق ناري قاتل في ظهره في سان-فون، بالقرب من ليون، وأردي مراد تشير الذي كان أعزل بالرصاص في العام 1993، بينما كان يحاول الإفلات من حجز الشرطة. واتسمت القضية بتجاوزات إجرائية وعمليات تأخير مستمرة. ولم توجه تهمة رسمية إلى الشرطي الذي أطلق الرصاصات القاتلة إلا بعد تقديم شكوى من جانب الطرف المدني – وبعبارة أخرى، إلى أن أخذت العائلة زمام المبادرة في التحرك. ولم يتم تمثيل وقائع عملية إطلاق النار إلا بعد مضي عامين على وفاة الضحية. وفي العام 1998 حُكم على شرطي بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ.

    وتوضح بعض الحالات المبينة أدناه هذا الوجه للإفلات الفعلي من العقاب. ففي 25 مارس/آذار 1998، وقبل الحكم الصادر في يوليو/تموز 1999 عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية أحمد سلموني (5-2)، تبين للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في قضية سلموني، انتهكت فرنسا المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بإجراء محاكمة عادلة خلال فترة زمنية معقولة. ووفقاً للجنة، تتضمن معايير تقدير "الوقت المعقول":

  • مدى تعقيد القضية؛

  • سلوك أطراف القضية؛

  • سلوك السلطات.


  • وتبين للجنة أنه رغم بدء تحقيق في مزاعم أحمد سلموني في مارس/آذار 1993 – لكن فقط بعد أن أصبح المدعي طرفاً مدنياً في القضية – لم يخضع أفراد الشرطة للتحقيق من جانب قاض للتحقيق حتى العام 1997، وأن التحقيق القضائي ظل مستمراً بعد مرور أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر على المباشرة فيه، رغم حقيقة أن القضية، رغم خطورتها الشديدة، لم تكن معقدة جداً. وأضافت اللجنة أنه نظراً لخطورة المزاعم، والفترة الزمنية الطويلة التي مضت على وقوع الأحداث، تقاعست السلطات عن توخي اليقظة اللازمة لما فيه مصلحة إجراء تحقيق سريع.

    وكانت قضيتا يوسف خايف (قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهتش (وفاة في الحجز) من جملة قضايا أخرى توضح هذا التقاعس بشكل ملفت. فقضية يوسف خايف الذي توفي في العام 1999 احتاجت إلى 10 سنوات لكي تصل إلى المحكمة. وبالمثل فإن قضية عيسى إهتش (4-1) الذي توفي في العام 1991 استغرق وصولها إلى المحكمة 10 سنوات. والانتظار هذا الوقت الطويل جداً لتسوية القضايا ليس مشكلة حقيقية للعائلات والأقرباء وحسب، بل يمكن أيضاً أن يزيد من الإجهاد الذي يتعرض له أفراد الشرطة المعنيين.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء الوجود الفعلي لنظام "بسرعتين" للتعامل مع الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بأفراد الشرطة. ومن الحالات التي توضح هذه المشكلة حالة عمر بهاء (5-7). ففي فبراير/شباط 2003 رفضت المحكمة الإصلاحية في باريس تهماً وجهها إليه أفراد الشرطة الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2002 "بمقاومة الاعتقال"، و"السلوك المهين" و"التحريض على الشغب" – والأخيرة تهمة ليست موجودة في قانون العقوبات الفرنسي، لكنها استُخدمت لتبرير تمديد حجزه لدى الشرطة. بيد أن عمر بهاء قدَّم أيضاً شكوى حول إساءة المعاملة ضد أفراد الشرطة الوطنية. وعند كتابة هذا التقرير، كانت الدعوى التي رفعها عمر بهاء ضد أفراد الشرطة ما زالت قيد الدرس بعد مضي عامين على النظر في الدعوى التي رفعها الشرطي ضده وتسويتها.

    5.2 الأحكام الاسمية أو "العقوبات الرمزية"
    إلى جانب عدد من أحكام البراءة الخلافية جداً في قضايا تتعلق برجال الشرطة، هناك عامل آخر يسهم في نشوء ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب هو نمط الأحكام الرمزية. فغالباً ما يطلب أعضاء النيابة إصدار عقوبات رمزية وترضخ المحاكم لطلبهم، رغم خطورة الجرم. وفي العام 1997، وفيما يتعلق بدولة أخرى في أوروبا الغربية، أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء توقيع "عقوبات رمزية، لا تتضمن حتى قضاء فترة في السجن" في قضايا اتُهم فيها موظفون رسميون بارتكاب أفعال تعذيب. الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب : أسبانيا .UNDoc.A/53/44، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، الفقرة 128. وفقاً للجنة مناهضة التعذيب فإن "الأحكام التي تُفرض على الموظفين الرسميين المتهمين بممارسة التعذيب، والتي غالباً ما تتضمن عقوبات رمزية، لا تنطوي حتى على قضاء فترة في السجن، تشير كما يبدو إلى درجة من التسامح تجرد العقوبة الجنائية من الأثر الرادع والاتعاظي الذي يجب أن يرتبط بها ..." المصدر آنف الذكر. وشعرت لجنة مناهضة التعذيب أن زيادة قسوة العقوبات تساعد في القضاء على ممارسة التعذيب. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن بواعث قلق مشابهة تنطبق على فرنسا اليوم، في كل من حالات التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام غير القانوني والمفرط للقوة المؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بجروح.

    وفي معظم حالات إطلاق النار المميت التي صدرت فيها إدانات، نادراً ما تجاوزت العقوبات عقوبة السجن مع وقف التنفيذ. ورغم أننا سمعنا عن شرطي يقتل متهماً في حادثة إطلاق نار ويتلقى عقوبة بالسجن طويلة نسبياً، إلا أن ذلك أمر غير معتاد وتستلزم الملابسات توافر أدلة على أن الشرطي تصرف بطريقة صارخة بشكل استثنائي، أو أنه أُدين سابقاً أو لديه سجل تأديبي يلطخ سمعته. وفي ديسمبر/كانون الأول 1997، أُردي فابريس فرنانديز بالرصاص من جانب شرطي أثناء استجوابه وهو مكبل اليدين في مركز للشرطة. وحُكم على الشرطي، الذي أُوقف سابقاً عن الخدمة في الشرطة بتهمة الاعتداء، بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة القتل في ديسمبر/كانون الأول 1999. وفي أغسطس/آب 1998، أُردي إريك بن فاطمة الذي كان يتسول للحصول على السجائر من جانب شرطي أطلق عليه النار أربع مرات بينما كان يطارده في الشارع. والشرطي الذي صوره وكيل النيابة والدفاع بأنه "شرطي طيب" لكنه يعاني من أزمة عصبية، أدين بالتهمة ذاتها وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات في يونيو/حزيران 2000. لكن في معظم الحالات، سعى أعضاء النيابة والقضاة – وفي حالة المحاكم الجنائية الابتدائية – هيئة المحلفين، جاهدين لتفادي صدور حكم فعلي بالسجن. وبموجب المادة 734 من قانون الإجراءات العقابية، يجوز للقاضي أن يأخذ بعين الاعتبار سجل الخدمة الجيد وغيره من العوامل، مثل الندم أو الاعتراف بالذنب، لكنه ليس ملزماً بإبداء أسباب قراره عند إصداره عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ. وعملياً فإن أفراد الشرطة الذين أدينوا بالقتل غير القانوني للمتهم استفادوا دائماً من وقف تنفيذ العقوبة بموجب المادة 734. ويتعلق القسم الأكبر من الحالات الموثقة في هذا التقرير إما بأحكام براءة مثيرة للجدل أو بعقوبات رمزية، حتى عندما اعترفت المحكمة أن القضية خطيرة للغاية.

    رشيد أردجوني، فتى عمره 17 عاماً من أصل جزائري أُطلقت عليه النار في مؤخر رأسه وسقط صريعاً في إبريل/نيسان 1993. وأُدين الشرطي بالقتل العمد وحُكم عليه بالسجن لمدة 24 شهراً مع وقف تنفيذ 16 شهراً منها. وفي مايو/أيار 1996 خفضت محكمة استئناف دواي الحكم، رغم أن الشرطي كان مخموراً (انظر التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية بين الأعوام 1994 و1997). وزادت المحكمة فترة وقف التنفيذ من 16 شهراً إلى 18 شهراً وخفضت الأضرار والتعويضات المالية الممنوحة إلى عائلة الفقيد. حتى أن المحكمة نقضت قرار المحكمة الإصلاحية بتدوين الإدانة في السجل الجنائي للشرطي. وهذا يعني أنه يمكن للشرطي مواصلة الخدمة في قوات الشرطة وحمل سلاح.

    ومنذ ذلك الوقت، لا يبدو أنه حصل تغيير يذكر في نمط الأحكام الرمزية. وتشمل الأمثلة الأخرى قضية قاصر أعزل اسمه حبيب ولد محمد (3-4) أردي بالرصاص في ديسمبر/كانون الأول 1998 وتُرك على قارعة الطريق، وأشارت المحكمة إلى الحادثة على أنها "سلسلة مذهلة من الأخطاء المهنية المتهورة والخرقاء" التي ارتكبها الشرطي الذي تقاعس عن الإبلاغ، كما يجب، بأنه أطلق النار من سلاحه. بيد أنه لم يُحكم على الشرطي إلا بعقوبة السجن مع وقف التنفيذ. وفي قضية رياض حملاوي (3-5) الذي أرداه شرطي بالرصاص في العام 2000، جادلت المحكمة بالقول إنه رغم خطورة الجريمة، إلا أنه لا فائدة من سجن الشرطي وأن تصرفه يُعزى إلى التدريب "الرديء". وصدرت على الشرطي عقوبة مع وقف التنفيذ.

    6.2 الدور الإشكالي للمحاكم الجنائية الابتدائية
    حتى فترة حديثة، أصدرت المحاكم الجنائية الابتدائية المؤلفة من ثلاثة قضاة (’المحكمة‘) وهيئة محلفين تضم ما بين تسعة واثني عشر مواطناً فرنسياً، أحكاماً في قضايا جنائية خطيرة نسبياً أحالتها إليها شعبة الاتهام، وهي قسم في المحكمة يقرر وضع القضية – ما إذا كان سيتم المباشرة فيها، وإذا كان الأمر كذلك، يحدد المحكمة التي ستتولى المحاكمة فيها. وبينما كان هناك حق في استئناف قرارات المحكمة الإصلاحية التي تبت في جرائم أو مخالفات أقل خطورة وليس فيها هيئة محلفين، فإنه لا يتوافر مثل هذا الحق في المحاكم الجنائية الابتدائية التي تبت بالقضايا كمحكمة ابتدائية ونهائية. (والطريقة الوحيدة للاعتراض على قرارات المحاكم الجنائية الابتدائية هي رفع طلب نقض أمام الشعبة الجنائية التابعة لمحكمة النقض. ولكن هذه الشعبة لن تنظر إلا في المسائل القانونية والإجرائية، وليس في وقائع القضية، وبالتالي تحد بصرامة من إمكانيات الاستئناف).

    والأساس المنطقي العام لغياب آلية كاملة للاستئناف يكمن في الاعتقاد بأنه لا يجوز استئناف الحكم الصادر عن هيئة المحلفين لأن الشعب هو السيد، وبالتالي معصوم عن الخطأ. بيد أن عدم توفير أية وسيلة للاستئناف، إلا بشأن الشكليات، مثل الأخطاء الإجرائية، شكل انتهاكاً واضحاً وجوهرياً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة 14(5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أنه : "لكل شخص

     

     أدين بجريمة حق اللجوء، وفقاً للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حُكم به عليه". ويوجد نص مشابه في المادة 2 من البروتوكول 7 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

    وقد تضاعفت المشكلة في حالة تشريع "مكافحة الإرهاب". فالقانون رقم 86-1020 الصادر في 9 سبتمبر/أيلول 1986 "المتعلق بمحاربة الإرهاب"، نص على أن الحالات المتعلقة "بالإرهاب" يجب أن تحال إلى المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة في باريس، التي لا توجد فيها هيئة محلفين. ويساور منظمة العفو الدولية القلق ليس فقط إزاء حقيقة أن المتهمين "بالإرهاب" حوكموا تلقائياً أمام المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة، وبالتالي لا يحق لهم تقديم استئناف، بل أيضاً لأن ضحايا أو عائلات ضحايا الجرائم الخطيرة أو التي يحتمل أن تكون خطيرة الذين فصلت المحاكم الجنائية الابتدائية في قضاياهم لا يحق لهم تقديم استئناف.

    وفي 1 يناير/كانون الثاني 2001، صدر القانون رقم 15 وتاريخ 15 يونيو/حزيران 2000 حول "افتراض البراءة" في إطار إصلاح عام ومتشعب لنظام القضاء الفرنسي. وأدخل القانون آلية إلى المحاكم الجنائية الابتدائية في محاولة لجعل فرنسا تتقيد بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ووفقاً للقانون، فإن القضية التي تبت فيها محكمة جنائية ابتدائية يمكن استئنافها أو إعادة المحاكمة فيها أمام محكمة جنائية ابتدائية أخرى، تؤدي دور استئناف وتضم ثلاثة قضاة و12 عضواً في هيئة المحلفين بدل تسعة. وأُجبرت المحكمة الأخيرة على إعادة استدعاء الشهود خلال المرافعات الشفوية.

    وهذا الإصلاح للمحاكم الجنائية الابتدائية، رغم كونه موضع ترحيب وضروري، لكنه ليس كافياً لتبديد بواعث القلق لدى منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب الذي يتمتع به الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون الذين بُرئت ساحتهم أمام المحاكم الجنائية الابتدائية التي أدت دور المحاكم الابتدائية، لأن القانون لم ينص على تقديم استئناف في حالة صدور حكم بالبراءة، كما يفعل في المحاكم الأخرى. وهذا يعني أن القضايا بالغة الخطورة مثل قضيتي تودور بوغدانوفيتش (2-3) أو إيتيان لوبورنيو (3-2)، رغم أنها انتهت بأحكام براءة خلافية للغاية، لم يكن بالإمكان استئنافها. وأثار الوضع درجة أكبر من الأسف لأن شُعب الاتهام لم ترسل إلى المحاكم الجنائية الابتدائية إلا القضايا التي تتضمن أسباباً جدية للاعتقاد بأن موظفاً مكلفاً بإنفاذ القانون قد ارتكب انتهاكاً.

    وفي العام 2002، مُنح أعضاء النيابة الحق في تقديم استئناف ضد أحكام البراءة، لكن الحق لم يوسع ليشمل الأطراف المدنية في القضية. وهكذا، فإنه في الوضع الحالي، تتوقف إمكانية تقديم الاستئناف في هذه القضايا فقط على إرادة أعضاء النيابة الذين غالباً ما اتسم دورهم حتى الآن بالغموض. وتوضح قضية رياض حملاوي (3-5) القلق المستمر الذي يساور منظمة العفو الدولية إزاء دور أعضاء النيابة العامة في هذه القضايا وعجز الأطراف المدنية عن تقديم استئناف ضد الأحكام الخلافية الصادرة في المحاكم الجنائية الابتدائية، رغم إصلاحها.

    7.2 مفهوماً "الدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"
    شأنه شأن معظم الأنظمة القانونية، ينص القانون الجنائي الفرنسي على تقديم "وسائل دفاع" أي استثناءات من التبعة الجنائية عن الأفعال التي يمكن لولا ذلك أن تكون غير قانونية، عند استيفاء شروط استثنائية محددة. وهناك دفاعان منها لهما صلة بشكل خاص في هذا السياق.

    1.7.2 "الدفاع المشروع" (الدفاع عن النفس)
    يقتضي القانون الفرنسي أنه عند استخدام القوة، يجب أن تتناسب الوسيلة مع خطورة التهديد أو الهجوم. ووفقاً للمادة 122-5 من قانون العقوبات الفرنسي، يحق قانونياً للشخص الدفاع عن نفسه أو الآخرين ضد هجوم لا مبرر له، طالما أن الفعل ضروري للدفاع عن النفس أو للدفاع عن شخص آخر ويتزامن مع الهجوم وما دام هناك
    تناسب (التشديد من عندنا) بين الوسيلة الدفاعية المستخدمة وبين خطورة الهجوم.

    كذلك فإن مبدأ التناسب مكرس بوضوح في المادة 9 من مدونة قواعد الآداب (أو مدونة قواعد السلوك) العائدة للشرطة الوطنية (المرسوم الصادر في 18 مارس/آذار 1986). فالمادة 9 من المدونة تنص على أنه : "عندما يكون مصرح قانونياً استخدام القوة، وبخاصة، استخدام الأسلحة، ينبغي على الشرطي ألا يفعل ذلك إلا عند الضرورة القصوى وبما يتناسب مع الهدف المراد تحقيقه."

    وإضافة إلى ذلك، فوفقاً للمادة 10 : "يوضع كل شخص يُقبض عليه تحت مسؤولية الشرطة وحمايتها ولا يجوز أن يتعرض لأي شكل من أشكال العنف أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة من جانب شرطي أو طرف ثالث". مدونة قواعد آداب الشرطة الوطنية، المادة 9. ويتعرض الشرطي الذي كان شاهداً على هذه الحوادث لإجراءات تأديبية إذا لم يفعل شيئاً لوقفها أو تقاعس عن لفت انتباه السلطة المختصة إليها.

    بيد أن مبدأ التناسب لم يُطبق على الأفراد العسكريين في الدرك الوطني (انظر 2-7 أدناه).

    وينص كتيب لتدريب الشرطة الفرنسية بما قل ودل على أنه : "إذا كانت هناك أدنى إمكانية أمام الشرطي لتفادي هجوم غير قانوني، بدون أن تترتب جراء ذلك عواقب خطيرة عليه وعلى الآخرين ... هجوم غير قانوني ... عليه أن يختار ذلك الحل عوضاً عن استخدام سلاحه. فمثلاً، إذا كانت سيارة تتجه قصداً نحو الشرطي ولديه الوقت والقدرة على الابتعاد عنها ... عليه أن يفعل ذلك عوضاً عن استخدام سلاحه. وحالما تمر السيارة، لا تعود معايير الدفاع المشروع قائمة، ويحظر على الشرطي استخدام السلاح". الإشارات والأساليب المهنية للتدخل – مديرية الأفراد والمعلومات في الشرطة، وزارة الداخلية وتنمية المناطق. ويتماشى هذا النص مع المعايير الدولية لاستخدام القوة عموماً والأسلحة النارية خصوصاً، من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون (انظر أدناه).

    2.7.2 "حالة الضرورة" (دفاع الضرورة)
    وفقاً للمادة 122-7 من قانون العقوبات الفرنسي :
    "لا يتحمل الشخص مسؤولية جنائية إذا قام في مواجهة خطر داهم أو وشيك عليه أو على شخص آخر أو ممتلكات، بعمل ضروري لضمان سلامة الشخص أو الممتلكات، إلا حيث تكون الوسيلة المستخدمة غير متناسبة مع خطورة التهديد".

    ويختلف هذا الدفاع عن "الدفاع المشروع" من حيث إن الخطر لا ينشأ بالضرورة عن عدوان يرتكبه طرف ثالث، بل عن مزيج من الظروف. فمثلاً، إذا اقتحم إطفائي أو شخص بصفته الخاصة، منـزلاً خاصاً لإنقاذ سكانه من الحريق، فإن "حالة الضرورة" تحميه من التبعة الجنائية للاقتحام والدخول والتسبب بضرر للممتلكا
    ت الخ.

    3.7.2 إساءة استعمال "وسائل الدفاع" هذه
    يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن وسيلتي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" قد أسيء استخدامهما على نطاق واسع في الحالات التي لجأ فيها أفراد الشرطة الفرنسية إلى العنف. واستُخدم الدفاعان بصورة شبه ثابتة من جانب أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب القتل العمد أو القتل غير العمد أو غيره من الجرائم، وقبلت بها المحاكم بصورة متكررة، حتى حين أشارت الظروف بوضوح إلى الاستخدام غير الضروري والمتهور والمفرط للقوة من جانب الشرطي.

    وانتهت بعض القضايا التي استُشهد بها في الفقرة 3 (أدناه) بأحكام براءة خلافية – خلافية ليس من وجهة نظر المحامين أو مجموعات حقوق الإنسان أو أقرباء الأشخاص المعنيين فقط، بل أيضاً من حيث إن المحاكم أصدرت أحكاماً مختلفة في جميع مراحل العملية القضائية. ومن المسائل المحورية في هذه القضايا المسألة المتعلقة بتفسير مقولات "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" والذي أدى إلى استخدام بعض الحجج الغريبة لمصلحة أفراد الشرطة المعنيين وإلى إعطاء أفراد الشرطة قرينة الشك الكبير في أغلب الأحيان. فقد جادل أعضاء النيابة العامة، مثلاً، بأن الضحية أبدى موقفاً "انتحارياً" (انظر قضية إيتيان لوبورنيو)؛ أو إن إدانة الشرطي "تنفي معنى" فعله (تودور بوغدانوفيتش). وترد أدناه أمثلة أخرى. ومن ضمنها قضية محمد علي سعود الذي توفي من الاختناق البطيء بينما كان أفراد الشرطة ممسكين

     به وهو مقيد. وفي هذه الحالة جادلت المحكمة بأن الشرطة تصرفت من منطلق "الدفاع المشروع"، وأنه لا وجه لإقامة دعوى ضد الشرطة، رغم حقيقة أن الوفاة حدثت دون جدال بعد مضي 15 دقيقة أو أكثر على تقييد الضحية وتكبيل يديه وساقيه، ومع ذلك ظل يتعرض لضغوط التقييد من جانب أفراد الشرطة والتي أدت إلى اختناقه حتى الموت.

    8.2 استخدام الأسلحة من جانب الدرك
    ما برحت بواعث قلق جدية وقائمة منذ زمن طويل تساور منظمة العفو الدولية إزاء استمرار استخدام أفراد الدرك الوطني لصلاحيات خاصة تتعلق باستخدام الأسلحة النارية. مذكرة منظمة العفو الدولية إلى لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998، فرنسا : القوة المفرطة : ملخص لبواعث قلق منظمة العفو الدولية حول عمليات إطلاق النار وسوء المعاملة (رقم الوثيقة : EUR 21/05/98) أشارت إلى هذا القلق الذي شاطرتنا فيه لجنة حقوق الإنسان.

    وهذه الصلاحيات التي مُنحت بمرسوم صدر في 20 مايو/أيار 1903 وعُدلت بمرسوم وقانون في العام 1943 في عهد حكومة فيشي ولم تتغير منذ ذلك الحين، مكنت الدرك تقليدياً من استخدام الأسلحة النارية من دون القيود المفروضة على أفراد الشرطة، في انتهاك واضح للمعايير الدولية الخاصة باستخدام الأسلحة النارية. وفي حين أن أفراد الشرطة ملزمون بالتقيد بالنصوص القانونية الخاصة "بالدفاع المشروع"، فإن الدرك تمتعوا بصلاحيات إيقاف المتهمين الهاربين أو الفارين بإطلاق النار عليهم، ما دام أفراد الدرك المعنيون يرتدون بزات رسمية ويعطون إشارة تحذير أولاً، مثل إطلاق النار في الهواء. وفعلياً، فإن حرية التصرف الممنوحة إلى الدرك في هذه المسألة سمحت لهم بإطلاق نيران أسلحتهم بدرجة من الخوف من الانتقام القانوني أقل من تلك التي يشعر بها أفراد الشرطة المدنية.

    فمثلاً في نوفمبر/تشرين الثاني 1997، بعد مضي أربع سنوات على مقتل مهندس شاب اسمه فرانك موريه في يوليو/تموز 1993، برأت المحكمة الإصلاحية في فالانس (دروم) دركي أطلق النار على مؤخر رأس المهندس بينما كان يحاول الانطلاق بسيارته وذلك على أساس أنه استخدم سلاحه بصورة قانونية. وفي العام 1998، نقضت محكمة الاستئناف في غرينوبل (إزير) حكم البراءة هذا. وصرحت المحكمة بأنه : "لا يجوز اعتبار التفويض الذي يمنحه القانون أو الأنظمة للأفراد العسكريين في الدرك باستخدام أسلحتهم لشل حركة السيارات تفويضاً مطلقاً وغير محدود يعفي الشرطي من الواجب العام، فإن لم يكن للتصرف وفق مبدأ التناسب ... فعلى الأقل للقيام بعمل يتسم بالحذر والحد الأدنى من المهارة". محكمة الاستئناف في غرينويل، 26 يوليو/تموز، النقض رقم 886/جي جيه. بيد أن محكمة النقص نقضت مرة أخرى هذا الحكم في يناير/كانون الثاني 2000 عند قضت بأن الدركي تصرف في حدود القانون (مرسوم العام 1903).

    وفي العام 1997، صرحت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنها "تشعر بالقلق من أن صلاحيات الدرك الوطني، الذي هو أساساً فرقة عسكرية، عندما تعمل في وضع مدني للحفاظ على الأمن، أوسع من صلاحيات الشرطة. وتوصي اللجنة بأن تنظر الدولة الطرف في إلغاء المرسوم الصادر في 22 يوليو/تموز 1943 أو تعديله لتقليص صلاحيات الدرك عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسلحة النارية في أوضاع الحفاظ على النظام العام، بحيث تنسجم مع تلك التي تتمتع بها الشرطة".

    وقاومت الحكومة الفرنسية بحزم القيام بأي شيء كهذا. بيد أن الوضع قد يتغير بسبب قرار حديث اتخذته محكمة النقض وقضى أن مرسوم العام 1903 لم يعد بالإمكان الدفاع عنه. ووفقاً للأنباء، أردي روموالد لافروي بالرصاص من جانب دركي بينما كان يقود سيارة غير مؤمنة في العام 1996. وكان يحاول تفادي حاجز على الطريق. وواجه الدركي تهمة القتل غير العمد، ولكن في العام 2001 برأت محكمة الاستئناف في كايين (كالفادوس) ساحته على أساس أن المرسوم 1903 سمح له بإطلاق الطلقة المميتة. لذا، لا يحق للعائلة أي تعويض. وأُحيلت القضية إلى محكمة النقض التي بدا أنها بنت قرارها على قانون القضايا الدولي، على حكم صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. إذ قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العام 1995 بأن حكومة المملكة المتحدة انتهكت الحق الأساسي في الحياة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عندما قتل موظفوها ثلاثة أعضاء عزل في الجيش الجمهوري الأيرلندي في العام 1998(؟) في جبل طارق. وصرحت المحكمة أن عمليات القتل كانت غير ضرورية. وأشارت إلى أنها "غير مقتنعة بأن قتل ثلاثة إرهابيين شكل استخداماً للقوة لم يتجاوز ما هو ضروري تماماً للدفاع عن الناس ضد العنف غير القانوني". وأنه لم يتم توخي الحذر المناسب في السيطرة على عملية الاعتقال وتنظيمها"، قضية مكَّان وآخرين ضد المملكة المتحدة السلسلة أ، رقم 324، الحكم الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 1995، الفقرتان 213 و212 على التوالي.

    9.2 مشكلة تحديد الهوية
    يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء القضايا التي تنتهي بأحكام براءة، أو بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد أفراد الشرطة بسبب صعوبة تحديد الهوية. ومشكلة تحديد هوية أفراد الشرطة الذين ربما تورطوا في انتهاك حقوق الإنسان تنشأ أساساً عندما لا يكون لدى ضحية مزعوم لانتهاكات الشرطة شهود مستقلون عن أفراد الشرطة؛ وعندما يرفض أفراد الشرطة أن يشهدوا ضد زملائهم أو عندما لا يطلب القائمون على التحقيق من أفراد الشرطة الإدلاء بشهاداتهم. كما تنشأ المشكلة بوضوح عندما يرتدي أفراد الشرطة ملابس مدنية وقد لا يرتدون رباط على الذراع أو ربما لا يضعون أرقاماً محددة بوضوح على لباسهم.

    وفي يناير/كانون الثاني 2005 أغلقت محكمة الاستئناف في باريس تحقيقاً في إقدام الشرطة على إساءة معاملة عبد الحميد هيشور وعبد الصمد أيادي في لاي – ليه – روز في 30 سبتمبر/أيلول 1999. وقبلت المحكمة أن العنف الذي مارسته الشرطة كان "غير قانوني" و"لا عذر له"، لكنها لم تتمكن من تحديد هوية أفراد الشرطة المسؤولين عنه من بين العديدين الذين كانوا حاضرين. ووفقاً للأنباء شاركت 25 فرقة من الشرطة في استجواب عقب حدوث سرقة ومطاردة بالسيارات. وحصلت عملية اعتقال صعبة. فقد ذكر بعض أفراد الشرطة الذين نجحوا في تقييد شابين أنه عقب حدوث ذلك، وجهت مجموعة أخرى من أفراد الشرطة (الذين لم تُكشف هويتهم) اللكمات إلى الشابين، وبخاصة إلى عبد الحميد هيشور الذي فقد وعيه. وفيما بعد عجز الضحيتان عن العمل كلياً لمدة 10 و9 أيام على التوالي. ورغم إجراء تحقيق من جانب قاضي التحقيق في كريتيّ، واجه فيه أفراد الشرطة بصورة منهجية أحد ضحايا سوء المعاملة، استحال تحديد هوية الفاعلين، ربما كما ورد بسبب العدد الكبير من أفراد الشرطة الذين شاركوا في الحادثة. لذا أُغلقت القضية في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2002، وجرى تأكيد ذلك القرار في يناير/كانون الأول 2005.

    وفي تقريرها السنوي للعام 2003 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية الشقيقين سمير ومنير حمودي، وكلاهما طالبان من أصل مغربي تعرضا للضرب المبرح على أيدي أفراد الشرطة في يوليو/تموز 2002، قبل وأثناء احتجازهما في مركز شركة سان – دنيس (سين – سان – دنيس). وأثناء احتجازهما لدى الشرطة نُقلا إلى ثلاثة مستشفيات مختلفة لمعالجة جروحهما. وأكدت المفتشية العامة للأجهزة أن أفراد الشرطة استخدموا العنف ضدهم بصورة خاطئة. وفُتح تحقيق قضائي في محكمة بوبينييه، ونقلت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن الأدلة الوثائقية إلى كل من النائب العام ووزير الداخلية. وأشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى الرد الذي تلقته من وزير الداخلية في العام 2002 والذي أفاد أنه من "السابق لأوانه" النظر في اتخاذ تدابير مسلكية، لأنه لم يتم تحديد مسؤولية شخصية محددة نظراً لعدد أفراد الشرطة الذين شاركوا في الهجمات.

    وتشدد قضية بابا تراوري (5-3) على المشكلة التي يواجهها أولئك الذين يحاولون تقديم شكوى عندما لا يوجد شهود بخلاف أفراد الشرطة وعندما لا يبدي أولئك الأفراد بدافع "التضامن"، استعداداً للشهادة ضد زملائهم. ويبدو أن هذا ما حصل أيضاً في قضية كريم لطيفي (5-4)، رغم وجود العديد من شهود العيان على الهجوم.

    ويشير التقرير الذي يحمل عنوان المواطنون – العدالة – الشرطة (المشار إليه آنفاً في هذه الفقرة)، إلى قضية اصطدم فيها رجل (لم يُذكر اسمه) في مشادة عنيفة مع عدة أفراد من الشرطة عند مغادرة مرقص في مولهاوس في 9 أغسطس/آب 2000. واقتيد الرجل الذي كان يتناول الخمر إلى مركز الشرطة. وخلال الرحلة وُجهت إليه صفعة قوية على وجهه تسببت بجروح قدَّر الأطباء أنها تحتاج إلى 27 يوماً للشفاء. وقدم الرجل شكوى. وأقرت المحكمة الإصلاحية في مولهاوس أنه تعرض لهجوم عنيف، لكنها برأت ساحة الشرطيين لأنها لم تتمكن من معرفة من منهما نفذ الهجوم.

    3. عمليات إطلاق النار المميتة التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون
    في العقد الماضي أعربت منظمة العفو الدولية بصورة متكررة عن قلقها البالغ إزاء الأنباء التي أفادت بأن أفراد الشرطة يلجئون إلى استخدام القوة بتهور وعلى نحو لا يتناسب أبداً مع الوضع. كذلك أعربت عن قلقها، كما ذُكر أعلاه، إزاء النتائج القضائية لهذه القضايا على صعيد عمليات التأخير في الإجراءات القضائية، والأحكام الرمزية وهياكل الاستئناف القاصرة بالنسبة للأطراف المدنية في القضية وإساءة استعمال "وسائل الدفاع" التي يمكن أن تعفي أفراد الشرطة من التبعة الجنائية.

    والحق في الحياة مكفول بموجب المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (لا يجوز استخدام القوة بدرجة تزيد على ما هو ضروري تماماً) والمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً) وعلاوة على ذلك، تقتضي المعايير الدولية من جميع الدول أن تضمن بأن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين :

    · "يستخدمون إلى أبعد حد ممكن وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية. وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق النتيجة المطلوبة".11
    · لا ينبغي استعمال الأسلحة النارية "إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرماً مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفاً غير كافية لكبح المشتبه به أو لإلقاء القبض عليه."12
    · إذا تعذر تفادي استخدام القوة، فإن المبدأ الخامس من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، ينص من جملة أمور على أنه يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة ما يلي :

    (أ) ممارسة ضبط النفس في استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم والهدف المشروع المراد تحقيقه،
    (ب) تقليل الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان،
    (ج) التكفل بتقديم المساعدة والإسعافات الطبية في أقرب وقت ممكن إلى الشخص المصاب أو المتضرر.

    كما تشدد المبادئ الدولية على أهمية مبدأ التناسب في تقدير ما إذا كان استخدام القوة مشروعاً ويتعذر تجنبه تماماً، من أجل حماية الأرواح. وينص المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين على أنه : "يتعين على الموظفين ... عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة" أو لمنع ارتكاب "جريمة بالغة الخطورة تنطوي على تهديد خطير للأرواح أو للقبض على شخص يمثل خطراً من هذا القبيل" وذلك "فقط عندما تكون الوسائل الأقل تطرفاً غير كافية لتحقيق هذه الأهداف". وتضيف المادة "وفي جميع الأحوال لا يجوز استخدم الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح."

    ويدعو المبدأ السابع الحكومات إلى أن تكفل : "المعاقبة على الاستخدام التعسفي للقوة أو الأسلحة النارية أو إساءة استخدامها من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين باعتبار ذلك جريمة جنائية بمقتضى قوانينها". كذلك تدعى الحكومات والهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين إلى "وضع إجراءات فعالة للإبلاغ والمراجعة" حيثما يؤدي استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين إلى إصابة أو وفاة.

    وينص المبدأ التاسع من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة13 على أن : "يجري تحقيق شامل عاجل نزيه عند كل اشتباه بحالة إعدام خارج نطاق القانون أو إعدام تعسفي أو إعدام دون محاكمة، بما في ذلك الحالات التي توحي فيها شكاوي الأقارب أو تقارير أخرى جديرة بالثقة، بحدوث وفاة غير طبيعية..." وينص المبدأ 18 على وجوب تقديم الجناة إلى العدالة. وينص المبدأ 11 على أنه حيث تكون إجراءات التحقيق المعتادة غير وافية بسبب الافتقار إلى الخبرة أو النـزاهة، أو بسبب أهمية المسألة أو حيث تقدم أسرة المجني عليه شكاوى من وجود أوجه القصور هذه أو تكون هناك أسباب جوهرية أخرى، "تواصل الحكومات التحقيق بواسطة لجنة تحقيق مستقلة".

    ويدعو المبدأ 20 إلى تقديم تعويض عادل وكاف خلال فترة معقولة إلى عائلات ومعولي ضحايا عمليات الإعدام هذه.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق، من جملة أشياء، إزاء التفسيرات الواسعة، وأحياناً الخيالية إلى حد ما "للدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"، وتحث السلطات على مراجعة تطبيق القانون من جانب المحاكم. وتتناول الفقرة أدناه خمس حالات من أصل عدد من الحالات الأخرى لعمليات إطلاق النار المميتة التي نظرت فيها المحاكم بين العامين 1995 و2003. وبما أن هذه الحالات حدثت قبل عدة سنوات وقد أُقفلت الآن، فمن الممكن وصف تاريخها اعتباراً من البداية وحتى النهاية؛ لكنها توضح أيضاً بواعث القلق المتواصلة. ولم يكن أي من الضحايا الذين جرى توثيق حالاتهم يحمل أسلحة نارية ولم يكن لعدد منهم أي سجل سابق لدى الشرطة.

    1.3 تودور بوغدانوفيتش
    من الأمثلة البليغة والتي أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها بشأنها في جلسة شفوية عقدتها اللجنة في العام 1997 قضية تودور بوغدانوفيتش، وهو طفل غجري من صربيا عمره ثماني سنوات أردته شرطة الحدود بالرصاص بالقرب من سوسبل (جبال الألب – البحرية) ليلة 19-20 أغسطس/آب 1995. 14 وكان تودور بوغدانوفيتش نائماً في المقعد الخلفي لإحدى السيارات التي تشكل جزءاً من قافلة قوامها 43 غجرياً حاولوا الوصول إلى فرنسا بعد الفرار من نوفي بازار. والقافلة التي كانت تتألف من أربع سيارات ومقطورتين كانت تتجه صعوداً عبر طريق جبلي ناءٍ في الظلام. وزعم شرطيا الحدود أنها عندما اقتربت من نقطة التفتيش حاولا إيقافها. وقالا إنهما كانا يرتديان زيهما الرسمي وكان هناك ضوء تحذيري في نقطة التفتيش. وعندما لم تتوقف السيارتان الأوليان – بطأتا السرعة في البداية، لكنهما ما لبثتا أن أكملتا طريقهما بسرعة، وتجنبتا سيارة الشرطة – أطلق شرطي ثلاث طلقات – واحدة على السيارة الأولى برصاصة مطاطية واثنتان على السيارة الثانية برصاص معدني، أدخلهما في البندقية نفسها التي تعمل بالدفع الخلفي عقب إطلاق الرصاصة المطاطية. وهذه البندقية من النوع الذي يحتاج إلى دفع خلفي منفصل قبل الضغط على الزناد عند إطلاق كل عيار ناري. وأصابت الرصاصتان اللتان أطلقتا على السيارة الثانية التي يقودها والد الطفل الزجاج الخلفي للسيارة من مسافة قريبة جداً، حيث اخترقتا كتف تودور بوغدانوفيتش وخرجتا من قفصه الصدري.

    وزعم أفراد عائلته أنهم لم يشاهدوا الضوء التحذيري ولا اللباس الرسمي، لكن فقط "ظلال"، وخشوا من أن يكون الرجال قطاع طرق. وزُعموا أن أضواء سيارة الشرطة كان مطفأة.

    وقدم أعضاء القافلة طلبات لجوء على الفور، لكن لم يُسمح إلا للأفراد المباشرين في العائلة بالدخول المؤقت إلى فرنسا. وفي اليوم الذي أعقب عملية القتل، طُرد بقية أعضاء القافلة، بينهم شاهد عيان واحد مهم على الأقل وربما عدد آخر من فرنسا، وبالتالي لم يتم أبداً إجراء مقابلة معهم طوال الإجراءات القضائية. وفي يونيو/حزيران 1997، قضى مجلس الدولة أن أوامر الطرد كانت غير قانونية. وبالتالي تم إلغاؤها.

    وفُتحت تحقيقات شرطية وقضائية. وزعم الشرطي المعني أنه شعر بأنه مهدد بالسيارات القادمة والتي بدا أنها تتجه نحوه بينما كان يقف على الطريق وأنه كان يتصرف دفاعاً عن النفس أو من قبيل "الدفاع المشروع". ولم يتمكن التحقيق الداخلي للشرطة الذي أجرته المفتشية العامة للشرطة الوطنية من إثبات تصرف الشرطي دفاعاً عن النفس وبحسب ما ورد خلص إلى أن الطلقتين اللتين صوبتا إلى السيارة الثانية أطلقتا قبل الأوان. كذلك نقل عن نائب وكيل النيابة في نيس قوله إن : "حجة الدفاع المشروع لا يمكن التمسك بها بدون تحفظ... ولا يمكن اعتبار الدفاع المشروع أمراً مسلماً به، بل يجب إثباته. والآن وفقاً للنتائج الأولية التي توصلت إليها المفتشية العامة للشرطة الوطنية يبدو أن الطلقات أطلقت قبل أوانها". وأُخضع الشرطي للتحقيق بتهمة القتل غير العمد وأُخلي سبيله تحت المراقبة القضائية. وقدمت عائلة بوغدانوفيتش شكوى كطرف مدني.

    بيد أنه في ديسمبر/كانون الأول 1996 قرر قاضي التحقيق رفض القضية. وبدا أن وكيل النيابة متفق مع القاضي على أن الشرطي تصرف بصورة غريزية ومن منطلق الخوف – أي أنه بعبارة أخرى خشي بشكل مشروع من أن حياته كانت في خطر من السيارات التي مرت بسرعة عبر نقطة التفتيش. وعلى الفور قدمت عائلة بوغدانوفيتش استئنافاً ضد الحكم. وأُحيلت القضية إلى شعبة الاتهام في محكمة الاستئناف في إيه – أون – بروفانس التي نقضت في ديسمبر/كانون الأول 1997 أمر إسقاط الدعوى. وقبلت المحكمة بأن مظهر الشرطيين كان يدل بوضوح على أنهما من الشرطة وقبلت بأن القافلة التي خشيت من الإعادة القسرية تعمدت مواصلة السير عبر الحاجز. بيد أن المحكمة جادلت أنه لكي يكون الشرطي قد استخدم سلاحه في دفاع مشروع، كان ينبغي أن يطلق النار بطريقة توقف السيارة الثانية قبل اجتيازها للحاجز. وعوضاً عن ذلك، أطلق النار جانبياً، من الورك ومن الخلف، فيما كانت السيارة قد اجتازت الحاجز فعلاً. كذلك ذكرت المحكمة أن الشرطي كان بحاجة إلى تشغيل آلية البندقية والضغط على الزناد في كل مرة يطلق فيها النار. ورغم أن الوقت الذي احتاجه لإطلاق كل طلقة كان قصيراً، إلا أنه قد يكون لا بل يجب أن يكون كافياً للسماح له باتخاذ قرار بعدم إطلاق النار حالما يكون أي خطر محتمل قد زال.

    وأُحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية الابتدائية في جبال الألب البحرية. وفي ديسمبر/كانون الأول 1998 برأت المحكمة الشرطي على أساس الدفاع المشروع. وطلب وكيل النيابة إنزال عقوبة اسمية على أساس أن ظروف الدفاع المشروع حُددت حالما مرت السيارة عبر الحاجز، لكن الشرطي لا يستطيع الزعم بأنه تصرف من قبيل الدفاع المشروع، بإطلاق النار، كما فعل، حالما تجاوزته السيارة. لذا، فالقضية تتعلق بالمدى.

    وأرسلت منظمة العفو الدولية محامياً لمراقبة المحاكمة. وأشار المراقب في التقرير الذي رفعه إلى المنظمة إلى "انطباعه الواضح" بأن وكيل النيابة لعب كما يبدو دور الدفاع، الأمر الذي سهَّل الدعوى كثيراً على الشرطي، ومن ناحية أخرى "زاد جداً من صعوبة" مهمة الأطراف المدنية

    والمحامي الذي يمثل عائلة بوغدانوفيتش. ولم يشر وكيل النيابة في أي وقت إلى أن الشرطي لم يكن بحاجة إلى إطلاق الرصاصة الثالثة والمميتة أو أن زميله، الشرطي الثاني، وجد أنه من غير الضروري استخدام سلاحه. وبالنسبة للسؤال المهم المتعلق بالوقت، توفر أمام الشرطي وقت كاف لتقرير ما إذا كان سيطلق النار، وجادل وكيل النيابة أن إدانة الشرطي تعني "نفي معنى" فعله بصورة مصطنعة بينما ينبغي على هيئة المحلفين أن تعتمد مقاربة "نفسية" وتنظر إلى فعله على أنه "الحركة الواحدة نفسها"، الناجمة عن قرار واحد. كذلك لاحظ المراقب أن القاضي الذي ترأس المحكمة لم يعطِ انطباعاً "بالحيدة الكاملة"، حيث أبدى تحيزاً واضحاً إلى جانب الدفاع (وفي هذه القضية النيابة) ضد الطرف المدني، وأشار إلى كثرة شهود الدفاع ضد شاهد واحد لمصلحة الطرف المدني. وذكر أن المحاكمة بدت، كما وصفتها إحدى الصحف أشبه "بتسجيل لأحداث حكم بالبراءة تم التنبؤ به."

    ولم يكن ممكناً في ذلك الوقت استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية ونظراً لموقف وكيل النيابة، فمن غير المحتمل حدوث استئناف حتى مع تغير القانون للسماح لأعضاء النيابة باستئناف أحكام البراءة.

    2.3 إيتيان لوبورنيو
    إن الموقف الذي اتسم بغرابة واضحة لاحظها المراقب المذكور أعلاه والذي بدا أن وكيل النيابة اضطلع فيه بدور الدفاع شكل أيضاً سمة لقضية سائق سيارة أجرة من غواديلوب، مبينة أدناه. ورغم أنه ما زال من المعتاد في فرنسا أن يؤيد أعضاء النيابة قضية الدفاع عن أفراد الشرطة ويطلبوا إما البراءة أو حكماً رمزياً، إلا أن دور وكيل النيابة في مثل هذه الحالة يثير التساؤل حول "تساوي المسافة" بين الادعاء والدفاع في المحاكم القضائية. ويعني هذا المبدأ، الذي يشكل جزءاً أساسياً من الحق في محاكمة عادلة، أن كلا الطرفين في المحاكمة يُعاملان على نحو يكفل تمتعهما بوضع متساوٍ من الناحية الإجرائية خلال سير المحاكمة، وأنهما في وضع متكافئ في عرض حججهما، بحيث تجري المحاكمات في ظروف لا تجعل أي من الطرفين في وضع مجحف بشكل جوهري تجاه الطرف المقابل.15

    وفي 6 يناير/كانون الثاني 1996، أوقف أفراد الشرطة إيتيان لوبورنيو، وهو سائق سيارة أجرة في باريس وُلد في غواديلوب، في مطار رواسي للتحقق من عداد الوقت الذي يسجل عدد الساعات التي عملها السائق. وفي محاولة للتهرب من التدقيق، أصاب شرطياً بجروح، حيث علقت ذراعه في الباب. وفي 9 يناير/كانون الثاني سد فريق يضم أربعة شرطيين الطريق أمام سيارته وأوقفوها في سان – أوين (سين – سان – دنيس). وترجل ثلاثة من أفراد الشرطة من سيارة الدورية. وركض اثنان نحو سيارته صائحين "الشرطة!" ورفض إيتيان لوبورنيو الخروج من سيارته. عندئذ حطم أحد أفراد الشرطة الزجاج الجانبي من ناحية السائق بقدمه وأمسك بخناقه. لكن فجأة خشي شرطي ثانٍ من وجود "شيء في سترة" السائق، فأطلق طلقتين على الأرض وما لبث أن تعمد إطلاق عيار ثالث عبر الزجاج المحطم لسيارة الأجرة، من مسافة لا تزيد على 10 سنتيمترات. واخترقت الرصاصة وجه إيتيان لوبورنيو. وزعم الشرطي أنه تصرف دفاعاً عن النفس، لأنه شاهد السائق يحمل "أداة سوداء" بيده، وخشي من أن يكون مسدساً. ويبدو أنها كانت علبة غاز صغيرة.

    وقدمت والدة إيتيان لوبورنيو شكوى بالقتل والشروع بالقتل ضد أفراد الشرطة، لكن وكيل النيابة طلب رفض القضية على أساس أنه لا وجه لإقامة الدعوى. وجادل أنه حتى لو بدا إطلاق النار المميت، عند استعراض الأحداث الماضية، بأنه غير متناسب مع "عدوانية" السائق، إلا أن الحادثة السابقة التي وقعت في مطار رواسي (عندما أُصيب شرطي بجروح في محاولة للهرب) والواقع الضاغط، عندما كان الشرطي يخشى بصورة مشروعة من أنه يواجه خطراً شديداً، يجب أخذهما أيضاً بعين الاعتبار. ولم يوافق قاضي التحقيق على ذلك. وساور قاضي التحقيق القلق إزاء القرب الشديد للمسافة التي أُطلقت منها النار على إيتيان لوبورنيو. كذلك شعر بالقلق لأنه وفقاً لأقوال شهود العيان، بما في ذلك شهادة شرطي آخر، لم تشبه "الأداة السوداء" التي كانت بيد سائق سيارة الأجرة (علبة غاز صغيرة) سلاحاً نارياً. وقررت شعبة الاتهام في محكمة استئناف باريس في مارس/آذار 1998 أن هناك أدلة كافية لإحالة الشرطي إلى محكمة جنائية ابتدائية بتهمة القتل الخطأ. وفي قرارها ذكرت هذه الشعبة من محكمة الاستئناف أنه "لا جدال" في أن تصرف الشرطي بإطلاق النار من مسافة قريبة جداً على سائق سيارة الأجرة كان غير متناسب، وحتى مع أخذ النقاط التي أثارها وكيل النيابة بعين الاعتبار، لا يمكن الجدال بشكل معقول بأن حياة الشرطي كانت مهددة بالخطر.

    ورغم هذه المشورة القانونية القوية، طالب وكيل النيابة بتبرئة ساحة الشرطي، حيث ذكر كما ورد أن إيتيان ليبورنيو اتخذ "موقفاً انتحارياً" برفضه الانصياع لأوامر الشرطة، ولذا كان يحق للشرطي إطلاق النار عليه. ووافقت هيئة المحلفين على رأي وكيل النيابة وتمت تبرئة ساحة الشرطي. ورغم الطبيعة الخلافية جداً للحكم الصادر في هذه القضية، لم يتمكن الطرف المدني من تقديم استئناف ضد حكم البراءة، وبموجب القانون ما زال لا يحق له أن يفعل ذلك. كما أنه لمما يثير القلق أنه عندما طالب بإسقاط الدعوى، بنى وكيل النيابة حجته على "الحادثة" الأولى التي جرت في رواسي، في حين كان من المفترض ألا يستند فعل أفراد الشرطة على أية معرفة بهذا الأمر أساساً.

    3.3 عبد القادر بوزين
    في ليلة 17 ديسمبر/كانون الأول 1997 أُردي بالرصاص عبد القادر بوزين البالغ من العمر 16 عاماً، وأحد سكان داماري – ليه – ليز (سين – إيه – مارن) عند حاجز للشرطة في فونتانبلو. وكان عبد القادر يقود سيارة بصحبة راكب آخر هو ابن عمه جمال بوشارب، 19 عاماً، عندما بدأت سيارة دورية تطاردهما، لأن السائق كما ورد كان يخالف نظام المرور.
    وعندما حاولت السيارة تجاوز حاجز مقام على الطريق في فونتانبلو فتح شرطيان تابعان للواء مكافحة الجريمة التابع للشرطة الوطنية، نار سلاحيهما فقتلا الفتى البالغ من العمر 16 عاماً برصاصة اخترقت قفا الرقبة. وركض الشرطيان كما ورد باتجاه السيارة بينما كانت تحاول اختراق الحاجز، وعندما وجدا نفسيهما على مسافة بضعة أمتار منها، خشيا من أن تدهسهما. وزعما أنهما أطلقا النار من سلاحيهما دفاعاً عن النفس. وأطلق أحدهما رصاصتين. وأطلق الشرطي الآخر رصاصتين أيضاً، ارتدت إحداهما بعد اصطدامها بجانب زجاج السائق واخترقت جسده عبر قفا العنق. وقدَّم جمال بوشارب، الذي سُحب من معقد الراكب، شكوى قضائية زاعماً فيها أنه جرت محاولة لقتله وأُسيئت معاملته. وكما ورد زعم شاهد مستقل أن جمال بوشارب تلقى لكمات على ظهره وبطنه، وطُرح أرضاً وضُرب ورُكل على رأسه. وزعم جمال بوشارب فيما بعد أن صديقه أصيب بالذعر عندما أدرك أن سيارة شرطة تتعقبهما وحاول اختراق الحاجز بالصعود على ضفة مزروعة بالنجيل على الجانب الأيمن لكنه داس على المكابح لتفادي سيارة شحن كان متوقفة، والتف في الاتجاه المعاكس وتوقف قبل إطلاق أية أعيرة نارية.16

    وفي أعقاب عملية القتل، اندلعت أعمال عنف في داماري بين أفراد الشرطة والشبان، الذين ينحدر العديد منهم من المهاجرين. وأطلقت عائلة عبد القادر بوزين نداءً لالتزام الهدوء.

    وبحسب ما ورد أشار تقرير خاص بالمقذوفات إلى أن كل واحد من الشرطيين أطلق رصاصتين من مسافة قريبة وأن اثنتين منها أُطلقتا داخل السيارة على مستوى الرأس أو الكتف بينما كانت السيارة تتجاوز الشرطيين أو تجاوزتهما فعلاً. لذا فإن زعم الدفاع المشروع كان موضع شك.

    وخلص قاضي التحقيق إلى أن الشرطيين يجب أن يحالا إلى المحكمة الجنائية الابتدائية. وقررت هيئة الاتهام في محكمة استئناف باريس وجوب إحالة شرطي واحد فقط – الذي أردى عبد القادر بوزين بالرصاص - على المحكمة الجنائية الابتدائية (محكمة سين – إي – مارن) بتهمة القتل وأنه يجب رفض القضية الأخرى لعدم وجود وجه لإقامة الدعوى. وفي 20 مارس/آذار 2001، ألغت محكمة النقض الأمر القاضي بمحاكمة الشرطي الأول أمام المحكمة الجنائية الابتدائية. وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2002 وافقت هيئة التعليمات في محكمة استئناف أورلينـز مع محكمة النقض وأُسقطت الدعوى المقامة ضده أيضاً (بأمر يقضي بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى) على أساس أنه تصرف دفاعاً عن النفس. ويتعارض القرار بشكل جذري مع ذلك الذي أصدره قاضي التحقيق وقضاة محكمة استئناف باريس الذين رفضوا التذرع بالدفاع عن النفس قبل سنة. واستأنف المحامي الذي يمثل عائلة بوزين قرار محكمة النقض. وفي فبراير/شباط 2003 أعلنت المحكمة المذكورة أن الاستئناف غير مقبول، لكنها لم تذكر الأسباب الكامنة وراء القرار. فأصاب ذلك العائلة بإحباط شديد. إذ أُردي ابنها بالرصاص وبعد خمس سنوات، ما زالت لا تدري لماذا قررت المحاكم عدم مقاضاة أفراد الشرطة المعنيين.

    4.3 حبيب ولد محمد
    أردى شرطي بالرصاص حبيب ولد محمد، وهو طالب محاسبة عمره 17 عاماً من أصل جزائري، في 13 ديسمبر/كانون الأول 1998. وأعقب ذلك عشرة أيام من أعمال الشغب. وبحسب ما ورد صرح وزير الداخلية بالإنابة أنه، وفقاً للمفتشية العامة للشرطة الوطنية، لم يتم احترام "التعليمات الأساسية"، وعندها طلب رئيس الوزراء في حينه من عائلة حبيب ولد محمد وأصدقائه أن يثقوا بنظام القضاء.

    وعند حوالي الساعة 3,30 من صباح 13 ديسمبر/كانون الأول 1998، ورد أن حبيب ولد محمد وصديقه "أمين"، ضُبطا وهما يحاولان الدخول عنوة إلى سيارة بي أم دبليو، كانت مركونة في موقف سيارات تابع لمدرسة في إحدى أحياء تولوز. وشاهدت دورية للشرطة مؤلفة من أربعة رجال شخصاً يترك سيارة الـ بي أم دبليو ويتجه إلى سيارة أخرى من طراز بيجو كانا قد وصلا فيها. وعلى الفور وضعت الدورية سيارتها بطريقة تمنع راكبي سيارة البيجو من الفرار. وشهر اثنان هما رقيب ومساعده سلاحيهما. واتخذ الرقيب وضعية إطلاق النار أمام السيارة، بينما قام الآخر بتغطيته من وراء السيارة. عندئذ توقفت سيارة البيجو.
    ا
    واستطاع أمين ب. رفيق حبيب ولد محمد، أن يلوذ بالفرار من الباب الأمامي للجانب الأيمن، وأثناء هروبه أوقع الشرطي المساعد على الأرض الذي ما بادر إلى إطلاق النار من سلاحه. وفي هذه الأثناء بينما كان الرقيب يحاول سحب حبيب ولد محمد من السيارة، وكان سلاحه ما زال بيده، انطلقت رصاصة من السلاح وأُصيب حبيب ولد محمد بجرح قاتل. وأفراد الشرطة ملزمون بتقديم تقرير كلما أطلقوا النار من سلاحهم، لكن في هذه القضية لم يتم تقديم مثل هذا الت
    قرير. وقرر الرقيب عدم الإبلاغ عن العيار الذي أطلقه الشرطي المساعد. وفي الوقت ذاته زعم أنه لم يدرك أنه هو نفسه أطلق عياراً، ولم يتكشف إلا فيما بعد أنه أطلق النار دون قصد. ورغم أنه سمع صوت عيار ناري، لم يفحص سلاحه في ذلك الوقت. وقال إنه اتخذ وضع إطلاق النار في البداية لأنه اعتقد أن الشابين سيحاولان الهرب عبر دهسه. وحاول تعطيل السيارة بالانحناء إلى داخلها لقطع الأسلاك، ثم اشتبك بالأيدي مع حبيب ولد محمد.

    وشوهد الأخير من جانب رفيقه وهو يتعثر في مشيته "بحركة بطيئة" في الشارع. وزعم الشرطيان أنهما بحثا عن الشابين الهاربين في سيارة الدورية، لكنهما لم يعثرا عليهما. ويبدو أنهما لم يقوما إلا ببحث عابر. وفيما بعد عثرت امرأة على جثة حبيب ولد محمد، حيث لاحظت أن الجثة كانت ملقاة على الأرض وكان جزء منها تحت سيارة متوقفة على بعد قرابة 100 متر من مسرح إطلاق النار.

    وحوكم الرقيب في الشرطة الذي اتُهم بارتكاب جريمة قتل غير عمد، أمام المحكمة الإصلاحية في تولوز في أغسطس/آب 2001. وأشارت التهمة إلى أن الشرطي قتل الشاب إما لكونه أخرق أو متهوراً أو غير متنبه أو مهملاً أو مقصراً في أداء واجباته القانونية والمهنية. وفي 6 سبتمبر/أيلول 2001 حكمت المحكمة على الشرطي بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ.

    وجادلت المحكمة بالقول إنه رغم أن العريف شهر سلاحه بشكل مبرر (طبيعة وأحوال الموقف؛ الظلام الخ) إلا أن أي خطر يجوز أنه واجهه زال حالما أصبح عند الجانب الأيسر من السيارة التي تم إيقافها. بيد أنه في هذه اللحظة ذاتها بدأ الشرطي الذي يحمل مسدساً بيده، يقترف "سلسلة عجيبة من الأفعال المتهورة والخرقاء والأخطاء المهنية".17

    وكما حدث في عدد من الحالات الأخرى المشابهة، قوبل الحكم بالصرخات الغاضبة والدموع من جانب الأصدقاء والأقرباء إزاء هذه العقوبة المتساهلة.

    5.3 رياض حملاوي
    أُردي رياض حملاوي، وهو رجل جزائري عمره 25 عاماً مقيم في ليل، بالرصاص في 16 إبريل/نيسان 2000 بينما كان في سيارة اشتُبه بأنها مسروقة وكان هو أحد ركابها. وكان عائداً من سهرة خارج المنـزل احتفالاً بعقد عمل جديد. وأطلق شرطي، كان واحداً من شرطيين اثنين استدعيا إلى مسرح سرقة سيارة ورد بلاغ حولها في شارع بلزاك في ليل- وهو شارع يقع في الجزء الجنوبي من المدينة، حيث يعيش العديد من المهاجرين – فأطلق النار على رياض حملاوي من مسافة قريبة واخترقت رصاصة عنقه، فقتلته على الفور. وكان كل من رياض حملاوي وصديقه أعزلين وخرج السائق من السيارة، لكن رياض حملاوي، الذي ظل في الداخل، ذكر الشرطي أنه قام بحركة مفاجئة، دعته إلى الخوف على حياته. كما أن الشرطي ساق حجة الليل الدامس وتكثف بخار الماء على زجاج السيارة كعاملين يبرران فعلته. وأُخضع الشرطي للتحقيق بتهمة "القتل العمد". واعتُقل وأوقف عن الخدمة في قوات الشرطة بانتظار نتيجة التحقيقات. وأُخلي سبيله بعد بضعة أيام.

    وفي 4 يوليو/تموز 2002، أُدين الشرطي بالقتل الخطأ بعد أن أسقطت هيئة المحلفين تهمة القتل العمد. وحكمت عليه المحكمة الجنائية الابتدائية في نور بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ ومنعته من الخدمة في قوات الشرطة. كذلك مُنع من حمل السلاح أو استخدامه لمدة خمس سنوات. وقام رئيس المحكمة بخطوة غير معتادة في تلاوة إعلان تعتقد فيه المحكمة أن "الوفاة الظالمة" لرياض حملاوي لم تكن عملية قتل متعمدة، بل جاءت نتيجة "سلسلة من الحماقات" النابعة من حالة الذعر، لأن الشرطي شعر أنه مهدد بأخطار لم تكن في الحقيقة قائمة. ورأت المحكمة أنه لا فائدة للمجتمع ولعائلة الضحية من سجن الشرطي. وفي الواقع، اتخذت موقفاً عزت فيه الفعل الذي اقترفه الشرطي إلى 11 شهراً من التدريب "الرديء" في كلية الشرطة، على حد قول المحامي الذي دافع عنه، وأنه لم يكن ببساطة مهيئاً للعمل الذي تولاه.

    ومن ناحية أخرى جادل محامي العائلة بأن القتل كان بالفعل عملاً متعمداً. وأيد وكيل النيابة هذا التوجه، طالباً إصدار عقوبة بالسجن لمدة ست سنوات. وقال إنه لكي تُطلق الرصاصة، لا بد من وجود ضغط قوي ومتعمد على الزناد. وكان لا يبعد إلا 50 سنتمتراً عن الضحية ويعرف أنه لا يمكن ألا أن يقتله أو يجرحه. وليس من المجدي التخفي وراء مقولة الذعر أو الإجهاد. بيد أن موقف وكيل النيابة ربما ضعف عندما ورد أنه لم يعترض على قرار المحكمة بتوجيه تهمة متممة حول التسبب "بصفعات مميتة" تنطوي على عقوبة بالسجن أخف من "القتل العمد"؛ كذلك أسقطت هذه التهمة.

    ورغم الإدانة، فإن طبيعة الحكم الصادر أغضبت العائلة والأصدقاء وكانت موضع انتقاد من جانب آخرين، بينهم وزير فرنسي سابق لاحظ أن القرار تأثر "بالمناخ الذي تسوده العقلية الأمنية" و"لم يكن من النوع الذي يوحي بالثقة في نظام القضاء ببلادنا".18

    وفي 15 يوليو/تموز 2002 صرحت النيابة العامة في دوي أنها لن تستأنف الحكم الذي أدى إلى عدة ليالٍ من العنف في منطقة جنوب – ليل حيث كان يعيش رياض حملاوي.
    والد ووالدة وأخت رياض حملاوي، الذي أردي بالرصاص على أيدي الشرطة في إبريل/نيسان 2000

    4. الوفيات في حجز الشرطة
    تنص المادة 10 من مدونة قواعد آداب الشرطة على أن أي شخص يعتقل "يوضع تحت مسؤولية الشرطة وحمايتها". وينبغي على أفراد الشرطة أن يمتنعوا عن ارتكاب "جميع أعمال العنف أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة". وينبغي على أفراد الشرطة الذين يكونون شهوداً على سوء المعاملة أن يتخذوا خطوات لوضع حد لها أو للفت انتباه السلطات المختصة إليها. وعلاوة على ذلك "ينبغي على أفراد الشرطة الذين يحتجزون شخصاً يحتاج إلى رعاية خاصة أن يحيطوه بالرعاية الطبية، وإذا دعت الحاجة، أن يتخذوا تدابير لحماية حياة ذلك الشخص وصحته."

    ونادراً ما تحدث وفيات كنتيجة مباشرة لتعرض شخص عمداً للضرب حتى الموت. بيد أن القلق يساور منظمة العفو الدولية من أن الوفيات التي تحدث في الحجز تنجم في أغلب الأحيان عن مزيج من أفعال العنف أو القوة المفرطة التي ترتكبها الشرطة في سياق عمليات التدقيق في الهوية التي تتحول إلى أعمال عنف أو الاعتقال الصعب أو في بعض الحالات (النادرة) الإبعاد القسري. وقد تنطوي هذه الأفعال على إمكانية الاختناق من الغاز المسيل للدموع الذي يُرش أو الاختناق الوضعي بسبب أساليب التقييد، فضلاً عن الضرب البدني. ويمكن لمجموعة من هذه الأفعال أن تؤدي إلى حالات وفاة غالباً ما تُعزى إلى "سكتة قلبية" – وهي عبارة لا معنى لها بحد ذاتها، لأن جميع حالات الوفاة تنجم عن توقف القلب عن الخفقان.

    وفي الحالات المبينة أدناه، تعرض ثلاثة أشخاص لأساليب التقييد التي قد تكون أدت إلى الاختناق الوضعي.

    وعند فتح تحقيق في حالة وفاة في الحجز ويوضع بين يديّ قاضي التحقيق بناء على طلب النائب العام، يتلقى أقرباء الضحية أو أولئك الذين يمثلونه إشعاراً تلقائياً بأنهم يستطيعون الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني. بيد أنه في الماضي إذا لم ينضم أقرباء الضحية إلى الإجراءات القضائية كطرف مدني، لم يكونوا يحاطون علماً بنتائج الشكوى. وتم الطعن في هذه الممارسة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

    وفي حكم حديث صدر في يوليو/تموز 2004 حول وفاة محسن سليتي الذي كان محتجزاً في مركز الاعتقال الإداري في مرسيليا – أرينك العام 1999، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن فرنسا انتهكت المادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (الحق في الحياة) من خلال التقاعس عن إحاطة شريكته السيدة دليلة سليماني علماً بالإجراءات القضائية أولاً بأول. وزعمت السلطات الفرنسية أنه لا يحق لشريكته أن تُحاط علماً بالتحقيق القضائي في الوفاة لأنها لم تنضم إلى الإجراءات كطرف مدني. وذكَّرت المحكمة فرنسا أنه عندما يموت معتقل في ظروف تختلف بشأنها الآراء، تقتضي

    المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان من السلطات إجراء تحقيقات رسمية فعالة بمحض اختيارها حالما تتناهى القضية إلى علمها للتمكن من معرفة سبب الوفاة، ويجب تحديد الشخص المسؤول عن الوفاة ومعاقبته. "والمطالبة، كما فعلت الحكومة الفرنسية، بوجوب أن يقدم أقرباء الرجل المتوفى شكوى تضمهم إلى الإجراءات كطرف مدني، تتعارض مع هذه المبادئ وحالما تعلم بحدوث وفاة في ظروف تثير الشبهات، ينبغي على السلطات أن تجري، بطبيعة الحال، تحقيقاً يعطي أقرباء الشخص المتوفى حقاً تلقائياً متكافئاً في الاطلاع عليه."19

    والحالات الخمس الواردة هنا هي من ضمن تلك التي تمكنت منظمة العفو الدولية من متابعتها بالتفصيل حتى النهاية.

    1.4 عيسى إهيش
    في مايو/أيار 1991 توفي عيسى إهيش،20 وهو طالب عمره 18 عاماً، ويعاني من حالة ربو مزمنة، في أعقاب إصابته بنوبة ربو في مركز شرطة مانت – لا – جولي، بعدما تعرض للضرب المبرح وهو مستلقٍ على الأرض.

    وكان عيسى إهيش قد اعتُقل عقب اندلاع اضطرابات أقدمت فيها مجموعة من الشبان على مهاجمة السيارات ورشق أفراد الشرطة الحجارة، وقد انهال عليه أفراد الشرطة بالضرب بالهراوات قبل أن يقتادوه إلى مركز الشرطة، حيث احتُجز لمدة 36 ساعة حتى وفاته.

    و
    في العام 1992، اتهم قاضي تحقيق طبيباً مناوباً في مركز الشرطة بالقتل الخطأ استناداً إلى إهمال طبي مزعوم. (لم يشر إلى الربو الذي يعاني منه عيسى إهيش في الشهادة الطبية التي طلبها الأخير ولم يُعطِ تعليمات للشرطة تتعلق بمعاملة المعتقل أو بأوضاع الاعتقال). بيد أن وكيل النيابة لم يطلب إحالة أي شرطي إلى المحاكمة، واتُخذ قرار بعدم مقاضاة أفراد الشرطة. وفي العام 1997 فقط، وبعد معركة إجرائية طويلة خاضها محامو العائلة، ألغت هيئة الاتهام في فرساي هذا القرار في قضية أفراد الشرطة الثلاثة. وواجهوا تهم الاعتداء المتعمد بالأسلحة.

    وفي هذه الأثناء، فإن الجدل الذي دار حول حقيقة أن عيسى حُرم من الحصول على العقاقير الطبية، أدى في العام 1993 إلى إجراء إصلاحات في أوضاع الحجز لدى الشرطة، تسمح بزيارة من الطبيب في بداية حجز الشرطة.

    وفي 23 يونيو/حزيران 1999، بعد مضي ثماني سنوات على الوفاة، أمرت هيئة الاتهام في محكمة الاستئناف في فرساي بإجراء محاكمة رجال الشرطة الثلاثة والطبيب أمام المحكمة الإصلاحية.

    وفي 20 مارس/آذار 2001، حكمت المحكمة الإصلاحية في فرساي على شرطيين اثنين تابعين للواء المحلي المدني بعقوبة رمزية بالسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ لارتكابهما أفعال عنف. وحُكم على الطبيب بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ. وبُرئت ساحة الشرطي الثالث. وأُدين رجال الشرطة بارتكاب أفعال عنف خلال الاعتقال وبعده مباشرة وتبين أن لها صلة غير مباشرة بوفاته. وشهد أفراد من جهاز شرطة آخر هو سرية الأمن الجمهورية بأن عيسى إهيش تعرض للضرب بهراوة على رأسه وجسمه ويديه بينما كان مستلقياً على الأرض دون حراك.

    وطوال المحاكمة لم يقبل وكيل النيابة أنه تتوافر أدلة كافية ضد أفراد الشرطة، وفي المحاكمة طلب عدم إدانتهم. وقدم أفراد الشرطة استئنافاً ضد الحكم، وفي فبراير/شباط 2002، خُفضت عقوبة بالسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ إلى ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ، وبالتالي جعلت أفراد الشرطة يستحقون عفواً وسمحت لهم بمواصلة عملهم في جهاز الشرطة. أما الحكم الصادر ضد الطبيب فقد جرى تأكيده.

    2.4 محمد علي سعود
    تشكل وفاة محمد علي سعود الذي كان تعرف الشرطة أنه يعاني من مرض عقلي عند إلقاء القبض عليه، مثالاً حياً على الإفلات من العقاب. وهذه قضية شخص حتى عقب السيطرة عليه ورغم أنه أُصيب برصاصات مطاطية، جرى الإمساك به وهو مقيد إلى أن اختنق بصورة بطيئة حتى الموت خلال فترة تتراوح بين 15 و20 دقيقة بينما طُلب من المسعفين الطبيين إسعاف أفراد الشرطة (الذين أُصيبوا بجروح طفيفة). وفي هذه القضية المقلقة جداً لم يُحمَّل أحد المسؤولية. وحقيقة كون الاعتقال صعباً للغاية ويتعلق بشخص ليس مسؤولاً بصورة صحيحة عن أفعاله، وجرى إبلاغ الشرطة مسبقاً بحالته الصحية وضعفه المحدد، لم تبدُ ينظر القاضي أنها تستدعي المتابعة عبر المحاكم، رغم أن دراسة القضية (المبينة أدناه) تظهر أن أفرد الشرطة ارتكبوا سلسلة من الأخطاء الخطيرة وحتى المريعة. وإلى جانب حقيقة أن العدالة لم يُنظر إليها في هذه الحالة على أنها أخذت مجراها، وتُركت عائلة في حالة حزن شديد لم تتم معالجته، فإن تقاعس المحكمة عن متابعة القضية يعني أن دروساً مهمة لم يتم تعلُّمها.

    وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 توفي محمد علي سعود وهو مواطن فرنسي وتونسي من أصل تونسي، في فور-بلان بطولون، بينما كانت الشرطة تقيده. وأُصيب محمد علي سعود، الذي كان يعيش مع والدته وشقيقاته في فور-بلان بمرض اكتئابي بعدما عاد إلى بيته من الخدمة العسكرية في العام 1994. وتدهورت حالته في أعقاب وفاة والده في العام 1997 وسُجِّل كشخص يعاني من عاهة عقلية بنسبة 80 المائة. وأصبح في حالة هياج شديد بعد عراك مع جار له في 20 نوفمبر/تشرين الثاني وشوهد على شرفة الدور الأرضي في شقته وهو يحمل قضيباً حديدياً وهراوة بيسبول. ثم أمسك بإحدى شقيقاته وقيَّد قدميها. فاستدعى الجيران الشرطة، وطلب أفراد عائلته من الشرطة استدعاء طبيب أو خدمات الإسعاف الوطنية محذرين إياها بأنه مريض عقلياً وبحاجة إلى عقار مهدئ. بيد أنه لم يتم فعل ذلك كما يبدو. وفي هذه الأثناء وصل ما بين 20 و30 شرطياً.

    وبعد تدخل أحد الجيران، أطلق محمد علي سعود سراح شقيقته، لكنه ما لبث أن أمسك بالشقيقة الأخرى و"ضربها" مرتين على ظهرها بالقضيب الحديدي في محاولة ظاهرة لحملها على مغادرة المنـزل. وبعد أن صرخ به محذراً شرطي يحمل مسدساً يطلق رصاصاً مطاطياً، أطلق ثلاث رصاصات مطاطية على محمد علي سعود الذي كان يركض جيئة وذهاباً على الشرفة. وأصابته رصاصتان في بطنه. ورغم إصابته، لم يتم استدعاء الخدمات الطبية. وتسلق بعض أفراد الشرطة على جدار الشرفة وفي عراك كسر فيه معصم أحد أفراد الشرطة، انتـزعوا القضيب الحديدي منه. ثم جثا محمد علي سعود على ركبتيه وهو مصاب بحالة ذعر أعمى، فتمكن من الإمساك بسلاح أحد أفراد الشرطة. وفي العراك المتواصل، انطلقت عدة طلقات طائشة وأُصيب أحد أفراد الشرطة في إصبع قدمه. وأُصيب ثلاثة من أفراد الشرطة بجروح قبل أن يتم تقييده. وقُدِّمت لهم إسعافات أولية من جانب عائلة سعود بانتظار وصول المسعفين الطبيين الذين وصلت بعدهم خدمات الإسعاف الوطنية.

    وزعم أفراد العائلة أنه عقب استرداد السلاح، بدأ سبعة أو ثمانية من أفراد الشرطة يضربون محمد علي سعود بقبضاتهم وهراواتهم، وشدوه من شعره ووجهوا إليه الشتائم أيضاً. وزعمت ياسمينة سعود أنه بينما أمسك شرطيان بذراعي شقيقها خلف ظهره، تعرض للضرب على رأسه ويديه. وأجبر على الاستلقاء على وجهه على الأرض وكُبلت يداه وقدماه. ووضعت يداه فوق رأسه. وعندها كانت الساعة قد شارفت على الحادية عشرة صباحاً. وزعمت العائلة، لاسيما ياسمينة ووالدتها مجهودة سعود أنه ظل يتعرض للضرب بالهراوات على رأسه وظهره حتى بعد أن تم تقييده، وأنه رغم إصابته برصاصة مطاطية في بطنه، كان يتعرض للركل على بطنه وظهره. وأمسك به ثلاثة من أفراد الشرطة على الأرض. فجلس أحدهم على ظهره وهو منفرج الساقين، وضغط بذراعيه على كتف محمد علي سعود، وبإحدى ركبتيه على ظهره؛ وداس ثانٍ بقدمه على عنق محمد علي سعود وأمسك ثالث بكاحليه. وفيما بعد وُجدت علامات مسامير على جسمه عزيت إلى ضربه بقطعة خشب بها مسامير. وثُبِّت على الأرض، وهو مقيد، مدة تصل إلى 30 دقيقة. وخلال جزء من هذا الوقت كان ما زال هائجاً وينادي والدته.
    ووصل المسعفون الطبيون عند الساعة الحادية عشرة واثنتين وعشرين دقيقة. وعند وصولهم، سأل الشاويش المسؤول عما إذا كان يجب عليهم أن يهتموا بمحمد علي سعود أولاً، لكن قيل له أن ذلك ليس ضرورياً، وأنه يجب تقديم الرعاية الطبية أولاً لأفراد الشرطة الجرحى. وزعمت ياسمينة سعود أنه بين الساعة 11,30 و11,35 رأت أن يديّ شقيقها ووجهه أصبح "بنفسجي" اللون. وفي الوقت ذاته تقريباً أي بعد 10 أو 15 دقيقة من وصول المسعفين ال
    طبيين، ذكر أحد أفراد الشرطة أن محمد علي سعود "لم يكن على ما يرام". وعندها فقط اهتم به المسعفون الطبيون محاولين إجراء تنفس اصطناعي له، لكن دون جدوى. ولوحظت رسمياً وفاة محمد علي سعود في تمام الساعة 12,30 بعد الظهر. ورغم أن أفراد العائلة، كانوا في حالة ذهول واضح، فقد اقتيدوا فوراً إلى مركز الشرطة للاستجواب.

    وأُجري تشريح للجثة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني من جانب أطباء شرعيين تابعين لوحده الطب في منطقة طولون. وخلص تقرير التشريح إلى أن سبب الوفاة لا يمكن التثبت منه بوضوح. وأشار إلى وجود عدة جروح ورضوض دموية على الرأس والعنق والصدر والبطن والرسغين والساقين. واحتوت المعدة والأمعاء الدقيقة على دماء. وتبين أن الجروح الأحشائية تتماشى مع "صدمات أو ضغط مباشر على الجزع."21 ورغم عدم وجود كسور، لم يتم إجراء فحص بالأشعة السينية للتأكد من عدم وجود كسور، رغم وجود تقرير للشرطة أشار كما يبدو إلى وجود كسر في الجمجمة. ولم تلتقط السلطات القضائية أية صور للجثة، رغم أن الصور التي التقطها الأقارب في المشرحة تبين أن الجثة كانت مغطاة بعلامات. وجرى فحص للأعضاء المصابة في الجسد في 15 يناير/كانون الثاني 2000. وخلص إلى أن الجروح يمكن أن تعزى إلى "الاختناق الوضعي". وأكد فحص طبي اختصاصي مؤرخ في 27 مايو/أيار 2000 أن محمد علي سعود توفي كنتيجة مباشرة لتثبيته على الأرض وهو مقيد، ويداه وقدماه مكبلتان والضغط على ظهره.

    وفتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية تحقيقاً. وأجرت مقابلات مع أفراد العائلة وأفراد الشرطة والشاويش (الرقيب) المسؤول عن المسعفين الطبيين وأحد موظفي قسم الإسعاف في المستشفى، لكنها كما ورد لم تجر مقابلات مع المسعفين الآخرين أو أطباء المستشفى ولا أي من الجيران الذين كانوا شهوداً على الأحداث. وخلص التحقيق إلى أن أفراد الشرطة تصرفوا "بدفاع مشروع" ضد "شخص يستخدم قضيباً حديدياً وهراوة بيسبول". ووجد أن الضربات التي تلقاها محمد علي سعود كانت متناسبة مع الإصابات التي ألحقها بأفراد الشرطة، ومن ضمنها الكسور كما قيل، وبُررت حقيقة تثبيته على الأرض "لمدة 30 دقيقة تقريباً" بالجروح التي أُصيب بها أفراد الشرطة ومشاكل الحصول على الرعاية الطبية وغياب أية وسيلة طبية لتهدئته – وهو ما طلبته العائلة حالما وصل أفراد الشرطة إلى مسرح الحادثة.

    وأُفرج عن جثة محمد علي سعود على وجه السرعة، بناء على أمر النائب العام لدفنها في تونس. وشعرت العائلة بالقلق من حدوث هذا الأمر قبل توضيح التناقضات التي شعرت بأنها ظهرت بين تقارير الشرطة وتقارير التشريح وقبل إجراء مزيد من الفحوص.

    ومن ناحية أخرى، لم يفتح تحقيق قضائي لمدة شهرين، لأن النيابة العامة كما ورد لم تر ضرورة في إبلاغ قاضي التحقيق فوراً. ونتيجة للقلق الذي ساور العائلة إزاء عدم إحراز تقدم في القضية، انضمت العائلة إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني في الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 1999، وتقدمت بشكوى رسمية بموجب المواد 221-224 من قانون العقوبات المتعلقة "بالقتل العمد المرتكب ضد شخص ضعيف جداً". ولم يُحل وكيل النيابة القضية إلى قاضي التحقيق إلا في 14 يناير/كانون الثاني 1999 على الأساس الجامع "للقتل العمد أو الخطأ" وطُلب من المفتشية العامة للشرطة الوطنية إجراء مزيد من التحقيقات. وكانت العائلة تعتقد أنه نظراً لأن تقرير التشريح لم يعثر على سبب الوفاة، فإن التحقيق الأصلي للشرطة الذي برأ أفراد الشرطة قد أُجري على عجل وكانت الخلاصة التي توصل إليها، ومفادها أن تصرف أفراد الشرطة كان دفاعاً عن النفس، سابقة لأوانها. وخوفاً من أن يفتقر تحقيق المفتشية العامة إلى الحيدة الضرورية، طالبت العائلة بأن تجري هيئة مختلفة تابعة للشرطة أي تحقيق تكميلي، وفي هذه الحالة الدرك البحري، لكن طلبها رُفض.

    وجرت إعادة تمثيل الأحداث في 22 يونيو/حزيران 1999. وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000 أصدر قاضي التحقيق الملحق بمحكمة طولون قراراً بعدم وجود وجه لإقامة دعوى بشأن الوفاة. وخلص القاضي إلى أن أفراد الشرطة وجدوا أنفسهم في موقف محفوف بالخطر ولم يتصرفوا بصورة إجرامية. وقُدِّم استئناف ضد القرار في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2000 من جانب المحامي الذي يمثل الطرف المدني. وفي 4 يناير/كانون الثاني 2001 أكد أمر صادر عن شعبة التحقيق في محكمة الاستئناف في إيه-أون-بروفانس عدم وجود وجه لإقامة الدعوى. وتبين للمحكمة أن محمد علي سعود كان يعني من مشاكل عقلية خطيرة وأنه أصيب برصاصتين مطاطيتين في بطنه، لكنه استمر في المقاومة، التي أصيب خلالها بعض أفراد الشرطة بجروح. وخلص إلى أن المسعفين الطبيين اعتنوا به عندما لزم الأمر. لكن من الواضح أن هذا ليس ما حصل. ولم توضح المحكمة لماذا لم يتم إسعاف الضحية فوراً إذا كان قد أُصيب مرتين في بطنه. كما أنها لم توضح لماذا واصل أفراد الشرطة الإمساك بالضحية في وضع يسبب الاختناق بعد فترة طويلة من تكبيل يديه وقدميه بالأصفاد والأغلال. وظلت الأسئلة الأخرى دون جواب. فلماذا مثلاً، إذا كانت الشرطة قد حُذِّرت في البداية من أن محمد علي سعود بحاجة عاجلة إلى مساعدة طبية، لم تُرسل في طلبها فوراً تماشياً مع المادة العاشرة من مدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية؟
    ويُنتظر حالياً إجراء تحقيق في القضية من جانب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

    3.4 سيدني مانوكا نزيزا
    توفي سيدني مانوكا نزيزا، وهو ملاكم هاوٍ شاب من أصل زائيري، في الحجز في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 في توركوانغ (نور) عقب عملية اعتقال رافقتها أعمال عنف. وأُخضع أربعة من أفراد الشرطة للتحقيق بشأن إمكانية توجيه تهم بالقتل الخطأ والتقاعس عن تقديم المساعدة إلى شخص في خطر. وأُوقف ثلاثة من أفراد الشرطة عن الخدمة، بانتظار نتيجة التحقيق القضائي، بناء على أمر صادر عن وزير الداخلية بالوكالة. وأُخضع شرطيان آخران للتحقيق مع إمكانية اتهامهما بالتقاعس عن تقديم المساعدة. وخلص تشريح للجثة بأن الوفاة نجمت عن "عملية اختناق بسبب الضغط على القفص الصدري". وكان من المنتظر أن تحدد هيئة التحقيق في الشكاوى المتعلقة بالشرطة، وهي المفتشية العامة للشرطة الوطنية، ما إذا كان قد تم احترام القواعد المتعلقة بعمليات توقيف واستجواب المتهمين من قبل الشرطة عند تنفيذ الاعتقال.

    وقُبض على سيدني مانوكا نزيزا بعدما تلقت الشرطة بلاغاً حول حادثة مرورية في البلدة تتعلق بالملاكم الذي كان يرتدي زلاجات بعجلات وبسائق سيارة (شرطي متقاعد) ورد أن مرآة سيارته أصيبت أو انتـزعت خلال نزاع. وقُبض عليه بعد أن أكمل طريقه. وشارك اثنان من أفراد ألوية مكافحة الجريمة مدعومان بأربعة آخرين في عملية الاعتقال، بعدما رفض الصعود إلى سيارة الشرطة. ووفقاً للأنباء، بعدما ثُبت سيدني مانوكا نزيزا على الأرض بالقوة، حاول النهوض مجدداً. فطرح مرة الأخرى على الأرض بالقوة. وضغط شرطي بركبته على عظمتي كتفه؛ وضغط شرطي آخر على فخذيه بهراوة، وجلس شرطي ثالث على ساقيه، بينما قيده رابع من كلا معصميه وكاحليه. وأنكر أفراد الشرطة أنهم وجهوا إليه صفعات أو ضربوه. وزعموا أنهم كانوا يعتقدون بأنه "يتظاهر" بالإغماء في الطريق إلى مركز الشرطة. ونقل إلى مركز شرطة توروكوانغ، حيث ورد أنه وُضع في زنزانة، رغم أنه بحلول ذلك الوقت كان إما قد انهار أو مات فعلاً. وذكرت منظمة أس أو أس لمناهضة العنصرية، التي أصبحت طرفاً مدنياً في القضية، أنها جمعت شهادات شهود العيان التي تفيد أن سيدني مانوكا نزيزا انهار على الرصيف قبل وصوله إلى مركز الشرطة، وأشارت إلى أنه كان يجب تقديم المساعدة الطبية له فوراً.

    وخلال المحاكمة، ساق محامي العائلة الحجج القائلة إن سيدني مانوكا نزيزا توفي لأنه لم يتم احترام مدونة قواعد سلوك الشرطة. بيد أن النائب العام أشار إلى صعوبة عملية الاعتقال وإلى "سلسلة من الأخطاء الفاضحة" التي ارتكبها أفراد الشرطة. ومع ذلك، بوصفهم أفراداً في ألوية مكافحة الجريمة، كانوا مدربين على أساليب السيطرة والتقييد.

    وفي 7 يوليو/تموز 2000، أدين اثنان من أفراد ألوية مكافحة الجريمة بتهمة القتل الخطأ وحُكم عليهما بعقوبة اسمية بالسجن لمدة سبعة أشهر مع وقف التنفيذ من جانب المحكمة الإصلاحية في ليل. وجرت تبرئتهما مع ثلاثة آخرين من تهمة التقاعس عن مساعدة شخص في خطر. وطلب النائب العام توقيع عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ تتراوح مدتها بين 10 أشهر و12 شهراً. واحتجت عائلة الضحية والأطراف المدنية على العقوبة المتساهلة. وطُردت والدة الرجل المتوفى من المحكمة عندما قالت باستغراب "قتلتم ابني لتعطوني 40000 فرنك "(مشيرة إلى قيمة التعويض). ووُجهت إلى عمته التي أهانت القضاة عقب سماع الحكم، تهمة رسمية "بإهانة قاضٍ".

    وصرَّح محامي العائلة أنه سيتم تقديم استئناف. لكن في مارس/آذار 2001، أيدت محكمة الاستئناف في دوي عقوبات السجن الأصلية التي اقترنت بوقف التنفيذ.

    4.4 إدوارد سالومو نسومبو
    في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2001، توفي إدوارد سالومو نسومبو، وهو من رعايا جمهورية الكونغو الديمقراطية، في أعقاب عملية تدقيق في الهوية من جانب الشرطة في ظروف اختلفت بشأنها الآراء في وسط باريس. وأُوقف إدوارد سالومو نسومبو الذي غادر تواً مطعماً يقع في ميدان بلاس دو بيغال أو بالقرب منه، بينما كان ينطلق بسيارته مع صديق له. وحصلت مجادلة كلامية حادة، وكما يبدو قاوم محاولة تكبيل يديه بالأصفاد. وبحسب ما ورد طُرح أرضاً بالقوة ورُش بالغاز المسيل للدموع قبل نقله إلى مركز الشرطة في شارع ري دو بارم. وفي مركز الشرطة فقد وعيه ونقله أفراد الشرطة إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة على الطريق.

    ووفقاً لتشريح الجثة، توفي إدوارد سالومو نسومبو ("ليس جانحاً" بحسب الشرطة)، نتيجة نوبة قلبية أُصيب بها عقب اعتقاله. ويبدو أن التشريح لم يعثر على أية علامات على إصابته بجرح رضي باستثناء تلك الناجمة عن محاولة إنعاشه بالتنفس الاصطناعي، لكن قريباً له كان شاهداً على عملية التدقيق في الهوية ذكر أنه تعرض "للضرب" والرش بالغاز المسيل للدموع، وأن العنف الذي مارسته الشرطة قد يكون أدى إلى وفاته. وطلب النائب العام من المفتشية العامة للأجهزة أن تفتح تحقيقاً. بيد أن المفتشية خلصت إلى أنه الشرطة لم ترتكب أعمال عنف، ولم يُفتح تحقيق قضائي. وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، انضمت العائلة، التي شعرت بالقلق إزاء عدم إحراز تقدم في التحقيق، إلى الإجراءات كطرف مدني، حيث قدمت شكوى ضد الشرطة بسبب "أفعال العنف المتعمد التي أدت إلى الوفاة".

    وأثارت منظمة العفو الدولية القضية مع وزير الداخلية الذي أبلغ المنظمة في أكتوبر/تشرين الأول 2002 بأن التحقيق القضائي ما زال جارياً. وقد ظل مستمراً عند كتابة التقرير.

    5.4 ريكاردو باريينتوس
    توفي ريكاردو باريينتوس، وهو مواطن أرجنتيني بينما كان مقيداً على متن طائرة في مطار رواسي – شارل ديغول خلال عملية إبعاد قسرية جرت في 30 ديسمبر/كانون الأول 2002. وجرت مرافقته إلى الطائرة وهو يقاوم قبل صعود الركاب الآخرين وجلوسهم، وحُني إلى الأمام بحيث بات رأسه بين ركبتيه وكُبلت يداه خلف ظهره. وضغط شرطيان وثلاثة من أفراد الدرك على عظمتي كتفه بصورة متواصلة. ورُبط جزعه وفخذاه وكاحلاه بشريط فلكرو. ووُضع قناع على وجهه وغُطي ببطانية بحيث لا يرى أحداً من المسافرين ولا يراه أحد منهم. وانهار قبل الإقلاع. وخلص تشريح الجثة إلى أنه مات جراء مضاعفات لمرض في القلب حدثت بصورة طبيعية، وخلص تحقيق للشرطة إلى أنه تم اتباع الإجراءات، رغم أنه لم تتضح ماهية هذه الإجراءات بالضبط.
    وفُتح تحقيق قضائي حول إمكانية توجيه تهمة القتل – "أفعال عنف مؤدية دون قصد إلى الوفاة". وفي 20 سبتمبر/أيلول 2004، أصدرت محكمة الاستئناف في باريس أمراً بوجوب رفض القضية لأنه لا وجه لإقامة الدعوة. وقررت المحكمة أن ريكاردو باريينتوس لم يتعرض لأفعال عنف وأن أفراد الشرطة كانوا ينفذون أوامر شرعية بإبقاء المبعد مقيداً. ولم يتم تقديم استئناف.

    ومصدر قلق منظمة العفو الدولية إزاء هذه القضية هو أن التحقيق كان يجب أن يساعد على توضيح ما إذا كانت الإجراءات التي استخدمها أفراد الشرطة تتماشى مع المعايير الدولية وما إذا كان أفراد الشرطة قد أخذوا هذه المعايير بعين الاعتبار. فمثلاً، في تقريرها العام الثالث عشر، أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب إلى "الخطر الذي ينشأ عندما يقاوم مبعد، عقب وضعه على مقعد في الطائرة، ويستخدم حراسه القوة لإرغامه على الانحناء إلى الأمام بحيث يكون رأسه بين ركبتيه، مما يضغط بشدة على القفص الصدري"، ولاحظت أن "استخدام القوة و/أو وسيلة التقييد القادرة على التسبب بالاختناق الوضعي يجب تفاديه كلما أمكن".22

    وفي رسالة بعثت بها منظمة العفو الدولية إلى وزير الداخلية في يناير/كانون الثاني 2003، طلبت من السلطات الفرنسية توضيحاً للإجراءات المستخدمة في عمليات الإبعاد القسري وما إذا كانت تتماشى كلياً مع التوصيات أو المبادئ الدولية. بيد أنه لم يتضح ذلك، ولم يساعد قرار المحكمة بأي شكل في إلقاء الضوء على السؤال الحاسم حول ما إذا كان عمل أفراد الشرطة يندرج فعلاً ضمن المستلزمات الدولية. وكما أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب بإيجاز، فإن المبدأ التوجيهي هو أن "القوة ووسيلة التقييد المستخدمتين لا يجوز أن تتجاوزا الحد الضروري بصورة معقولة" ويجب أن "تراعيا الإرشادات الهادفة إلى التقليل من المخاطر المترتبة على صحة الشخص المعني". ومن جملة أشياء، توصي اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب بفرض "حظر مطلق على استخدام وسائل يحتمل أن تسد المجاري الهوائية (الأنف و/أو الفم) جزئياً أو كلياً"، وأن المبعدين يجب "أن يخضعوا لفحص طبي قبل تنفيذ قرار إبعادهم" – وبخاصة "عندما يُتصوَّر استخدام القوة و/أو تدابير خاصة."23
    5. التعذيب وسوء المعاملة من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون
    1.1.5 الواجبات الدولية المترتبة على فرنسا لمنع التعذيب والمعاقبة عليه
    يساور منظمة الدولية القلق منذ زمن طويل إزاء استمرار مزاعم التعذيب وسوء المعاملة على أيدي الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. كما خلصت المنظمة إلى وجود نمط من الإفلات الفعال من العقاب بالنسبة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الذين يرتكبون التعذيب وسوء المعاملة، بسبب تقاعس السلطات عن معالجة مسألة غياب التحقيقات السريعة والشاملة والمستقلة والحيادية في جميع المزاعم، وتقديم مرتكبي هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان إلى العدالة.

    ويحدث هذا رغم وجود نصوص واضحة ضد ممارسة التعذيب وسوء المعاملة، ورغم الالتزامات المترتبة على فرنسا لاحترامها، والواردة في عدد من المعاهدات الدولية التي تشكل فرنسا طرفاً فيها، وهي تشمل اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

    وتُعطي اتفاقية مناهضة التعذيب (التي صدقت عليها فرنسا في 4 فبراير/شباط 1985) تعريفاً واضحاً ومحدداً للتعذيب بوصفه : "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية." (المادة الأولى)

    وتلزم المادة 4 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدول الأطراف بضمان اعتبار جميع أفعال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي والمعاقبة على الجرائم بالعقوبات المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار خطورة الجريمة.24 كذلك تُلزم الدول الأطراف بموجب المادة 12 من الاتفاقية، بإجراء تحقيق سريع وحيادي، كلما كان هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن فعلاً من أفعال التعذيب قد ارتُكب، بغض النظر عما إذا تقدم الضحية أو أي شخص آخر بشكوى رسمية. وبموجب المادة 14 ينبغي أن يحصل ضحايا التعذيب على سبيل انتصاف وأن يتمتعوا بحق قابل للإنفاذ في الحصول على تعويض مادي منصف وكاف، بما في ذلك وسيلة إعادة التأهيل إلى أقصى حد ممكن.

    2.1.5 تقاعس فرنسا عن تنفيذ هذه الوجبات بالكامل
    يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن تقاعس فرنسا عن الالتزام التام بالواجبات المترتبة عليها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وبأحكام المعاهدات الدولية الأخرى الرامية إلى منع ممارسة التعذيب وسوء المعاملة والمعاقبة عليهما، يسهم في نمط من الإفلات الفعلي من العقاب للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الذين يرتكبون مثل هذا التعذيب أو سوء المعاملة. ويشمل هذا التقاعس غياب تعريف في قانون العقوبات الفرنسي يتقيد بتعريف التعذيب الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب والتأخير المفرط في إجراء تحقيق ومقاضاة في حالات الممارسة المزعومة للتعذيب وسوء المعاملة؛ والتقاعس عن معاملة حالات العنف الذي ترتكبه الشرطة وفقاً لخطورة الجرم؛ وانعدام سبيل الانتصاف الفعال.

    فعلى سبيل المثال، يشكل غياب تعريف للتعذيب في قانون العقوبات الفرنسي يتماشى مع ذلك الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب عائقاً آخر محتملاً في وجه المقاضاة الكافية لحالات التعذيب.

    وقد صرحت الحكومة الفرنسية أنه، رغم أن قانون العقوبات الفرنسي لا يتضمن مثل هذا التعريف؛ إلا أن تعميماً صادراً عن وزارة العدل في 14 مايو/أيار 1993 يعلق على اتجاهات قانون العقوبات الجديد الصادر في مارس/آذار 1994 يشير صراحة إلى تعريف التعذيب الوارد في الاتفاقية. وينص على أنه "عموماً ... فإن أي فعل يُسبب عمداً ألماً أو عذاباً شديداً، عقلياً كان أم جسدياً للشخص" يمكن أن يستوفي صفة التعذيب.

    ويقصر هذا التعريف عن استيفاء التعريف الكامل للتعذيب، وقد حثت منظمة العفو الدولية على إدراج تعريف كامل في قانون العقوبات يعطي أهمية وبروزاً أكبر للجريمة.

    ولا تُعرَّف الأشكال الأخرى لسوء المعاملة ("الأفعال الأخرى للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة") في اتفاقية مناهضة التعذيب. ومع ذلك فإن مثل هذه المعاملة السيئة ممنوعة بموجب المادة 16 التي تقتضي من الدول اتخاذ عدد من التدابير لمنع حدوثها. وتجدر الملاحظة بأنه بموجب كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادتان 7 و4) والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادتان 3 و15)، فإن عدم التعرض لسوء المعاملة، أسوة بالتعذيب، حق إنساني "لا يمكن الانتقاص منه"، أي أنه ينطبق في جميع الظروف، حتى في أوقات "الطوارئ" التي تتهدد "حياة الأمة".

    كذلك يساور منظمة العفو الدولية القلق من أنه بموجب القانون الوطني، غالباً ما تبدو المقاضاة على جرائم مثل ارتكاب معاملة سيئة شديدة مشروطة بتقديم شكوى رسمية من جانب الضحية المزعومة أو الطرف المدني.

    وإن تقاعس السلطات عن وضع آلية مستقلة للتحقيق بصورة شاملة وسريعة وحيادية في أفعال التعذيب وسوء المعاملة المزعومة، وضمان المقاضاة الفعالة للجناة وتوقيع عقوبات بهم تعكس خطورة الجريمة، ينتهك أيضاً الواجبات المترتبة على فرنسا بموجب القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

    3.1.5 التمحيص الدولي في واجبات فرنسا
    تتضمن هذه الفقرة أدناه حالات توضيحية لبواعث القلق التي تساور منظمة العفو الدولية منذ زمن طويل إزاء الإفلات الفعال من العقاب على التعذيب وسوء المعاملة. كذلك رددت صدى بواعث القلق هذه بثبات على مدى سنوات طويلة الهيئات الدولية التي أُنشئت لمراقبة تنفيذ المعاهدات المذكورة أعلاه.

    وقد أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة والهيئات التابعة لمجلس أوروبا أعربت بثبات عن قلقها إزاء مزاعم سوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين. (وفي معظم حالات سوء المعاملة يتم ركل الضحايا ولكمهم وصفعهم وضربهم بهراوة أو خبط رؤوسهم بغطاء محرك السيارة. وفي يوليو/تموز 1997، شعرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة "بقلق بالغ" إزاء عدد وخطورة المزاعم التي تلقتها حول إساءة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين معاملة المعتقلين وسواهم، وشددت على أن خطورة هذه المعاملة "أكبر بكثير في حالة الأجانب والمهاجرين".25 وفي العام 1998 وعند النظر في التقرير الدوري الثاني لفرنسا، حثت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة فرنسا على "إيلاء أقصى قدر من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة، بهدف إجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها ذلك توقيع العقوبات المناسبة".

    وفي العام 1999 خلصت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن فرنسا انتهكت الحظر المطلق المفروض على التعذيب (انظر 5-2). وفي

    لعام 2001، لاحظت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب في تقريرها المتعلق بزيارة قامت بها إلى فرنسا في مايو/أيار 2000، بأن معظم مزاعم إساءة المعاملة التي تمارسها الشرطة تتعلق بالشرطة الوطنية، وتتضمن بصورة رئيسية توجيه اللكمات إلى الأفراد وطرحهم أرضاً وركلهم وتكبيل أيديهم بإحكام شديد. كذلك لاحظت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب مزاعم إساءة معاملة الرعايا الأجانب في المطارات خلال محاولات إبعادهم.

    ولاحظت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب في التقرير الذي أصدرته في فبراير/شباط 2005، لاحظت بقلق "استمرار الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين ضد أبناء الأقليات". وذكر التقرير بأن المزاعم تضمنت العنف الجسدي والإذلال والشتائم العنصرية والتمييز العنصري، بما في ذلك عمليات التدقيق في الهوية القائمة على التمييز.

    4.1.5 حالات توضيحية لبواعث قلق منظمة العفو الدولية
    نورد الحالات التالية لتوضيح بواعث قلق منظمة العفو الدولية فيما يتعلق بالإفلات الفعال من العقاب على التعذيب وسوء المعاملة. ويوضح العديد منها مثلاً قلق المنظمة فيما يتعلق بالطريقة التي عوملت بها الشكاوى المرفوعة ضد أفراد الشرطة في المحاكم. وتعكس الحالات الأخرى، التي ما زالت قائمة ولم تصل بعد إلى المحكمة، بعض العوامل التي تؤدي إلى الإفلات الفعال من العقاب. وبناء على تجربة منظمة العفو الدولية، من النادر فعلاً أن تعامل المحاكم قضية تتعلق بعنف الشرطة بالجدية التي تستحقها، وكل محكمة تود أن تُوقع عقوبات اتعاظية تشكل عبرة للآخرين تواجه نضالاً شاقاً.

    2.5 أحمد سلموني
    في 28 يوليو/تموز 1999 تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن فرنسا انتهكت في هذه القضية الحظر المفروض على التعذيب فضلاً عن الحق في "محاكمة عادلة وعلنية خلال فترة زمنية معقولة".

    قبضت الشرطة القضائية على المواطن المغربي والهولندي أحمد سلموني بجرم الاتجار بالمخدرات في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، ووضعته في حجز الشرطة لمدة ثلاثة أيام في بوبينييه (سين-سان-دنيس). وفي الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية تبين لها أن أحمد سلموني "تعرض لاعتداءات متكررة ومتواصلة على مدى عدد من أيام الاستجواب" وصرحت بأن "العنف الجسدي والعقلي، إذا نظرنا إليه ككل، والمرتكب ضد شخص مقدم الشكوى تسبب بألم وعذاب ’شديدين‘ واتسم بخطورة وقسوة بالغة. ويجب اعتبار مثل هذا السلوك بمثابة أفعال تعذيب"26 وتضمنت المعاملة عمليات لكم وركل وضرب متكررة بعصا بيسبول وهراوة وشد الشعر. كذلك لاحظت المحكمة أنه أُرغم على الركض في رواق أصطف أفراد الشرطة على جانبيه لإيقاعه على الأرض وأُرغم على الركوع أمام امرأة شابة قال لها أحدهم : "انظري، ستسمعين أحدهم يغني". كذلك تم التبول عليه وهُدد بحقنة وبموقد لحام.

    وزعمت فرنسا أنه من غير المقبول أن تنظر المحكمة الأوروبية في قضية أحمد سلموني، لأنه لم يستنفد بعد كافة سبل الانتصاف المحلية ولأن أفراد الشرطة قُدموا (أخيراً) للمحاكمة أمام محكمة فرساي الجنائية. بيد أن المحكمة الأوروبية رفضت هذه المقولة على أساس أن "وجود سبل الانتصاف هذه يجب أن يكون مؤكداً بشكل كاف ليس فقط من الناحية النظرية بل أيضاً عملياً، وإلا تفتقر سبل الانتصاف هذه إلى شرط الاستفادة منها واتسامها بالفعالية". وفي هذه القضية فإن الإجراءات القضائية التي كانت ما زالت قائمة أمام محكمة النقض حول نقاط قانونية في الوقت الذي صدر فيه قرار المحكمة الأوروبية، كان قد مضى عليها أكثر من ست سنوات وسبعة أشهر، فقد كانت عمليات التأخير مفرطة ولم يُمنح أحمد سلموني سبيل انتصاف فعالاً.

    وقضت المحكمة الأوروبية، التي وجدت أن فرنسا انتهكت المادتين 3 و6-1 على السواء من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أنه يجب دفع 500000 فرنك فرنسي لأحمد سلموني على سبيل التعويض و113364 فرنك فرنسي لتسديد النفقات والمصروفات.

    وأفراد الشرطة المعنيون بهذه القضية ينتمون إلى الجهاز الإداري للشرطة القضائية. ولم يخضعهم القاضي للتحقيق حتى العام 1997 ورغم أن الأحداث وقعت في العام 1991، ولم يمثلوا أمام المحكمة الإصلاحية في فرساي (إيفلين) إلا في فبراير/شباط 1999 – قبل حوالي ستة أسابيع فقط من بت المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ بالقضية.

    وواجه أفراد الشرطة الخمسة تهماً بارتكاب أعمال عنف واعتداءات جنسية ضد أحمد سلموني ورجل آخر هو عبد المجيد ماضي. وأنكر المتهمون التهم، مشيرين إلى أن الرجلين ألحقا الأذى بنفسيهما أو ربما شاهدا أفلاماً كثيرة. وطالبت النيابة بسجنهم مدداً تتراوح بين سنتين وخمس سنوات. وفي مارس/آذار 1999، قبل بضعة أيام من انعقاد جلسة المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ، أدانت الحكمة الفرنسية أفراد الشرطة الخمسة جميعهم. وخلصت إلى أنهم ارتكبوا أفعال "العنف المنظم والبالغ الشدة" والذي "يطعن النظام العام في الصميم ويخل بأبسط مبادئ سيادة القانون"، وأنهم "لم يردوا على أقوال الضحيتين إلا
    بالصمت والإنكار بدون إعطاء أدنى تفسير لأفعالهم"، وحكمت المحكمة على أحد أفراد الشرطة بعقوبة بالسجن لمدة أربع سنوات "ليكون عبرة لغيره" واقتيد من المحكمة إلى دار الاعتقال في بوا- دارسي (إيفلين).27 وحُكم على ثلاثة أفراد آخرين بالسجن لمدة ثلاث سنوات وعلى الخامس بالسجن لمدة سنتين.

    وقوبلت الأحكام بسلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة من جانب أعضاء جميع نقابات الشرطة في فرنسا، وقدم أفراد الشرطة المعنيون استئنافاً فورياً. وبُت في الاستئناف خلال فترة زمنية قصيرة بصورة غير معتادة، أمام محكمة الاستئناف في فرساي في مايو/أيار ويونيو/حزيران 1999. وخفضت المحكمة عقوبة السجن "الاتعاظية" البالغة أربع سنوات تخفيضاً كبيراً إلى 18 شهراً مع وقف تنفيذ 15 شهراً منها، الأمر الذي يسمح بالإفراج الفوري عن الشرطي. أما الأحكام التي صدرت على أفراد الشرطة الأربعة فقد خُفضت إلى أحكام بالسجن لمدة 15 و12 و10 أشهر على التوالي مع وقف التنفيذ. لا بل أن وكيل النيابة الملحق بمحكمة الاستئناف طالب حتى بأن "يسترد" أفراد الشرطة "شرفهم" وأعلن أنهم ليسوا مذنبين بارتكاب جرم الاعتداء الجنسي، وأنهم إذا ظلوا مدانين بارتكاب أعمال عنف، فينبغي أن يستفيدوا من عفو.

    وأكدت المحكمة الإدانات الصادرة على أفراد الشرطة بتهمة ارتكاب أعمال عنف، لكنها ألغت الإدانة المتعلقة بالاعتداء الجنسي. وأقرت بأن أفراد الشرطة مارسوا "معاملة مهينة جداً" وأنه لا يمكن تبرير سلوكهم في أي ظرف من الظروف. بيد أن أفراد الشرطة قدموا استئنافاً إلى محكمة النقض ضد الأحكام المخفضة. وكان معنى ذلك أنهم واصلوا عملهم في مراكزهم كما في السابق. وفي 31 مايو/أيار 2000 أكدت الشعبة الجنائية في محكمة النقض الأحكام. لكن في مارس/آذار 2002، تلقت منظمة العفو الدولية أنباءً تفيد أن أفراد الشرطة لم يخضعوا بعد لأية إجراءات تأديبية داخلية، رغم حقيقة أن محكمة النقض ذكرت أن أفراد الشرطة ارتكبوا أفعالاً "بالغة الخطورة" انتهكت بوضوح مدونة قواعد سلوكهم
    .

    3.5 بابا تراوري
    زعم بابا تراوري، وهو مواطن مالي مقيم في جزر الكناري بأسبانيا، أنه في 21 فبراير/شباط 2001، ألقى أفراد بالزي الرسمي من شرطة الحدود التابعة لشرطة الأجواء والحدود، القبض عليه على متن قطار في محطة هندايي للقطارات، القريبة من الحدود واقتادوه بالسيارة إلى مركز الشرطة.

    وذكر بابا تراوري أنه كان مسافراً إلى باريس لتجديد جواز سفره، لأنه لم يستطع أن يفعل ذلك في أسبانيا. وكانت لديه تذكرة سفر بالقطار صالحة ذهاباً وإياباً وتصريحا العمل والإقامة الأسبانيان. وزعم أنه تعرض لسوء معاملة خطير أثناء وجوده في مركز شرطة هندايي. ولم يكن يتكلم الفرنسية، لكنه حاول عدة مرات السؤال عن سبب اعتقاله. وبحسب ما ورد وُجهت إليه لكمة قوية على عينه اليسرى بينما كان جالساً على كرسي.

    وبعد حوالي نصف ساعة رافقه شرطيان إلى مركز الشرطة بيرياتو وسلموه إلى أفراد الشرطة الأسبانية الذين أطلقوا سراحه وكما ورد طلبوا له سيارة أجرة ليتسنى نقله إلى المستشفى المحلي في بيداساو. وبعد مضي فترة قصيرة، نُقل بسيارة إسعاف إلى مستشفى نويسترا سنيورا دي أرانزازو في سان سيباستيان. وفي اليوم ذاته أُجريت له عملية جراحية في عينه اليسرى، التي تعرضت وفقاً للتقارير الطبية لأذى شديد نتيجة "الضربة المباشرة" ومكث في المستشفى لمدة ستة أيام.

    وقدم بابا تراوري شكوى قضائية لدى النائب العام في بابون. وكما ورد قال محافظ منطقة البيرنيه – أطلانتيك، رداً على الدعاية التي أحاطت بالقضية إن المواطن المالي عارض بعنف إعادته إلى أسبانيا، وبالتالي تعيَّن تكبيل يديه والسيطرة عليه.

    وفي يوليو/تموز 2003، قال محامي بابا تراوري لمنظمة العفو الدولية أن قاضي التحقيق أمر برفض القضية. وخلص التحقيق إلى أنه رغم أن بابا تراوري أصيب بجروح دون شك، إلا أنه يستحيل معرفة ما إذا كان ذلك حدث نتيجة لعملية اعتقال صعبة أو في مركز الشرطة، كما أصرَّ بابا تراوري. وإضافة إلى ذلك، ورغم عمليات الاستجواب العديدة، تعذر التعرف على الشرطي الذي ضرب بابا تراوري بهذه القوة. والاستنتاج البديهي هو أن أفراد الشرطة اتفقوا فيما بينهم على عدم التعاون مع التحقيق، لأنه من الواضح أن أحدهم قد تسبب فعلاً بالإصابة. وهكذا، برغم الجرح البليغ، لم يتلق بابا تراوري أي تعويض ولم يتم توقيع أية عقوبات بأفراد الشرطة. وتسلط القضية الضوء على المشكلة التي تواجه الضحية أو الضحية المزعومة لعنف الشرطة، عندما يتعذر معرفة الشرطي المتورط، وعندما لا تتوافر ضمانات مثل تسجيل الاستجواب على شريط فيديو.

    4.5 ياسين28
    كان ياسين فتى قاصراً في السادسة عشرة من عمره عندما زعم أنه تعرض للضرب المبرح من جانب أفراد الشرطة في مركز شرطة أسنيير – سير – سين عقب القبض عليه في 10 يوليو/تموز 2001. ونتيجة الضرب، احتاج إلى معالجة عاجلة في المستشفى، وأزيلت إحدى خصيتيه.

    وعثرت الشرطة على ياسين في سيارة بمحطة قطارات بوا – كولومب (هو – دو – سين). واشتبه أفراد في أنه وصديق له كانا يحاولان سرقة سيارة وبأن مُبدئ الحركة قد أُعطب. ولم يكن بحوزة القاصرين أية أوراق ثبوتية واقتيدا إلى مقر الشرطة للتعرف على هويتهما. ووفقاً لتقرير أعدته المفتشية العامة للأجهزة، قاوم ياسين محاولات تكبيل يديه. وخلال العراك الذي نجم تصرف ياسين بعنف وركل أفراد الشرطة. واحتج ياسين على ذلك بالقول إنه كان من الصعب ركل أفراد الشرطة لأنهم أمسكوه من كلا يديه وقدميه وكان عنقه مطوقاً بمرفق أحد أفراد الشرطة، بينما كان آخر يصرخ في أذنه. وقال إنه سمع قهقهات من حوله. ولم يُسمح له بإجراء مكالمة هاتفية مع والدته.

    وبعد تكبيل يديه، ورد أن ياسين أهان أفراد الشرطة. وأُمر أفراد الشرطة بنقله إلى زنزانة لإزالة السموم (تأثير الكحول؟). وعوضاً عن ذلك اقتادوه إلى رواق بجانب زنازين إزالة السموم، حيث زُعم أنه تعرض للكم والركل والضرب بالركب على خصيتيه. ووفقاً لرواية الشرطة للقضية، أتلف ياسين خصيته بالسقوط على نافورة غاز مزودة بصنبور. ونظراً لخطورة إصابته، نُقل ياسين فيما بعد إلى مستشفى بوجون دو كليشي، حيث أجريت عملية له وأزيلت إحدى خصيتيه. ثم نُقل إلى مستشفى سانت – آن للأمراض النفسية، لأن رد فعله كان عنيفاً عندما أفاق

    من المخدر. وسُمح له فيما بعد بالذهاب إلى بيته.

    وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء هذه القضية بسبب الضرب المبرح المزعوم الذي تعرض له فتى قاصر عمره 16 عاماً، وبسبب التجاوزات المزعومة الأخرى في الإجراءات بينما كان محتجزاً في مركز الشرطة. ولم تُبلَّغ السيدة د. على الفور باعتقال ابنها ولا يُسمح قانونياً بتكبيل القصَّر بالأصفاد. وأشار تقرير طبي أُعد في المستشفى إلى وجود كدمة في العين اليمنى ورضوض متعددة في الوجه والعنق وعلامات حمراء متعددة في فروة الرأس، فضلاً عن كدمة في المعصم الأيمن والظهر. وكشفت صورة بأشعة أكس عن وجود كسر في الخصية اليمنى التي اقتضى إزالتها.

    وفي فبراير/شباط 2002 أبلغ النائب العام في نانتير منظمة العفو الدولية أنه طلب من قاضي التحقيق فتح تحقيق في القضية كما طلب معلومات من المفتشية العامة للأجهزة. وفُتح تحقيق قضائي في 20 يوليو/تموز 2001. وفي 29 يناير/كانون الثاني 2002 استجوب قاضي التحقيق شرطيين اثنين من أفراد الشرطة الثلاثة الذين أُخضعوا للتحقيق. وانضمت عائلة دراج للإجراءات كطرف مدني. وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2004 مثل شرطيان أمام محكمة نانتير الإصلاحية بتهمة ارتكاب أعمال عنف متعمدة كأفراد شرطة. وفي الجلسة طلبت النيابة تبرئة ساحة أفراد الشرطة بسبب عدم كفاية الأدلة اللازمة لتأييد التهمة. وبحسب ما ورد لم يعرب وكيل النيابة عن أي قلق إزاء انتهاك الإجراءات خلال حجز لدى الشرطة. وكما ورد زعمت مستشارة الدفاع عن أفراد الشرطة أن ياسين "وجه ركلات عنيفة جامحة" وتحدثت عن "كراهية الشبان لذوي الملابس الزرقاء" (الشرطة). وبحسب ما ورد طُردت والدة ياسين من المحكمة بعدما ضحكت عندما قالت المحامية أن رواية أفراد الشرطة للأحداث هي "الحقيقة الصارخة".

    وفي 14 ديسمبر/كانون الأول 2004، أدانت الشعبة الثامنة عشرة لمحكمة نانتير الإصلاحية (هو – دو – سين) الشرطيين بارتكاب "أفعال عنف متعمدة" وحكمت عليهما على التوالي بعقوبتين رمزيتين تبلغ إحداهما ثمانية أشهر بالسجن مع وقف التنفيذ والأخرى أربعة أشهر مع وقف التنفيذ. ووفقاً للمحكمة فإن العنف المستخدم "فاق بمراحل الاستخدام المعقول للقوة". وقدم الشرطيان استئنافاً ضد الإدانتين.

    5.5 كريم لطيفي
    في 22 فبراير/شباط 2002، ورد أن مشادة حصلت بين مستشار تقانة معلومات فرنسي يدعى كريم لطيفي، وبين أفراد الشرطة في باريس، اعتدى عليه أفراد الشرطة خلالها بشدة ووجهوا إليه شتائم عنصرية. ووفقاً للشكوى التي قدمها إلى المفتشية العامة للأجهزة، خرج كريم لطيفي من سيارته بعدما وجد أن عدة سيارات للشرطة قد سدت الطريق. واقترب من بعض أفراد الشرطة الذين كانوا يستجوبون مجموعة من الشبان، تعرف على اثنين منهم وسأل عما يجري. وطُلب منه إبراز بطاقته وزعم كريم لطيفي أن أحد أفراد الشرطة دفعه نحو درج. وفي معرض وصفه لما حدث قال : "شعرت بفقدان توازني؛ وأخرج الشرطي هراوته وضربني على رأسي، ثم انقض علي وضربني على وجهي، برجله هذه المرة. وشعرت بالهلع، وشعرت بأن الأرض تميد برأسي وكتفي. وصرخت طالباً المساعدة؟ وجرجرت خطاي بعيداً عنهم. وألقى اثنا عشر شرطياً بأنفسهم علي. ووُجه إليّ سيل من الضربات والركلات والإهانات – ’أيها العربي القذر‘ ’يا ابن العاهرة‘".29 وبدأ رأسه يتورم وكُسر أنفه. وزعم أنه أُجبر على "لعق الجدار". وخلال الرحلة بالسيارة إلى مركز الشرطة ورد أنه تعرض لسيل من الشتائم العنصرية. واحتُجز في مركز الشرطة لمدة 15 دقيقة، أبلغه بعدها ملازم أول في الشرطة لا علاقة له بالحادثة، بأنه لن يتم توجيه تهم إليه وأُخلي سبيله.

    وبعدما اطلعت منظمة العفو الدولية على الشكوى القضائية والتقارير الطبية لفتت انتباه وزير الداخلية إلى القضية وطلبت منه إجراء تحقيقات شرطية وقضائية سريعة وشاملة وحيادية. فأجاب الوزير بأن ملف القضية أُغلق من جانب النائب العام في 10 يوليو/تموز 2002. وفي رسالة بعث بها إلى منظمة العفو الدولية مؤرخة في 24 يوليو/تموز 2003، صرَّح وكيل النيابة الملحق بمحكمة باريس أن المفتشية العامة للأجهزة أجرت تحقيقاً في القضية، قرر سلفه بناء عليه إغلاق القضية. ولم يوضح لماذا، لكنه ذكر أنه أنَّب ثلاثة من رجال الشرطة عبر المفتشية العامة للأجهزة على انتهاكات (غير محددة) للأنظمة القانونية في سياق التحقيق.

    وبعدما وُضعت شكواه في الأرشيف، أعرب كريم لطيفي عن عزمه على استخدام إجراء الادعاء المباشر، لكن عندما أبلغ وكيل النيابة منظمة العفو الدولية أنه لا علم له باللجوء إلى أي إجراء من هذا القبيل، بعث لطيفي برسالة في سبتمبر/أيلول 2003 إلى رئيس نقابة محامي باريس للفت نظره إلى القضية. وعند كتابة هذا التقرير كان التحقيق ما زال جارياً.

    6.5 حياة خمال
    توضح القضية التالية الطريقة التي يمكن فيها لعمليات التدقيق في الهوية أن تتفاقم بسرعة بسبب السلوك غير المهني للشرطي. والقضية التي عرفت باسم قضية "ري – أورانجي"، أصبحت معروفة جيداً بسبب اللقطات التلفزيونية للحادثة. كما تبين القضية كيف أن إساءة استعمال تهمة "إهانة شخص يتمتع بسلطة عامة" غالباً ما يوجهها الشرطي نفسه الذي أسيء إليه بينما كان هو يسيء للآخرين.

    وفي 26 مارس/آذار 2000، وعند قرابة الساعة الرابعة صباحاً، كانت حياة خمال، وهي امرأة فرنسية حامل من أصل مغربي عمرها 27 عاماً، تقود سيارتها عائدة من حفلة زفاف إلى منـزلها مع والدتها وثلاث نساء أخريات أوقفتها في ري – أورانجي (إيسون) دورية للشرطة من أجل إجراء عملية تدقيق في الهوية بعدما تقاعست كما زعم عن إفساح الطريق لسيارة الشرطة وأومأت إيماءة بذيئة للشرطة. وحياة خمال التي نفت أن تكون فعلت ذلك، وقالت إنها على العكس كان يُقصد بها كإشارة شكر على السماح لها بالمرور، لم تكن تحمل رخصة تسجيل السيارة ووثائق التأمين التي قالت إنها كانت بحوزة والدها، لكنها سلمت رخصة قيادتها. بيد أن رئيس الدورية لم يقتنع بذلك. وبدأت عملية التدقيق في الهوية تتفاقم. وقالت حياة خمال إنه وفقاً للقانون، يُمنح الناس 48 ساعة لتسليم البطاقة الرمادية (رخصة التسجيل) واستعملت جهاز هاتفها الجوال للاتصال بوالدها. عندئذ ورد أن الشرطي قال لها إنه هو أيضاً سيستدعي تعزيزات. ثم زُعم أنه وصفها "بالعربية القذرة والعاهرة القذرة" فردت عليه قائلة إنه عنصري قذر" من جملة أشياء. لكن الشرطي أصر على أنه هو فقط الذي أُهين.

    وبصفة نادرة، جرى تصوير جزء من عملية التدقيق بالهوية في فيلم وفيما بعد عرضه بعض الشبان الذين كانوا ينظرون من النافذة العليا لعمارة سكنية قريبة. وحاول الشرطي تكبيل حياة خمال من أحد معصميها. وحاول إجبار النساء الأخريات على الوقوف أمام السيارة بينما حاول زملاؤه تقييدهن. ولم تتحرك النساء. وأمسك الشرطي بحياة خمال التي كانت حاملاً من عنقها، ثم زُعم أنه ضربها عدة مرات على صدرها بالأصفاد التي كانت ما زالت بيده. ونفى الشرطي فيما بعد أنه استخدم العنف لكنه اعترف أنه ضغط على قفصها الصدري عدة مرات بيده اليمنى. (ولاحظت المحكمة فيما بعد أن حياة خمال قد دُفعت "بوحشية" على السيارة، بينما أمسك الشرطي بالأصفاد باليد نفسها، على نحو يمكن فيه القول إنه ضربها بها). وبدأت المرأة تصرخ. وأشار أحدهم إلى أن حياة خمال حامل. ووصلت التعزيزات وخرج أفراد الشرطة من السيارة حاملين هراواتهم. وكما ورد علق أحد القضاة الذي شاهد الفيلم قائلاً : "يعتقد المرء أنه مشهد صُوِّر في الولايات المتحدة. إن الجو مريع".30

    واقتاد أفراد الشرطة حياة خمال مكبلة بالأصفاد إلى مركز شرطة إفري، حيث اتهمت بمقاومة الاعتقال بعنف وبإهانة شرطي بالكلمات والإيماءات على السواء. وفي 27 مارس/آذار قدمت حياة خمال شكوى ضد الشرطي مرفقة بتقرير طبي، متهمة إياه بتوجيه ضربات عنيفة لها وإصابتها بجروح وبتوجيه ملاحظات عنصرية. وأشارت الشهادة الطبية إلى أنها أُصيبت بصدمة وعجزت عن العمل كلياً لمدة ثمانية أيام. وفي أعقاب تحقيق أجرته الشرطة، واجه الشرطي أيضاً تهمة من جانب وكيل النيابة ارتكاب شخص يتمتع بسلطة أفعالاً عنيفة.

    وأُحيلت القضية إلى المحكمة الابتدائية الكبرى في إفري في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2000. ولم يشهد شهود الشرطة بأن حياة خمال أومأت إيماءة بذيئة. (قال أحدهم إنها "ابتسمت ... ابتسامة كان فيها قليل من السخرية لكن دون تكشير". وقال سائق سيارة الدورية إنها "لوحت بأصابعها المقفلة كما يفعل المرء لطفل"). وانتقد وكيل النيابة افتقار الشرطي إلى الروح المهنية وافتقاده الهدوء واستخدامه "فعل غير قانوني من أفعال العنف" ودعا إلى إصدار حكم عليه بصيغة عقوبة مع وقف التنفيذ. كذلك دعا إلى تبرئة ساحة حياة خمال. وبُرئت من تهمة توجيه إهانة بالإيماءات والمقاومة، لكن حكم عليها بدفع غرامة 3000 فرنك مع وقف التنفيذ لتوجيه إهانة بالكلام. وأُدين الشرطي بارتكاب أفعال عنف متعمدة ومُنع من حمل سلاح ناري لمدة عامين. (وفيما بعد عرَّف الحكم الصادر عن المحكمة "العنف" بأنه "توجيه ضربات أو اعتداء أو أية إيماءة أو موقف يهدف إلى إخضاع شخص عاقل"31) ولم يقتنع بتوجيه ملاحظات عنصرية لأن الشهود كانوا منقسمين ولأن شريط الفيديو الذي صوَّر جزءاً من الحادثة فقط لم يلتقط هذه الملاحظات. بيد أن المحكمة لاحظت أن شريط الفيديو أظهر الشرطي بحالة هياج وتوتر وعدوانية. ووفقاً للحكم الصادر عن المحكمة، بدا واضحاً أنه لم يكن ممسكاً بزمام الموقف، رغم كونه رئيس الدورية، وموقفه لم يعد "موقف شرطي يحرص على النظام العام". (أشار الحكم إلى تقييم أجرته الشرطة في العام 1999 وصف الشرطي بأنه شخص تجرفه الحماسة خلال الحادث ويمكن أن يفقد صلته بالواقع و"يصور المواقف التي تواجهها الشرطة بأنها عدوان على شخصه" وليس على وظيفته كشرطي.)

    7.5 عمر بهاء
    في 23 ديسمبر/كانون الأول 2002، كان عمر بهاء، وهو مثل فرنسي من أصل جزائري عمره 34 عاماً، شاهداً على إساءة معاملة سيباستيان دو فريتاس على أيدي مجموعة من أفراد الشرطة الذين استخدموا الغاز المسيل للدموع لتفريق حشد كبير اصطف خارج محطة شاتو دو التابعة لمترو الأنفاق في جادة ستراسبورغ في باريس. وكما ورد كان سيباستيان دو فريتاس يتسوق لعيد الميلاد مع أقربائه، بمن فيهم شقيقه البالغ من العمر أربع سنوات. وقد استاء سيباستيان من تأثير الغاز على الصبي الصغير الذي كان يشعر بالألم، فوجه إهانات كما ورد إلى أفراد الشرطة الذين طلبوا رؤية بطاقته الشخصية وطرحوه أرضاً وانهالوا عليه بالضرب. فاقترب عمر بهاء من أفراد الشرطة وأعلن عن نيته التنديد بأفعالهم أمام وزير الداخلية. وذكَّرهم بتصريح أدلى به الوزير مؤخراً وقال فيه إنه لن يسمح بأية انتهاكات أو تجاوزات من جانب الشرطة.32

    وبينما كان عمر بهاء يهم بالتوجه إلى محطة مترو الأنفاق ورد أن الشرطي الذي استخدم الغاز المسيل للدموع اقترب منه وضربه بقوة على وجهه بطرف علبة الغاز. ثم تعرض لمزيد من الضرب على أيدي عدد من أفراد الشرطة. وبحسب ما ورد أيد شهود عيان مختلفون هذه الرواية. وقد ورد أن الحشد صاحوا بالشرطة كي تكف عن ضربه. واقتيد عمر بهاء إلى مركز الشرطة في شارع دون نانسي. واتُهم بإهانة أفراد الشرطة ومقاومة الاعتقال و"التحريض على الشغب"، وهي تهمة مختلقة (انظر أدناه). وتبين لطبيب مناوب أن أنفه كُسر لكن لم يُسمح له بتلقي المعالجة في المستشفى كما أوصى الطبيب أثناء وجود بهاء في حجز الشرطة. (وقال الطبيب إن بهاء يحتاج إلى فحص آخر من جانب اختصاصي في مستشفى لاريسبواسيير).

    وظل عمر بهاء في حجز الشرطة حتى 25 ديسمبر/كانون الأول. وفي 24 ديسمبر/كانون الأول(؟) نُقل إلى حجز المحكمة وفي يوم عيد الميلاد أُخلي سبيله مؤقتاً إلى حين انعقاد جلسة قضائية في 7 فبراير/شباط في المحكمة الإصلاحية في باريس. وتقدم بشكوى حول إٍساءة معاملته وطلب وكيل النيابة من المفتشية العامة للأجهزة النظر في شكواه. وفي 17 يناير/كانون الثاني 2003 أعلن وزير الداخلية عن فتح تحقيقين قضائيين، واحد في التهم الموجهة ضد عمر بهاء والثاني في شكوى عمر بهاء. وأُوقف شرطيان متهمان بالتورط في إساءة معاملة عمر بهاء عن الخدمة مؤقتاً.

    وفي الجلسة التي عُقدت في 7 فبراير/شباط 2003، وحضرها مندوبون عن منظمة العفو الدولية، رفضت المحكمة جميع التهم الموجهة ضد عمر بهاء. وأبدى وكيل النيابة تعاطفه مع أفراد الشرطة، مشيراً إلى أن تهمة "التحريض على الشغب" كانت خطأ خالصاً. بيد أن المحكمة أيدت الحجة التي ساقها أساساً محامي الدفاع عن عمر بهاء. وهي أن التهمة التي وجهها أفراد الشرطة كسبب لتمديد الحجز لدى الشرطة – التحريض على الشغب - لا وجود لها في قانون العقوبات الفرنسي. كذلك قال محامي الدفاع أيضاً أن تمديد حجز معتقل لدى الشرطة، علماً أنه مصاب بجروح ويحتاج إلى علاج طبي، لكنه في النهاية لم يحصل على علاج سريع أو شامل، هذا التمديد لا يتوافق مع السلوك الصحيح للشرطي.

    ورغم أن المحكمة أسقطت التهم التي وجهها أفراد الشرطة ضد عمر بهاء في العام 2003، فإنه لم يتم بعد عقد جلسة البت في التهم التي وجهها عمر بهاء ضد أفراد الشرطة. ويساور منظمة العفو الدولية القلق بشكل خاص إزاء نظام القضاء "ذي السرعتين" الذي توضحه هذه القضية. كذلك شعرت بالقلق من أن وكيل النيابة لم يتوخ اليقظة الواجبة عندما تغاضى عن وضع عمر بهاء بينما كان في حجز الشرطة.

    8.5 إساءة معاملة أبناء منطقة القبائل
    في ليلة 31 ديسمبر/كانون الأول 2003 – 1 يناير/كانون الثاني 2004 (سانت – سيلفستر)، كانت مجموعة من أبناء منطقة القبائل (أقلية عرقية) تحتفل بالتئام شمل العائلة في مطعم في باريس يملكه محمد أميار. وعقب حدوث مشادة خارج المطعم، تدخل شرطيان وخرج إليهما صاحب المطعم. وأعقب ذلك جدال زُعم فيه أن الشرطيان أوقعا صاحب المطعم على الأرض وضرباه بهراوة. ثم خرج صديق لمحمد أميار كان يحمل طفله الصغير مع زوجته. واستمر الجدال وكان الطفل من ضمن الذين رُشوا عندها بالغاز المسيل للدموع. واستدعيت تعزيزات ووصل عدد من أفراد الشرطة يصل إلى 30 شرطياً ينتمون إلى ألوية مكافحة الجريمة إلى باب المطعم. وورد أن امرأة وطفلها رُشا مرة أخرى بالغاز. وانتشر الغاز المسيل للدموع داخل غرفة صغيرة كان يقام فيها الاحتفال. واشتكى عدة شهود بعد ذلك من الشعور بالاختناق قبل أن يتمكنوا من إخلاء المطعم. وشوهد أحد الضيوف، وهو مواطن سويدي اسمه غوستا كلايسون، وهو يترنح في مشيته في طريقه إلى البيت عند حوالي الساعة 3,30 صباحاً. وعُثر على جثته في بيت الدرج العائد لبيته في فترة لاحقة من صباح ذلك اليوم. وفي هذه الأثناء، احتُجز محمد أميار وشقيقه زهير لمدة 48 ساعة لدى الشرطة بتهمة توجيه شتائم ومقاومة الاعتقال وأُمر بالمثول أمام المحكمة الإصلاحية الثالثة والعشرين في 2 يناير/كانون الثاني 2002 بصفة فورية (صفة المثول الفوري). وحُكم عليهما بالسجن لمدة شهرين مع وقف التنفيذ.

    وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي تقرير خاص، وجه بيـير تروش رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن انتقادات لاذعة "للعدوان العنصري المنحرف" الذي اتسمت به عملية اقتحام مطعم أبناء منطقة القبائل. ووفقاً للجنة المذكورة، أوضحت القضية عدة نقاط تتعلق بالإفلات الفعلي للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من العقاب. ووفقاً لتقرير اللجنة لم يحل الضابط المسؤول القضية فوراً على النائب العام، كما هو ملزم قانونياً. ولم تُرسل الشرطة في طلب أية مساعدة طبية إلى أولئك الذين ربما كانوا يعانون من تأثير الغاز المسيل للدموع. ولم تُكشف هوية الشرطي الذي أطلق القنبلة المسيلة للدموع ولم تبذل المفتشية العامة للأجهزة كما يبدو جهداً لمعرفة هوية الشرطي المعني. ولم يربط بيـير تروش بصورة مباشرة بين وفاة غوستا كلايسون واستخدام الغاز المسيل للدموع، لكنه ذكر بأن : "العنف الذي ذهب غوستا ضحيته لا يمكن إلا أن يزيد من خطر الموت الذي تعرض له".33 وقد تلقت منظمة العفو الدولية أنباء تفيد أن فحصاً مستقلاً أظهر أنه ... قُتل بسبب رشه بالغاز المسيل للدموع ... المقاضاة؟؟؟

    9.5 سوخويندر سينغ
    في إبريل/نيسان 2004 ورد أن طالب لجوء يدعى سوخويندر سينغ تعرض للضرب الوحشي من جانب شرطي في المقاطعة الثامنة عشرة أو منطقة غروت دور في باريس، في أعقاب جدال. وكانت امرأة تصحب طفلاً شاهداً على ما حدث، وقد ورد أنها طُرحت أرضاً من جانب الشرطة عندما حاولت التدخل ونُقلت إلى المستشفى وهي مصابة بجرح في ركبتها. وبحسب ما ورد خُبط رأس سوخويندر سينغ ثلاث مرات بطرف غطاء محرك سيارة بيجو حمراء انبعج نتيجة لذلك. ثم كُبلت يداه واقتيد إلى مركز الشرطة، حيث ورد أنه وُجهت إليه لكمات على وجهه وأعلى وأسفل بطنه وكبده. ثم أمر بالمغادرة. وحالما خرج انهار على الرصيف وبادر صيدلي إلى استدعاء المسعفين الطبيين الذين نقلوه إلى مستشفى بيشات. وأجريت له فحوص وأُعطي شهادة طبية.

    ووفقاً للأنباء، سبق لسوخويندر أن تعرض لسوء المعاملة على يد الشرطي نفسه الذي كان كما زُعم يطلب مالاً من بعض طالبي اللجوء الذين كانوا يعملون كباعة متجولين في الشوارع بدون ترخيص. ولم يتمكنوا دائماً من إعطائه النقود، أو رفضوا أن يفعلوا ذلك. وتقدم سوخويندر سينغ بشكوى حول إساءة معاملته إلى المفتشية العامة للأجهزة في إبريل/نيسان. وفي يناير/كانون الثاني 2005 أبلغت محامية سوخويندر سينغ منظمة العفو الدولية أنها طلبت نسخة من تقرير المفتشية العامة للأجهزة في سبتمبر/أيلول 2004، لكنها لم تتلقاها بعد. واشتكت المحامية لدى النائب العام الذي أمر المفتشية العامة للأجهزة بإعطائها نسخة من التقرير. ومازالت القضية مستمرة.

    10.5 إساءة المعاملة خلال محاولات الإبعاد القسري
    في تقرير نُشر في مارس/آذار 2003 أشارت الجمعية الوطنية للمساعدة على الحدود إلى "الضغوط النفسية والتخويف والإهانات والوحشية وأفعال العنف" التي يرتكبها أفراد الشرطة ضد الرعايا الأجانب في أماكن الاحتجاز في مطار رواسي – شارك ديغول. وأشارت المنظمة غير الحكومية أطباء العالم في العام 2003 إلى أنها تلقت في العام السابق 15 زعماً حول استخدام العنف مؤيدة بالتقارير الطبية التي تؤكد بأن الجروح تتطابق مع المزاعم. كذلك تلقت المنظمة غير الحكومية 45 زعماً آخر حول استخدام العنف.

    ووفقاً لكلا التقريرين، فإن عنف الشرطة – سواء ارتكبته شرطة الحدود أو الفرق السيَّارة لمكافحة الشغب مثل السرايا الجمهورية للأمن – جرى في مختلف الأماكن المهمة : عند النـزول من الطائرة؛ وخلال عمليات التدقيق التي تجريها الشرطة في المطارات عند تقديم طلبات اللجوء؛ وخلال النقل إلى أماكن الاحتجاز أو في مراكز الشرطة. واتخذت إساءة المعاملة شكل ضربات ولكمات وركلات على الساقين أو البطن والضرب على الأذنين أو إحكام شد الأصفاد أكثر من اللازم. وأشارت الجمعية الوطنية للمساعدة على الحدود إلى عدد من الحالات الفردية التي وثّقتها على مدى عدة سنوات. ونشأت إحدى تلك الحالات، التي وُصفت في التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2002، عندما لاحظ موظف رسمي في وزارة الخارجية امرأة مستلقية على أرض منطقة الاحتجاز والدماء تغطي ساقيها. وزعمت المرأة واسمها بلاندين تونديدي مالوزا وهي من جمهورية الكونغو الديمقراطية أن هذه الجروح ناجمة عن ركلها من جانب شرطي سحبها إلى الخلف وجرجرها على الأرض من شعرها عندما قاومت محاولات وضعها على طائرة لإعادتها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقبلت السلطات الفرنسية فيما بعد طلب اللجوء الذي قدمته.

    بيد أن مزاعم سوء المعاملة نادراً ما تُواجه بأية إجراءات. ولاحظ ممثلو المنظمة غير الحكومية الذين زاروا أماكن الاحتجاز افتقار التقارير الطبية إلى الشمولية : "فالشهادة الطبية لمنطقة الاحتجاز 3 هي عبارة عن استمارة مطبوعة سلفاً تُعدد الإصابات، لكنها لا تشير إلى أقوال الضحايا. ولا يتم وضع علامة إلا في المربع المعلم بعبارة "اعتداء". ولا يشار أبداً بالدقة الضرورية إلى تفاصيل الملابسات التي أدت إلى صدور المزاعم. وتضمنت بعض التقارير الطبية مجرد عبارة ’في مطار سي دي جي‘".34

    ورغم أن بعض طالبي اللجوء تمكنوا من تقديم شكاوى، لكن غالباً ما يتضح أنها عديمة الفائدة في غياب أية تفاصيل دقيقة حول الشهادات الطبية.
    6. الخلاصات
    تؤدي قوات الشرطة دوراً مهماً في حماية الناس من الجريمة والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وتقديم الجناة إلى العدالة. وتدرك منظمة العفو الدولية أن أفراد الشرطة في فرنسا، كما في سواها، يعملون غالباً في أوضاع صعبة ومشوبة بالتوتر ومحفوفة بالخطر ويواجهون أحياناً مجرمين عنيفين.

    بيد أن أفراد الشرطة بوصفهم مؤتمنين على تطبيق القانون، عليهم أن يتأكدوا من أنهم يعملون في ظل سيادة القانون. ويتعين على الدول أن تكفل تدريب أفراد الشرطة وتوجيههم وتزويدهم بما يلزم للتمسك بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها تلك التي تُحظر التمييز؛ وتلك التي تقيد استعمال القوة، وبخاصة الأسلحة النارية، بحيث تكون الملجأ الأخير، وتلك التي تحظر ممارسة التعذيب وسوء المعاملة. وعند الاشتباه بارتكاب أفراد الشرطة انتهاكات لحقوق الإنسان، يجب إجراء تحقيقات سريعة وحيادية ومستقلة وشاملة في القضية. وينبغي تقديم المتهمين بارتكاب هذه الانتهاكات إلى العدالة، بينما يجب توفير حماية صارمة لحقوقهم كمشتبه بهم ومتهمين رسمياً، كما تنص على ذلك المعايير الدولية، إلا أنه يجب أن يخضعوا للمساءلة الكاملة عن أية أفعال غير قانونية اقترفوها على أن تتم مساءلتهم بما يتماشى مع خطورة الجرم. وينبغي على النيابة العامة والقضاء أن يعاملا أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب انتهاك القانون كما يعاملان أي شخص آخر متهم بانتهاك القانون. ولا يجوز أن تكون هناك "عدالة بسرعتين". ويساور منظمة العفو الدولية القلق من عدم حصول ذلك في فرنسا.

    وقد حاول هذا التقرير إظهار بعض العوامل المختلفة التي تتضافر لخلق ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب في حالات وحشية الشرطة في فرنسا. وكون فرنسا ليست بأي حال من الأحوال الوحيدة في هذا المجال لا يقلل من الطبيعة الملحة لإعادة النظر في الأساليب التي تتم فيها معاملة الشكاوى المقدمة ضد الشرطة ولتغيير الموقف المتساهل عموماً للمحاكم وأعضاء النيابة العامة إزاء انتهاكات الشرطة في وقت يشهد فيه عدد شكاوى الاستخدام المفرط وغير الضروري للقوة ولسوء المعاملة ارتفاعاً واضحاً.

    ويزداد قلق منظمة العفو الدولية بكون الأغلبية الساحقة من هذه الحالات تتعلق برعايا أجانب أو مواطنين فرنسيين من أصل أجنبي – وهي حقيقة تشير إلى التقاعس المستمر في التدريب والتعليم المتعلقين بالتمييز العنصري، وبمفهوم حقوق الإنسان، بما في ذلك "القيم الجمهورية" التقليدية الفرنسية، مما يعني تطبيق هذه الحقوق والقيم بالتساوي على الجميع بصرف النظر على الأصل العرقي أو القومي.

    وقد وثَّق التقرير نمطاً يمكن فيه لعناصر ظاهرة الإفلات من العقاب أن تشوب الحالة منذ بداية الاعتقال، ويجوز أن تتجلى بشكل متواصل بمختلف الطرق طوال العملية. وتظهر بعض الحالات المبينة كيف أن التدقيق الاستفزازي في الهوية والذي يعكس السلوك غير المهني من جانب الشرطة، يمكن أن يتحول إلى أعمال عنف ويؤدي إلى توجيه تهم بإساءة المعاملة من جانب وتهم مقابلة بإهانة موظف رسمي أو مقاومته من ناحية أخرى. وقد تتواصل العملية مصحوبة بتقاعس عن التقيد بلوائح الحجز لدى الشرطة مثل إهمال الرعاية الطبية؛ والتقاعس عن السماح بالاتصال بالأقرباء أو الأصدقاء المقربين أو أرباب العمل؛ والإغفال أو انعدام الدقة في محاضر الحجز؛ ومشاكل التعرف على هوية أفراد الشرطة المعنيين والتضامن بين أفراد الشرطة في رفض كشف هوية أفراد الشرطة المذنبين أو التعامل مع الشكاوى المقدمة ضد الزملاء وما إلى ذلك. وقد تقترن مع تقاعس المؤسسات الرسمية عن السماح للمعتقلين بالاستعانة بمستشار قانوني منذ بداية حجز الشرطة في عدد متزايد من الحالات أو عن تسجيل استجواب الشرطة للراشدين بالصوت والصورة.

    وقد أشار هذا التقرير إلى أنه إضافة إلى هذه المشاكل هناك مشاكل مثل البحث عن وسائل فعالة أخرى لتقديم شكاوى. ويتفاقم تقاعس الشرطة عن إجراء تحقيقات داخلية سريعة وحيادية ومستقلة وشاملة في ممارسة سوء السلوك أو الانتهاكات من جانب الشرطة، جراء منع الضحايا من تقديم شكاوى أو عرقلة تقديمها. وهناك عمليات تأخير وافتقار إلى الشمولية في الإجراءات القضائية. ويتمتع أعضاء النيابة العامة بصلاحيات استنسابية مفرطة، وهناك افتقار إلى الشفافية في

    توضيح القرارات المتخذة بإقفال ملفات القضايا، أو في إطلاع العائلات أو الأصدقاء المقربين تلقائياً وتباعاً بالنسبة للتحقيقات التي تجري في حالات وفاة اختلفت بشأنها الآراء، كما تقتضي المعايير الدولية. ويمكن أن نضيف إلى هذه المشاكل التحيز في الحالات التي يتصرف فيها أعضاء النيابة فعلياً كممثلين للدفاع في الحالات الخطيرة لانتهاكات الشرطة؛ والاستخدام الخلافي، الذي يصل إلى حد الاستغلال، للحجة الدفاعية المتمثلة "بالدفاع عن النفس" أو "دفاع الضرورة". وعلاوة على ذلك، تتم في مرات عديد تبرئة ساحة أفراد الشرطة أو تصدر عليهم أحكام رمزية في حالات إساءة استخدام الأسلحة أو في الحالات الخطيرة لسوء المعاملة. وتظل المحاكم تشعر بالقلق الشديد إزاء مضاعفات إصدار عقوبات اتعاظية ضد أفراد الشرطة، ويعود ذلك بدون شك في جزء منه على الأقل إلى الخوف من احتجاجات نقابات الشرطة.

    ويجب أن تُضاف إلى هذه القضايا بواعث القلق إزاء طريقة استخدام أساليب التقييد خلال عمليات الاعتقال الصعبة أو الإبعاد القسري، بما فيها وسائل التقييد التي يمكن أن تؤدي إلى اختناق وضعي

     

    التصرفات القذرة للبوليس الفرنسي

    البوليس الفرنسي يهدد بتمزيق " صحيفة العماد " لو تم توزيعها في باريس

    البوليس الفرنسي يمنع مراسل صحيفة العماد من تصوير الاماكن الوسخة و الاوضاع الخربة و المزرية في احياء المهاجرين في باريس في الوقت نفسه السلطات العربية تترك مراسلين فرنسا في البلدان العربية حرية التصوير للاماكن في الدول العربية و التي غالبا تشتمل على الاماكن القبيحة دون الاماكن النظيفة بحجة حرية الصحافة

    البوليس الفرنسي يهدد بالاعتقال لمراسل العماد لو تم استعمال الكاميرا في اي مكان في باريس دون الحصول على اذن من مدير شرطة باريس

    لماذا تترك الدول العربية والاسلامية " الخانعة " الحرية التامة للصحافة الفرنسية في التحرك والتجسس داخل بلدانهم وتناول الاسلام والثقافة والحضارة التي تنتمي اليها هذه الدول بالسباب والسخرية والاسنهزاء ولماذا هذا الاحترام الزائد عن حده للفرنسيين في بلادنا !

      فرنسا : القضاء يخذل ضحايا وحشية الشرطة  6 إبريل 2005    

    قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن وزراء الحكومة والقضاة وكبار ضباط الشرطة الفرنسيين يسمحون لأفراد قوات الشرطة باستخدام القوة المفرطة والمميتة أحياناً ضد المتهمين المنحدرين من أصل عربي وأفريقي بدون خوف من انعكاسات خطيرة.

    وفي تقريرها الذي يحمل عنوان فرنسا : البحث عن العدالة، الذي يمثل 10 سنوات من توثيق الحالات وفضحها، أماطت منظمة العفو الدولية اللثام عن أدلة حول التقاعس واسع النطاق لنظام القضاء في المقاضاة والمعاقبة على انتهاكات حقوق الإنسان. وهذا يشمل "نظام قضاء بسرعتين" – يبت في الدعاوى التي يرفعها أفراد الشرطة بدرجة من السرعة تزيد كثيراً على بته في الدعاوى التي يرفعها ضحاياهم. فعلى سبيل المثال استغرقت قضيتا يوسف خايف (قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهيش (تُوفي في الحجز) 10 سنوات لتصلا إلى المحكمة. ويسهم هذا النمط من الإفلات من العقاب في انعدام ثقة الجمهور في أن الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون يعملون تحت سقف سيادة القانون ويخضعون للمساءلة على أفعالهم. وقد تبين لمنظمة العفو الدولية أن عدداً كبيراً من الحالات لا يصل إلى قاعة المحكمة أبداً. وعندما يحصل ذلك، تكون الإدانات نادرة وغالباً ما تكون العقوبات رمزية.

    وقالت نيكولا داكويرث من منظمة العفو الدولية "برأينا، هناك إفلات فعلي لأفراد الشرطة الذين يرتكبون انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب – وقد تبين لنا أن هناك تقاعساً واسع النطاق من جانب نظام القضاء في التحقيق والمقاضاة والمعاقبة الفعالة على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في عمليات إنفاذ القانون."

    وشهد عدد عمليات إطلاق النار المميتة من جانب أفراد الشرطة والدرك، في ظروف اختلفت بشأنها الآراء، تراجعاً في السنوات الأخيرة، لكن عدد الشكاوى من سوء المعاملة ازداد. وارتفع عدد الشكاوى من سلوك الشرطة بنسبة 18,5 بالمائة في العام 2004.

    وإضافة إلى ذلك، يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء استمرار انعدام الاحترام للإرشادات الداخلية أو مدونات قواعد السلوك، فضلاً عن المعايير الدولية. ومن جملة بواعث القلق ممانعة أعضاء النيابة في متابعة الشكاوى المقدمة ضد أفراد الشرطة؛ وإساءة المعاملة وانعدام الضمانات في حجز الشرطة؛ وعمليات التأخير الطويلة غير الضرورية في الإجراءات القضائية؛ وعدم وجود تعريف كامل للتعذيب في قانون العقوبات.

    وتدعو المنظمة السلطات الفرنسية إلى إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في جميع مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان؛ وتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة عقب تحقيقات سريعة وشاملة؛ وضمان السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محامٍ منذ بداية حجز الشرطة؛ والتأكد من حصول الضحايا على تعويض.

    وقالت نيكولا داكويرث إن "منع التعذيب وسوء المعاملة هو أساساً مسألة تتعلق بالإرادة السياسية"، وأضافت بأنه يجب إخضاع كل شخص متورط للمساءلة الكاملة أياً تكن رتبته".
    وفي تقريرها الذي يحمل عنوان فرنسا : البحث عن العدالة، الذي يمثل 10 سنوات من توثيق الحالات وفضحها، أماطت منظمة العفو الدولية اللثام عن أدلة حول التقاعس واسع النطاق لنظام القضاء في المقاضاة والمعاقبة على انتهاكات حقوق الإنسان. وهذا يشمل "نظام قضاء بسرعتين" – يبت في الدعاوى التي يرفعها أفراد الشرطة بدرجة من السرعة تزيد كثيراً على بته في الدعاوى التي يرفعها ضحاياهم. فعلى سبيل المثال استغرقت قضيتا يوسف خايف (قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهيش (تُوفي في الحجز) 10 سنوات لتصلا إلى المحكمة. ويسهم هذا النمط من الإفلات من العقاب في انعدام ثقة الجمهور في أن الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون يعملون تحت سقف سيادة القانون ويخضعون للمساءلة على أفعالهم. وقد تبين لمنظمة العفو الدولية أن عدداً كبيراً من الحالات لا يصل إلى قاعة المحكمة أبداً. وعندما يحصل ذلك، تكون الإدانات نادرة وغالباً ما تكون العقوبات رمزية.

    وقالت نيكولا داكويرث من منظمة العفو الدولية "برأينا، هناك إفلات فعلي لأفراد الشرطة الذين يرتكبون انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب – وقد تبين لنا أن هناك تقاعساً واسع النطاق من جانب نظام القضاء في التحقيق والمقاضاة والمعاقبة الفعالة على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في عمليات إنفاذ القانون."

    وشهد عدد عمليات إطلاق النار المميتة من جانب أفراد الشرطة والدرك، في ظروف اختلفت بشأنها الآراء، تراجعاً في السنوات الأخيرة، لكن عدد الشكاوى من سوء المعاملة ازداد. وارتفع عدد الشكاوى من سلوك الشرطة بنسبة 18,5 بالمائة في العام 2004.

    وإضافة إلى ذلك، يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء استمرار انعدام الاحترام للإرشادات الداخلية أو مدونات قواعد السلوك، فضلاً عن المعايير الدولية. ومن جملة بواعث القلق ممانعة أعضاء النيابة في متابعة الشكاوى المقدمة ضد أفراد الشرطة؛ وإساءة المعاملة وانعدام الضمانات في حجز الشرطة؛ وعمليات التأخير الطويلة غير الضرورية في الإجراءات القضائية؛ وعدم وجود تعريف كامل للتعذيب في قانون العقوبات.

    وتدعو المنظمة السلطات الفرنسية إلى إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في جميع مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان؛ وتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة عقب تحقيقات سريعة وشاملة؛ وضمان السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محامٍ منذ بداية حجز الشرطة؛ والتأكد من حصول الضحايا على تعويض.

    وقالت نيكولا داكويرث إن "منع التعذيب وسوء المعاملة هو أساساً مسألة تتعلق بالإرادة السياسية"، وأضافت بأنه يجب إخضاع كل شخص متورط للمساءلة الكاملة أياً تكن رتبته

  • أصدقاء الإنسان الدولية / فيينا (منظمة للدفاع عن حقوق الأنسان)

    أين تكمن الحقيقة؟

    تقرير يبحث في ملابسات وفاة ثلاثة من المحتجزين في سجن قاعدة غوانتانامو

    مانع العتيبي، ياسر الزهراني وصلاح الدين السلمي

    رقم الوثيقة:AG / 040 / 06 / Ar.

    مقدمة

    لقد مضى مايقرب من 54 شهراً، على بدء السلطات الأمريكية بنقل أسرى الحرب من أفغانستان وغيرها، إلى القاعدة العسكرية الأمريكية في خليج غوانتانامو في كوبا، واحتجازهم وتجريدهم فيها من كثير من حقوق الأسرى العادية. أربع وخمسون شهراً من الإعتقال التعسفي والإنتهاكات اللامحدودة لآدمية البشر، تُرتكب من قبل سلطات الدولة الأمريكية، التي نصت قوانينها على حظر هذه الإعتقالات والإنتهاكات.

    في العاشر من حزيران 2006، أعلنت السلطات الأمريكية عن وفاة ثلاثة من الأسرى المحتجزين

    في غوانتانامو. ومن أجل الوقوف على ما تمارسه تلك السلطات بحق المعتقلين هناك، وعلى ملابسات حدوث هذه الوفيات، نورد في هذا التقرير، مقاطع مختصرة من شهادات أسرى تعرضوا للتعذيب في السجن المذكور، ونُذَكر بإعلان السلطات الأمريكية عن مواجهة وصفتها بالعنيفة بين المعتقلين والجنود في 18 أيار 2006، وبالرواية الرسمية الأمريكية بشأن حادثة الوفاة، وكذلك رأي منظمة أصدقاء الإنسان الدولية بما حدث.

    مقاطع مختصرة من شهادات أسرى سابقين وحاليين في غوانتانامو 

    تشير جميع الشهادات التي أدلى بها معتقلون سابقون أو حاليون في سجن قاعدة غوانتانامو، إلى ارتكاب سلطة سجن قاعدة غوانتانامو، والفرق العسكرية والأمنية الأمريكية العاملة هناك، لانتهاكات منتظمة بحق الأسرى المحتجزين هناك، وكذلك إلى حدوث حالات تعذيب بدنية ونفسية واعتداءات جنسية متعددة ومتكررة، لا يمكن أن نصفها بالفردية، بل هي ومع كل أسف من أبشع عمليات التعذيب المنهجي والمقصود في الوقت الحاضر. بل تشير تلك الشهادات إلى انتهاج سياسة تحقير معتقدات المحتجزين ودينهم وكتابهم المقدس القرآن الكريم، والإعتداء عليهم خلال أدائهم للصلوات والأدعية التي يمارسونها.

    وتؤكد تلك الشهادات كذلك على قيام فرق الشغب العسكرية والفرقة المسماة فرقة تعزيز النظام “ERF” Extreme Reaction Force بتدخلات متكررة، في حالات قمع احتجاجات الأسرى، واعتدائها عليهم بالضرب المبرح الذي أفضى في حالات إلى كسور ونزيف للدم وفقدان للوعي وإلى الشلل كذلك.

    وهنا نورد مقتطفات مختصرة من بعض الشهادات:

    *كتب الأسير البحريني السابق في غوانتانامو السيد عادل كامل عبد الله، في مذكراته الخاصة باعتقاله واحتجازه في سجن قاعدة غوانتانامو، أنَّ فرق الشغب العسكرية كانت تُستدعى في حالات الإحتجاج التي يقوم بها الأسرى، وأنَّ أفرادها كانوا يقتحمون الزنازين ويجتمعون على ضرب المعتقلين وينكلون بهم، وخصَّ بالذكر حادثة ضرب المعتقل السعودي مشعل الحربي بطريقة عنيفة ما اضطُرَ إلى نقله إلى المستشفى، ثم ادَّعاء السلطات بأن السيد الحربي قد حاول الإنتحار."1" 

    *كتب المعتقل السوداني الحالي في غوانتانامو سامي محيي الدين الحاج واصفاً كيفية تنكيل قوات الشغب العسكرية بالمعتقلين أثناء عملية إحتجاج قام بها المعتقلون جراء إنتهاك الجنود لإحدى حقوقهم الدينية، وأنها قامت بضربهم وربطهم بالسلاسل والقيود، وأنهم قاموا بضربه شخصياً وطرحوه أرضاً، وأنَّ أحدهم أمسك برأسه وضربه في الأرضية الخرسانية فشجه، وضربه ثانية فجرح جفنه وغطى الدم وجهه وهو موثق بالسلاسل والقيود. وكتب مرة أخرى أنَّ تلك القوات إقتحمت على المعتقل عبد العزيز المصري داخل زنزانته وقامت بضربه حتى كُسرت له فقرتين من العمود الفقري وأصبح بعدها لا يستطيع الحركة."2"

    *وصف الأسير البريطاني السابق في غوانتانامو، السيد جمال الحارث؛ في شهادته عن ظروف إعتقاله والتحقيق معه في أفغانستان وغوانتانامو؛ أعمال التنكيل والتعذيب التي تمارسها الأطقم الأمنية والعسكرية بحق الأسرى هناك."3"

    *أفاد الأسير السابق في غوانتانامو؛ البريطاني الجنسية؛ السيد طارق درغول، أنَّ الفرقة الأمنية الأمريكية، قوات تعزيز النظام  ERF، دأبت خلال عمليات قمع الأسرى المحتجين، على تكبيل المعتقلين بالسلاسل وضربهم كالحيوانات، وكان يتم تسجيل ذلك بكاميرات تلفزيونية."4"

    *أفاد الأسرى البريطانيون السابقون الثلاثة في غوانتانامو، السيد شفيق رسول والسيد آصف إقبال والسيد روهيل احمد، أنهم شهدوا حالة تعذيب عنيف تعرض لها الأسير السعودي/البحريني جمعة الدوسري. وروى الثلاثة أنَّ المعتقل جمعة ردَّ الدوسري في إحدى المرات بالكلام على مجندة أمريكية، فغضبت وأمرت ثمانية جنود بضربه، حيث قاموا بتوجيه العديد من اللكمات والرفسات له، وقاموا بتهشيم وجهه بضربه في الأرضية الصلبة المصنوعة من الباطون، مما أدى إلى تحطم أنفه وكسر فكه، مؤكدين أن المياه التي غسل بها الجنود الزنزانة، تحولت للون الأحمر لشدة ما فقد الدوسري من الدماء."5"

    *أفاد الأسير الحالي في غوانتانامو جمعة الدوسري السعودي/البحريني الجنسية، أنَّ سلطة المعتقل تستخدم قوات مكافحة الشغب في حالات متعددة، وكتب أن تلك القوات، لا بد لها أن تسيل دم المعتقل، أو تكسر عظامه، إذا دخلوا عليه زنزانته، ونادراً ما كانوا يخرجون بدون إصابات في المعتقلين العزل."6"

    تهيئة الرأي العام، مواجهة 18 أيار العنيفة بين المعتقلين والجنود

    لقد أشارت السلطات الأمريكية يوم الجمعة 19 أيار 2006، أنَّ مواجهات عنيفة بين عشرة من المعتقلين وعشرة من الجنود حصلت أمس الخميس (18/5) في معتقل غوانتانامو، إشترك معتقلون آخرون على إثرها بأعمال إحتجاجية. وقالت إنَّ تلك المواجهات أسفرت عن إصابة ستة من المعتقلين بجروح، وفقدان معتقلين لوعيهما بعدما حاولا الإنتحار عن طريق بلع أقراص.

    وقد أعلنت السلطات الأمريكية مراراً، عن محاولات إنتحار مفترضة (تصر على وصفها بأعمال حربية) لأسرى يقبعون في سجن قاعدة غوانتانامو العسكرية، ونعتقد أنًّ المقصود من تلك التصريحات، تهيئة الراي العام الدولي لتقبل إمكانية موت معتقلين في ذلك المعتقل، لأن هذه السلطات، تعلم أن المعتقلين يعيشون في ظروف صحية ونفسية قلَّ ما استطاعت جماعة بشرية تحملها، وأنَّ العشرات من المعتقلين يُضربون بوحشية في مناسبات عديدة، فبما أن الإعداد لمثل هذا اليوم قد تمّ نسبياً، فلا ضَير أن يُعلن للعالم أن ثلاثة من المعتقلين شنقوا أنفسهم.

    الرواية الرسمية

    أعلنت السلطات الأمريكية يوم السبت 10 حزيران 2006، عن إنتحار ثلاثة من المعتقلين في سجن قاعدة غوانتانامو، وقالت أنَّ الحراس عثروا على الثلاثة غائبين عن الوعي، بعد أن شنقوا أنفسهم بأغطية الأسرة والملابس، وقالت أنها تؤكد على ضرورة احترام الجثث والتعامل معها بما تفرضه التقاليد.

    تبين لاحقاً أنّ الأسرى المتوفين هم:

    *مانع بن شامان بن تركي الحبردي العتيبي، سعودي الجنسية،

    *ياسر طلال عبد الله يحيى الزهراني، سعودي الجنسية كذلك،

    *صلاح الدين علي عبد الله السلمي، يمني الجنسية.

    مقولة او فرضية الإنتحار مستبعدة

    إن منظمة أصدقاء الإنسان الدولية تستبعد مقولة أو فرضية الإنتحار التي تصر عليها السلطات الأمريكية لعدة أسباب:

    1.     المراقبة الدائمة والدقيقة للمعتقلين من قبل الطواقم الأمنية الأمريكية وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، بواسطة الحراس والكاميرات التلفزيونية ووسائل أخرى.

    2.     منذ افتتاح المعتقل وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، لم يقم أي من الأسرى بقتل نفسه.

    3.     ظهور علامات وآثار تعذيب (نُدَب وكدمات) على جثث الأسرى الثلاثة المتوفين، حسب شهادات أهاليهم."7+8"

    4.     قيام السلطات الأمريكية بتشريح جُثث الأسرى المتوفين، وتفريغ إثنتين على الأقل منها (جُثتي العتيبي والسلمي) من بعض الأعضاء الداخلية."7+8"

    5.     في تاريخ 19 حزيران 2006، أكد والد الأسير الزهراني أنَّ وفاة ولده قد حدثت قبل حوالي ثلاث أسابيع.

    6.     عدم موافقة السلطات الأمريكية على إجراء تحقيق محايد في حادثة وفاة الأسرى الثلاثة، مما يثير شكوكاً في رواية السلطات.

    7.     كل المعتقلين في جوانتانامو يعتنقون الديانة الإسلامية، ويعلمون أنَّ الدين الإسلامي ينص على إلإقامة الأبدية للمنتحر في النار، لهذا السبب لا يمكن أ ن يقدم أحدهم على الإنتحار إذا كان مدركاً لتصرفاته.

    إستنتاج

    بالنظر للأسباب السبعة التي ذكرناها سالفاً، وربطاً مع حادثة المواجهات التي حصلت يوم 18 أيار 2006، وحوادث أخرى سابقة بين الأطقم الأمنية الأمريكية والمعتقلين، وتأسيساً على شهادات أسرى حاليين وسابقين في جوانتانامو أكدت على وقوع عمليات ضرب وتنكيل عنيفة بحق المعتقلين هناك.  

    وكذلك إذا ما أخذنا في الإعتبار، تكرار حوادث التعذيب العنيف، التي أفضت إلى وفاة العديد من الأسرى في السجون التي تديرها القوات الأمريكية في العراق، فإنَّ منظمة أصدقاء الإنسان الدولية أصبح لديها إعتقاد عميق، أنّ المعتقلين ياسر الزهراني ومانع العتيبي وصلاح الدين السلمي، تُوُفوا جراء الإنتهاكات في معتقل سحق الحقوق البشرية في غوانتانامو، وقد تكون وفاتهم نتيجة لتدخل فرق قوات الشغب العسكرية وفرقة تعزيز النظام، خلال عمليات الإحتجاج المذكورة أواسط أيار الماضي.

    مطالب أصدقاء الإنسان الدولية

    نظراً لعدم ثبوت قيام المعتقلين في غوانتانامو بجرائم، ونظراً لعدم شرعية محاكمة أسرى الحرب، فإنَّ منظمة أصدقاء الإنسان الدولية تطالب السلطات الأمريكية بما يلي:

    1.     وقف جميع أشكال عمليات التعذيب التي تمارس بحق الأشخاص المحتجزين لدى السلطات الأمريكية.

    2.     إجراء تحقيق مستقل بحادثة وفاة المعتقلين الثلاثة، وتقديم المسؤولين عن وفاتهم إلى القضاء.

    3.     السماح لأهالي الأسرى بإجراء زيارات طبيعية لذويهم في غوانتانامو، لحين البت في إغلاق السجن.

    4.     ندعوا المحكمة العليا الأمريكية إلى نزع الشرعية عن اللجان العسكرية التي شكلتها الحكومة الأمريكية لمحاكمة الأسرى في غوانتانامو.

    5.     إغلاق سجن قاعدة غوانتانامو، لأنَّ بقاءه يمثل مساهمة كبيرة في تغييب القوانين المنصفة، وعاراً على منظومة حقوق الإنسان.

    6.     إطلاق سراح أسرى الحرب في غوانتانامو، وإعادتهم إلى بلدانهم.  

    شهادات أسرى سابقين وحاليين في غوانتانامو ومصادر

    "1" مقتطفات من مذكرات الأسير السابق في غوانتانامو

    السيد عادل كامل عبد الله / البحرين

    كتب الأسير السابق عادل كامل عبد الله: "في عام 2002 وبعد عيد الفطر، كان الأخ السعودي مشعل الحربي، محتجزاً في زنزانة انفرادية في العنبر "إنديا"، وفي الفترة المسائية وبعد صلاة المغرب، قام أحد الجنود بالاستهزاء بالدين الإسلامي والقرآن الكريم، ثم بدأ بلمس المصحف والاستهزاء به، فغضب المعتقلون وبدؤوا بالصياح والضرب على شبك الزنازين.

    ولكن هذه المرة أراد القائد الجديد للمعتقل أن يكسر عزيمة المعتقلين بالقوة، فتم جلب فرقة أو فرقتين من قوات الشغب العسكرية، ثم قاموا بإطفاء الأنوار في الزنازين وفي الساحات الخارجية للمعتقل، حتى أصبح عنبر "إنديا" في ظلام دامس جداً، ثم بدأت قوات الشغب بالدخول على المعتقلين في الزنازين وفي الزنازين الانفرادية الواحدة تلو الأخرى، وفي أيديهم كشافات قوية يوجهونها إلى أعين المعتقلين، ثم يقومون بضرب المعتقل بشكل جماعي، حتى سال الدم من أجساد العديد من الشباب ومن وجوههم وأفواههم وأنوفهم.

    وفجأة سمعنا بعض الهمهمات والهمسات بين الجنود وقوات الشغب، ثم أعيدت الأنوار. كان الشباك في الزنزانة الانفرادية التي وضع بها أحد الإخوة المعتقلين ليست محكمة الإغلاق وكانت قريبة من الزنزانة الانفرادية التي وضع بها الأخ السعودي مشعل الحربي، وقد أخبرنا هذا الأخ وكذلك شاهد آخر من الإخوة أثناء إعادته من غرفة التحقيق بأنهما شاهدا قوات الشغب يُخرجون مشعل من زنزانته والدم ينزف من فمه وأنفه ثم حملوه إلى العيادة. وكانت الدماء موجودة في الممرات وفي الزنزانة الانفرادية التي وضع بها مشعل.

    وقد حضر المسئولون بالسجن للتحقيق في الحادث ورؤية الدماء وأغلقوا الزنزانة، ثم جاء بعض الخبراء الذين يلبسون الملابس البيضاء في اليوم التالي ورفعوا البصمات وأخذوا عينات من الدماء التي في الزنزانة وفي الممرات، واستمرت التحقيقات والتحريات مدة يومين ثم قاموا بغسل الدم من الممرات ومن الزنزانة ثم أقفلوها وشمّعوها بالشمع الأحمر ومنعوا الدخول إليها.

    بدأ المعتقلون يلحون في السؤال عن مشعل وتعالت الأصوات المطالبة بمعرفة حالته الصحية، وأشيع بين المعتقلين أن مشعل قد مات تحت التعذيب، وطالبنا المسئولين بالكشف عن الحقيقة، فارتبك مدير السجن والجنود ونفوا أن يكون مشعل قد مات، وأكدوا لنا بأنه في المستشفى وأنهم سيوافوننا بأخباره أولا بأول.

    وبعد أسبوع جاء بعض الأطباء ليخبرونا بكذبة من كذبات الأمريكان التي لا تنتهي وهي أن مشعل قد حاول الانتحار في الزنزانة الانفرادية وذلك بشنق نفسه بالمنشفة الصغيرة التي يعطونها لنا والتي لا تكفي حتى للفها حول الوسط ناهيك عن ربطها في السقف ولفها على الرقبة. ولأننا نعرف أن هذا الأمر مستحيل فقد اتهمناهم بالكذب وتلفيق الاتهامات ضدنا وضد أخينا مشعل الذي يتمتع بقوة عزيمته وصبره، وكان هو الذي ينصحنا دائماًَ بالصبر واحتساب الأجر، فكيف سيقدم على الانتحار. والحقيقة أن مشعل قد تعرض للضرب خلال فترة إطفاء الأنوار، وكان الهدف من إيذاء مشعل بهذه الطريقة الوحشية هو إرعاب باقي المعتقلين لثنيهم عن التمادي في العصيان والاعتراض على الأوامر."

    قوال السيد عبد الله متوفرة لدى منظمة أصدقاء الإنسان الدولية

    "2" مقتطفات من شهادة الأسير { سابقا }  في غوانتانامو

    السيد سامي محيي الدين الحاج / السودان

    مقاطع من رسالتين مطولتين أرسلها المعتقل سابقا سامي الحاج مطلع تشرين الثاني، وأواسط تموز 2005، إلى محاميه البريطاني كلايف ستافورد سميث

    كتب المعتقل الحالي سامي الحاج في رسالته: "تحرشات الجنود لا تنتهي وتتنوع وتتشكل من وقت لآخر، وأذكر أنهم في أحد الأيام أخبرونا بأن أحد الجنود وضع رجله على القرآن الكريم حتى طبع حذاؤه على كلام الله عز وجل، فثار المعتقلون لدينهم وقرروا أن يعيدوا المصاحف إلى الإدارة الأميركية حتى لا تهان أمام أعيننا، خاصة وقد تعهد الجنرال في المرة السابقة بأن هذه التحرشات لن تتكرر مرة أخرى ثم نكثوا بعهدهم كالمعتاد.      

    إثر ذلك قرر المعتقلون عدم الخروج من الزنزانة بتاتا حتى للمشي والاستحمام اللذين هم في أمس الحاجة إليهما، حتى تجمع المصاحف.

    كالعادة، جاء المسؤولون يتوعدون ويهددون المعتقلين ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى جاءت قوات الشغب البواسل تقتحم على المعتقلين زنازينهم وتقوم بضربهم وربطهم بالسلاسل والقيود، ثم يحلقون لحاهم وشواربهم ورؤوسهم، ثم يرمونههم في الزنزانات الانفرادية.

    كأحد المعتقلين جاء دوري. وقاموا بداية برش مادة كيماوية في عيني ثم أدخلوا خمسة جنود وقاموا بضربي ثم أخذوني إلى مكان المشي، وهناك طرحوني أرضا وأمسك أحدهم برأسي وضربه في الأرضية الخرسانية فشجه، وضربني أخرى فجرح جفني وغطى الدم وجهي وأنا موثق بالسلاسل والقيود. وعلى هذه الوضعية قاموا بحلق رأسي ولحيتي وشاربي ثم أودعوني في الانفرادية وتركوني أسبح بدمي.

    وبعد ساعة جاءني أحد الجنود يسألني من النافذة هل تريد العيادة الطبية؟ فرفضت وظللت أدعو الله عز وجل وأتضرع إليه وأشكوه ظلمهم، وحين شعرت بأنني على وشك أن أفقد وعيي من شدة النزيف طلبت العيادة فجاؤوا، ومن خلال فتحة الطعام التي لا تتعدى ثلاث بوصات في عشر بوصات خيط جفني بثلاث غرز ثم ربط لي رأسي وأعطاني حبوبا مخدرة زاعما أنها مضادات حيوية فنمت من شدة القهر."

    وكتب في رسالة أخرى: "عبد العزيز المصري إقتحمت عليه فرق الشغب داخل زنزانته وقامت بضربه حتى كُسرت له فقرتين من العمود الفقري وأصبح بعدها لا يستطيع الحركة، رفض عمل اي عملية جراحية خاصة عندما رأى حال مشعل الحربي المدني الذي اصبح بعد العمليات التي أُجريت له لا يستطيع أن يحرك ساكناً."

    رسائل السيد سامي الحاج إلى محاميه، متوفرة على موقع الجزيرة نت، على شبكة المعلومات الدولية، على هذا الرابط:

    Letters of Mr. Sami al-Hajj to his Lawer, available online at:

    http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B6A0E43D-6ED7-421F-96C3-08452D68AB4A.htm

    "3" مقتطفات من شهادة الأسير السابق في غوانتانامو

    السيد جمال الحارث / بريطانيا

    يروي الأسير السابق جمال الحارث قصة إعتقاله في أفغانستان وغوانتانامو قائلاً: "وضعوني في غرفة 4×4 م، وحاولوا الضغط علي للاعتراف بشيء لم ارتكبه، ولكنني كنت متمسكا ببراءتي، وقد عانيت من انتهاكات وعلمت فيما بعد بأنها غير قانونية، وقد نتج عن هذه الانتهاكات إصابات بليغة، وكذلك هددوني بالكلاب وعرضوني للحرارة العالية وللبرد القارص، ولم يكونوا يسمحوا لي بالنوم وعرضوني للأضواء، وقدموا لي فاكهة لا تصلح للأكل، وليس هناك أي إمكانية للصلاة بل إنهم يمنعونني من أدائها.

    كانوا يقيدونني بطريقة لا استطيع معها الوقوف، وقد نتج عنها إصابات، وكانت مدة التحقيق تصل في حدها الأقصى ما بين 6-7 ساعات، إلا أنهم في إحدى المرات استمروا في التحقيق معي لخمسة عشر ساعة متواصلة، ولم يسمحوا لي خلالها بالدخول إلى الحمام. وفي إحدى المرات أيضاً، طلب مني المحقق أن أعترف بما يطلب مني وأنهم سيطلقون سراحي. وضعوني في قفص فولاذي، وكانت هذه الأقفاص باردة في الليل وحارة في النهار، كما انه في هذا القفص لا يمكن لأحد الجلوس بشكل عادي، كما لم نتمكن من النوم بسبب الضوء.

    وفي إحدى المرات وضعت في سجن انفرادي بسبب رسالة، الزنزانة كانت شديدة البرودة، وبعدها أرادوا حقني بحقنة لا اعرف ما هي، فرفضت تناولها لأنهم لم يقولوا لي ما هي الحقنة، فضربوني وقيدوا يدي ورجلي وأعطوني هذه الحقنة بالقوة، وبقيت في ذلك الوضع لمدة نقارب ثلاثة أشهر تقريبا، كما انهم اخذوا مني القرآن."  

    قوال السيد الحارث متوفرة لدى منظمة أصدقاء الإنسان الدولية 

    "4" مقتطفات من شهادة الأسير السابق في غوانتانامو

    السيد طارق درغول / بريطانيا

    يقول الأسير السابق طارق درغول: "في غوانتانامو مكثت سنة وثلاثة أشهر ... شاركت في الاحتجاجات على عدم احترام القرآن، عندما داسه المحققون وقذفوه في المرحاض، قمنا بأعمالنا الاحتجاجية والإضراب عن الطعام .تعرضنا لمضايقات جنسية وجسدية ونفسية، كانوا يستخدمون القرآن كوسيلة للتعذيب، ويجبروننا على الحلاقة ويرموننا أرضاً. وكان يأتي خمسة أشخاص من قوات تعزيز النظام “ERF” Extreme Reaction Force ويكبلوننا بالسلاسل ويضربوننا كالحيوانات والكاميرات تلتقط ذلك."

    أقوال السيد درغول متوفرة لدى منظمة أصدقاء الإنسان الدولية

    "5" مقتطفات من شهادات الأسرى السابقين في غوانتانامو

    السيد شفيق رسول والسيد آصف إقبال والسيد روهيل احمد / بريطانيا

    قال المعتقلون السابقون الثلاثة شفيق رسول وأصف اقبال وروهيل احمد إنهم شاهدوا فظاعات عديدة في جوانتانامو، بعد أن تم اعتقالهم من شمال أفغانستان في 28 شباط 2001، وأوردوا في تقرير قوامه 115 ورقة قامت صحيفة الجارديان بنشره، صنوف التعذيب والمعاملة السيئة التي يتعرض لها المعتقلون في المعسكر، على يد الجنود الأمريكيين، وأشار الثلاثة إلى أنهم شاهدوا حالة تعذيب بحق أحد البحرينيين المعتقلين هناك، وهو يدعى جمعة الدوسري والذي يعاني من مرض نفسي كان يجعله يهذي ويصرخ في زنزانته.

    ويقول الثلاثة إن المعتقل الدوسري رد في إحدى المرات بالكلام على مجندة أمريكية، والتي بلغ بها الغضب فأمرت ثمانية جنود بضربه، حيث قاموا بتوجيه العديد من اللكمات والرفسات له، وقاموا بتهشيم وجهه بضربه في الأرضية الصلبة المصنوعة من الباطون، مما أدى إلى تحطم أنفه وكسر فكه، مؤكدين أن المياه التي غسل بها الجنود الزنزانة، تحولت للون الأحمر لشدة ما فقد الدوسري من الدماء.

    شهادة مجمعة للسادة شفيق رسول وآصف إقبال وروهيد أحمد متوفرة على شبكة المعلومات الدولية، على هذا الرابط:

    Statement of Mr. Shafiq Rasul, Mr. Asif Iqbal and Mr. Rhuhel Ahmed, “Detention in Afghanistan and Guantanamo Bay,” available online at: http://www.ccrny.org/v2/reports/docs/GitmocompositestatementFINAL23july04.pdf

    "6" مقتطفات من شهادة الأسير الحالي في غوانتانامو

    السيد جمعة عبداللطيف الودعاني الدوسري / السعودية - البحرين

    مقاطع من رسالة مطولة أرسلها المعتقل جمعة الدوسري، تسلمها فريق المحامين البحرينيين المدافعين عن معتقلي جوانتانامو

    كتب الأسير الحالي جمعة الدوسري عن سلطات معتقل غوانتانامو: "فكانوا يستخدمون قوات مكافحة الشغب في أتفه الأمور لكي تكون ذريعة للاعتداء علينا ... بمباركة رؤسائهم الضباط، فكانوا إذا دخلوا على أحد الإخوة المعتقلين، لا بد أن يسيلوا دمه أو يكسروا له عظماً ونادراً ما كانوا يخرجون بدون إصابات في المعتقلين العزل.

    ولعلي أذكر هنا بعض القصص التي رأيتها بنفسي فمنها: أنهم دخلوا على أحد الإخوة المعتقلين ووضعوا رأسه في المرحاض ... سحبوا على رأسه "السيفون" حتى كاد الأخ أن يهلك.

    ودخلوا على أحد المعتقلين، وأخذوا يضربون رأسه في حافة المرحاض، حتى فقد الوعي وفقد البصر أكثر من 10 ساعات، وأصيب بتشنجات في وجهه. وكذلك دخلوا على أحد المعتقلين وكان يصلي المغرب فضربوه ضرباً مبرحاً وكان ذلك في انفرادي "I إنديا" وفي نفس اليوم دخلوا علي وضربوني ... "

    كتابات السيد الدوسري متوفرة لدى منظمة أصدقاء الإنسان الدولية

    "7+8"

    أ) أقوال وزير الصحة اليمني الأسبق ورئيس لجنة الصحة والسكان الحالي في البرلمان اليمني الدكتور نجيب غانم

    "كشف وزير الصحة اليمني الأسبق، وعضو مجلس النواب عن حزب الإصلاح المعارض، الدكتور نجيب غانم، عن تفريغ جثة السلمي من محتوياتها، بما في ذلك الأوعية الدموية أثناء عملية التشريح. وقال إن الأميركيين انتزعوا المخ والقلب والكلى بهدف تغييب المعلومات التي كانت ستوفرها هذه المحتويات والأجهزة في إجلاء الحقيقة ... "

    أقوال الوزير غانم متوفرة على موقع جريدة الشرق الأوسط، على شبكة المعلومات الدولية، على هذا الرابط

    http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issue=10065&article=369002

    ب) أقوال السادة محمد جهجاه العتيبي، قريب الأسير المتوفي مانع بن شامان العتيبي، وطلال الزهراني والد الأسير المتوفي ياسر بن طلال الزهراني

    "قال قريب أحد سعوديين اثنين أعلنت الولايات المتحدة أنهما انتحرا مؤخرا في معتقل غوانتانامو، إن السلطات الأمريكية نزعت بعض الأعضاء من جثة ابن عمه لتخفي الطريقة التي توفي بها.

    وأعادت السلطات الأمريكية جثماني ياسر الزهراني ومانع شامان العتيبي إلى الرياض بعد إجراء فحوص للجثتين بعد الوفاة.

    وقال محمد جهجاه العتيبي ابن عم مانع بن شامان العتيبي إن السلطات الأمريكية في غوانتانامو نزعت المخ والقلب والكلى والكبد "حتى لا تعرف أسباب الوفاة"، قائلا إن رأس ابن عمه "مفتوحة من الخلف وأعيدت خياطتها مرة أخرى"،. وفقا لما ذكرته صحيفة المدينة السعودية الثلاثاء 20-6-2006.

    وأضاف جهجاه، المسؤول عن المتوفى بعد وفاة والده، أنه يوجد بالجثة "آثار كدمات وعلامات سوداء في جسمه خاصة على الذراعين"، مما يعني أنه تعرض للتعذيب مطالبا بإعادة التشريح "عن طريق السلطات السعودية حتى نكون مطمئنين للنتيجة التي سيسفر عنها التشريح" .

    وكان والد ياسر الزهراني المعتقل السعودي الثاني الذي أعلنت أمريكا عن انتحاره أكد وجود آثار كدمات على جسد ولده على الرغم من مرور 20 يوما على وفاته. وقال طلال عبد الله الزهراني إن الآثار الموجودة على جسد ياسر أظهرت تعرضه للضرب، وأوضح الزهراني أنه رأى رأس ووجه وصدر نجله بمستشفى الشميسي."

    أقوال السيد محمد جهجاه العتيبي بشأن تعرض قريبه الأسير المتوفي مانع العتيبي للتعذيب وكذلك نزع بعض أعضاء جثته قبل نقلها إلى المملكة العربية السعودية، والسيد طلال الزهراني بشأن تعرض ولده الأسير المتوفي ياسر الزهراني إلى التعذيب كذلك، متوفرة على موقع العربية نت، على شبكة المعلومات الدولية، على هذا الرابط:

    http://www.alarabiya.net/Articles/2006/06/20/24900.htm

      يجب التحقيق مع رامسفيلد وتينيت في تعذيب القوات الأميركية للسجناء 

    القوات الامريكية في السجون العراقية تلجأ للأغتصاب وفض البكارة واللواط

    أستخدام السجناْء والكلاب في عمليات التعذيب الجنسية الموغلة في السادية المتوحشة أسوة بما يحدث داخل السجون الأسرائيلية

    وخلال اعتقاله، شاهد علي معتقلين أطفالاً، بعضهم لا يتجاوز عمره سبع سنوات مع أمهاتهم. ومن بين الأطفال قصي، البالغ من العمر 12 عاماً، وشقيقه البالغ من العمر 16 عاماً. وفي ساعة متأخرة من المساء يأخذ الحراس قصي ويعتدون عليه جنسياً، وفقاً لما قاله علي.

     إساءة الولايات المتحدة معاملة المعتقلين  

        حول العالم     
     
     أفغانستان
                                                                                                                       
     
    نعرف الآن بأن تسعة معتقلين قد ماتوا في سجن أمريكي في أفغانستان ـ منهم أربع حالات حددها محققو الجيش باعتبارها جرائم قتل متعمد أو قتل غير متعمد. وقد تقدم معتقلون سابقون بعشرات الشهادات عن التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة. ووثقت هيومن رايتس ووتش، في تقرير لها في مارس/آذار 2004، حالات قام فيها عناصر أمريكيون باعتقال المدنيين على نحوٍ عشوائي وباستخدام القوة المفرطة أثناء اعتقال أشخاص غير عسكريين، وبإساءة معاملة المعتقلين. ووصف معتقلون احتجزوا في قواعد عسكرية عامي 2003 و2004 لـ هيومن رايتس ووتش كيفية تعرضهم لضربٍ عنيف من قبل الحراس والمحققين، بالاضافة الى حرمانهم من النوم لفتراتٍ طويلة وتعريضهم للبرد القارس عمدا، إضافةً إلى أشكالٍ أخرى من المعاملة المهينة وغير الإنسانية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، عبّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من جديد عن مخاوف بشأن حالات وفاة المعتقلين، بما فيها حالةٌ يُدّعى أنها وقعت في سبتمبر/أيلول 2004. وفي مارس/آذار 2005، كشفت صحيفة واشنطن بوست عن حالة وفاة أخرى في مكان احتجاز تابع لوكالة المخابرات المركزية، وقد أشارت الصحيفة الى أن تحقيقاً قد جرى بشأن هذه الحالة لكن ضابط المخابرات المركزية المتورط قد تمت ترقيته.  

     خليج غوانتانامو.. كوبا                                                                                                               

    ثمة أدلة متزايدة على أن المعتقلين في غوانتانامو قد تعرضوا للتعذيب وللمعاملة القاسية المهينة غير الإنسانية. وقد ظهرت في الفترة الأخيرة تقارير أعدها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي ممن شهدوا سوء معاملة المعتقلين ـ بما في ذلك إجبار المعتقلين المقيدين بالسلاسل على الجلوس فوق غائطهم؛ تضاف هذه الشهادات إلى شهادات المعتقلين السابقين التي تصف استخدام وضعيات مؤلمة، واستخدام الكلاب لتخويف المعتقلين، والتهديد بالتعذيب والموت، والتعريض للحرارة الشديدة أو البرد أو الضجيج لفتراتٍ طويلة. وقال المعتقلون السابقون أيضاً أنهم قد وُضعوا لأسابيع، وحتى لأشهر في الحبس الانفرادي ـ الذي كان إما حاراً لدرجة الاختناق أو شديد البرودة بسبب التكييف المفرط ـ وذلك عقاباً على امتناعهم عن التعاون. وقد أفادت المعلومات أن أشرطة فيديو لوحدات مكافحة الشغب التي قامت بقمع المشبوهين قد أظهرت حراساً يضربون بعض المعتقلين ويربطون واحداً منهم إلى نقالة ذات عجلات من أجل استجوابه ويجبرون مجموعةً من اثني عشر شخصاً على تعرية النصف الأسفل من أجسادهم. وأبلغت اللجنة الدولية للصليب الأحمر حكومة الولايات المتحدة، عبر تقارير سرية، أن معاملتها للمعتقلين قد تضمنت ايذاءا نفسياً وجسدياً "يرقى إلى مرتبة التعذيب".  

    العراق :                                                                                             
     
    إن أساليب الاستجواب القاسية والقسرية، من قبيل إخضاع المعتقلين لوضعيات مؤلمة وحرمانهم من النوم لفتراتٍ طويلة، مستخدمةٌ على نحوٍ روتيني في مراكز الاعتقال في مختلف أنحاء العراق. وقد سجلت لجنة شليزينغر التي عينها الوزير رامسفيلد 55 حالة مثبتة من حالات الإساءة للمعتقلين في العراق، إضافةً إلى 20 حالة وفاة لمعتقلين مازالوا رهن التحقيق. ووجد تقرير سابق للميجر جنرال أنطونيو تاغوبا "حوادث كثيرة من إساءة المعاملة الجرمية الجائرة والسادية والمخلة بالآداب" تشكل "إساءة معاملة منهجية وغير قانونية للمعتقلين" في أبو غريب. وقد وثق تقرير آخر من تقارير وزارة الدفاع 44 ادعاءً بارتكاب جرائم حرب من هذا النوع في أبو غريب. وخَلُص تقرير للجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أنه، في أقسام المخابرات العسكرية في سجن أبو غريب، "يبدو استخدام طرق الايذاء الجسدي والنفسي من قبل المحققين جزءاً من إجراءات العمل المعتادة لعناصر المخابرات العسكرية والمستخدمة للحصول على الاعترافات وانتزاع المعلومات".

     يجب تعيين لجنة تحقيق في

    أحداث أبو غريب

    (نيويورك: 16 يوليو/تموز 2004) - صرحت هيومان رايتس ووتش اليوم بأن تشكيل لجنة مستقلة على نمط لجنة 9/11 هو الحل الوحيد لتسليط الضوء بالكامل على قضية معاملة الولايات المتحدة للمعتقلين في العراق وأفغانستان وغوانتانمو باي.
    وقال كينيث روث، المدير التنفيذي لهيومان رايتس ووتش بأنه

      "بعد مرور شهرين ونصف من نشر الصور الأولى من أبو غريب، تم تحميل المسؤولية فقط لبضعة جنود ذوي مناصب عسكرية متدنية". وأضاف روث: "هناك تراكم في الأدلة التي تشير الى سياسة انتهاك صادرة عن مستويات عالية. لا يزال العالم يراقب وينتظر ليرى كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذه الجرائم".

    لا تزال أسئلة مهمة مرتبطة بمعاملة المعتقلين في "الحرب ضد الإرهاب" والعراق بدون رد.

    وتضم هذه الأسئلة: لماذا كانت التحقيقات في حالات الموت خلال الحجز في أفغانستان والعراق باهتة ومتأخر؟
    ولماذا تم "تسليم"معتقلين الى دول  يمارس فيها التعذيب بشكل منهجي؟
    كيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تبرر حجزها للمعتقلين إنفرادياً في "مواقع غير مُشاعة" بالرغم من أن الولايات المتحدة إستنكرت تاريخياً "الإختفاء" القسري في دول أخرى؟
    ما هي أساليب التحقيق التي أُجيزت فِعلاً في حالة المحتجزين في العراق وافغانستان وفي حالة المحتجزين من قبل وكالة المخابرات المركزية (وفيما إذا اختلفت هذه الأساليب عن تلك المُجازة في غوانتانمو)؟
    وكيف يوائم المسؤولون الكبار بين التحقيقات القسرية التي اعترفوا بالأذن بها وبين المعاهدات التي تحُرم المعاملة القاسية، اللاإنسانية والمهينة؟

    بالإضافة إلي ذلك، فقد أخفقت الإدارة الأمريكية عن الإجابة على أسئلة أساسية طرحها أعضاء الكونغرس فيما يتعلق بتصعيد تصيُد "معلومات عملية" من السجناء العراقيين عشية حصول أخطر الإمتهانات في أبو غريب. ومَنْ مِنَ البنتاغون أمر بنقل اللواء جيفري ميلر، القائد السابق لغوانتانمو، الى أبو غريب لإصلاح ممارسات التحقيق، وماذا كانت الأوامر التي أُعطيت له؟ وما هي التوصيات التي رفعها اللواء ميلر؟ وفي أعقاب ذلك، ما هي الممارسات التي تمت إجازتها في أبو غريب من قِبل الجنرال (الفريق) ريكاردو س. سانشيز، أعلى رتبة عسكرية أمريكية في العراق؟ وما هي أساليب التحقيق التي مورست في أفغانستان وتم نقلها إلي أبو غريب؟ ومَنْ مِنَ البنتاغون كان يعرف بأساليب التحقيق التي تم إرسائها في أبو غريب؟

    ودعت هيومان رايتس ووتش الكونغرس لتشكيل لجنة خاصة، على نمط لجنة 9/11، للتحقيق في قضية سوء معاملة السجناء. وتستطيع لجنة كهذه بأن تجري استجوابات، وتمتلك صلاحية كاملة لاستجلاب شهود ووثائق ومعلومات، ومخولة للتوصية بتعيين مُدَّعٍ خاص للتحقيق في الجرائم الجنائية التي يُشَك بارتكابها. ومن جملة القضايا التي سيمكن للجنة فحصها هي الصلة بين نقاشات الإدارة الأمريكية لسياساتها والمذكرات الكتابية المتعلقة بها وبين الممارسات الفعلية في أفغانستان والعراق وغوانتانمو.

    وقالت هيومان رايتس ووتش بأن التحقيقات الحالية التي تجريها وزارة الدفاع لن تستطيع أن تتقصى بالكامل الاتهامات المتعلقة بالإنتهاك، خصوصاً على ضوء توجيه ادعاءات بأنه من المحتمل ان مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى أصدروا أوامر و/أو غضوا الطرف و/أو تجاهلوا عن قصد تعذيب السجناء.
    وقال روث:

      "لا تتوفر في أي من التحقيقات الجارية حالياً الإستقلالية أو الشمولية المطلوبة للتوصل الى جذور الفضيحة". "كيف يمكن للجنة معينة من قِبَل الوزير رمسفيلد ان تقرر إذا كان رمسفيلد مسؤول عن التعذيب؟ كيف يمكن لتحقيق يديره أشخاص عسكريين أن يحقق في قرارت اتخذها صانعوا قرار مدنيين؟"

    وهناك على الأقل سبعة تحقيقات أولية تجري الآن . وجميعها تقريباً يقوم الجيش بالتحقيق فيها عن نفسه ، ويركز كلٌ منها على جانب محدد من معاملة المعتقلين. ولا يبحث أي من التحقيقات الأولية العسكرية المذكورة في مراتب أعلى من الجنرال سانشيز في التسلسل القيادي. ولم توكل بأيٍ من التحقيقات مهمة فحص دور وكالة المخابرات المركزية أو السلطات المدنية.

    بالإضافة الى ذلك، من المتوقع أن تتابع لجنة الخدمات العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ تحقيقها بعد أن تلقت تقرير الجيش عن أبو غريب وأن تدعو شخصيات مثل ل. بول بريمير الثالث الذي شغل حتى مؤخراً مركز المدير المدني الأمريكي للعراق ونائب وزير الدفاع للشؤون السياسية دوغلاس ج. فايث والمدعي العام للبنتاغون وليم ج. هاينز الأصغر.

    أما وثائق وزارة الدفاع التي تم نشرها في 22 يونيو/تموز فإنها تتوقف عند أبريل/نيسان 2003 ولا تغطي الممارسات في أبو غريب والسجون العسكرية الأخرى في العراق. كذلك فإنها لا تغطي المكاتبات الى أو من وكالة الإستخبارات المركزية (سي آي إى) ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) ووزارة الخارجية.

    ودعت هيومان رايتس ووتش الإدارة الأمريكية لنشر كافة الوثائق المتعلقة بمعاملة المعتقلين في "الحرب ضد الإرهاب" وفي العراق بما فيها المكاتبات الأساسية من سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2003 من سانشيز التي يصادق فيها على استعمال أساليب تحقيق قسرية في العراق. وقد شملت هذه الأساليب استعمال الكلاب العسكرية واتخاذ أوضاع مرهقة و مؤلمة وتعريض المعتقلين إلى درجات حرارة قصوى والحرمان من النوم والحجب الحسي وتغذية اقتصرت على الخبز والماء.

    وكانت هيومان رايتس ووتش قد أصدرت في تموز/يونيو تقرير "الطريق الى أبو غريب" المؤلف من 36 صفحة، وهو يفحص كيف تبنت إدارة بوش سياسية متعمدة تسمح بأساليب تحقيق غير قانونية - ثم أمضت عامين في التغطية عليها أو في تجاهل للتقارير عن التعذيب والإمتهانات الأُخرى التي مارسها الجنود الأمريكيون أولا في أفغانستان ثم في العراق. .

    سياسات بوش أدت إلى الانتهاكات في العراق

    (نيويورك، 9 يونيو/حزيران 2004) - قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها، إن ما كابده السجناء العراقيون من التعذيب وسوء المعاملة في سجن أبو غريب كان هو النتيجة المتوقعة لقرار إدارة بوش بالتلاعب بالقانون الدولي.

    والتقرير الذي يقع في 28 صفحة، والصادر تحت عنوان "الطريق إلى أبو غريب"، يبحث كيف عمدت إدارة بوش إلى انتهاج سياسة تبيح استخدام أساليب غير قانونية للاستجواب، ثم ظلت عامين تتستر على بلاغات التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة على أيدي القوات الأمريكية، أو تغض الطرف عنها.
    وقال كنيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش

      "إن أهوال أبو غريب لم تكن أفعالاً فردية اقترفها الجنود وحسب، بل إن ما جرى في أبو غريب نشأ عن قرارات اتخذتها إدارة بوش، تقضي بتنحية القواعد جانباً".

    وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن سياسات الإدارة الأمريكية هيأت المناخ لما حدث في أبو غريب من ثلاث نواحٍ.
    فأولاً، قررت إدارة بوش في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أن الحرب على الإرهاب تبيح للولايات المتحدة التلاعب بقيود على القانون الدولي؛ وتجنبت الإدارة اتفاقيات جنيف باعتبارها اتفاقيات "بالية" عفى عليها الزمن. وأكد محامو البنتاغون، ووزارة العدل، ومكتب مستشار البيت الأبيض أن الرئيس غير ملزم بالقوانين الأمريكية والدولية التي تحرِّم التعذيب.

    ومن ثم، فقد شرعت الولايات المتحدة في إنشاء سجون خارج الحدود، بمنأى عن القوانين المحلية، مثل سجن خليج غوانتانمو بكوبا، واحتجزت معتقلين آخرين في "مواقع لم يكشف عنها". كما أرسلت إدارة بوش المشتبه في تورطهم في الإرهاب، بدون أي إجراءات قضائية، إلى بلدان انتُزعت منهم فيها المعلومات تحت وطأة الضرب المبرح.
    وثانياً، استخدمت الولايات المتحدة أساليب قهرية لإنزال صنوف الألم والإذلال بالمعتقلين بغية "إضعاف معنوياتهم" تمهيداً لاستجوابهم؛ وشملت هذه الأساليب إرغام المعتقلين على البقاء في أوضاع مجهدة مؤلمة، وحرمانهم من النوم والضوء لفترات طويلة، وتعريضهم لأقصى درجات الحرارة والبرودة والضوضاء والضوء، وتغطية رؤوسهم، واحتجازهم عرايا.
    ومثل هذه الأساليب محظورة بموجب النصوص التي تحرم التعذيب وغيره من صنوف المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والتي وردت في القانون الإنساني الدولي، وقوانين الصراع المسلح، بل وفي القواعد والأوامر التنظيمية المعمول بها منذ أمد طويل لدى الجيش الأمريكي نفسه.
    وثالثاً، فحتى نشر الصور الفوتوغرافية التي التقطت داخل سجن أبو غريب، ظل مسؤولو إدارة بوش - على أحسن تقدير - يسلكون مسلك من يصر على أنه "لم ير سوءاً ولم يسمع بسوء"، حيال أنباء سوء معاملة المعتقلين. ومنذ الأيام الأولى للحرب في أفغانستان واحتلال العراق، قامت الحكومة الأمريكية بالتستر على الادعاءات المتكررة والخطيرة عن التعذيب وسوء المعاملة، أو تقاعست عن اتخاذ إجراء بشأنها.

    وقد نفت إدارة بوش انتهاج أي سياسة تجيز تعذيب المعتقلين أو إساءة معاملتهم؛ ودعت هيومن رايتس ووتش الرئيس بوش إلى تقديم الدليل على صحة هذا النفي بنشر جميع الوثائق الحكومية ذات الصلة بهذا الأمر على الملأ.

    كما حثت هيومن رايتس ووتش الإدارة الأمريكية على توضيح الخطوات الجاري اتخاذها ضماناً لعدم استمرار هذه الأساليب التي تنتهك حقوق الإنسان، واتخاذ إجراءات قضائية حازمة ضد جميع المسؤولين عن الأمر بهذه الانتهاكات أو التغاضي عنها. وقال روث "لقد رأى الجميع صور أبو غريب، وآن الأوان لأن يقدم الرئيس بوش الصورة الكاملة لسياسة الولايات المتحدة بشأن التعذيب

    منظمة العفو الدولية 

    محاكمات مزورة في غوانتنامو 

    تسعى حكومة الولايات المتحدة إلى استصدار أحكام بالإعدام ضد ستة من معتقلي خليج غوانتنامو من ذوي "القيمة العالية" وجَّهت إليهم التهم يوم الإثنين.

    أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) الإثنين أنها قد وجهت التهم إلى ستة من المعتقلين ذوي "القيمة العالية" في خليج غوانتنامو. وتسعى حكومة الولايات المتحدة إلى استصدار أحكام بالإعدام ضد الرجال الستة.

    وقد أدان ناطق بلسان منظمة العفو الدولية الخطوة، قائلاً إن التهم تثير المزيد من التساؤلات حول سلوك الولايات المتحدة الأمريكية في "الحرب على الإرهاب".

    وتعليقاً على الأمر، قال روب فرير، باحث منظمة العفو الدولية في شؤون الولايات المتحدة الأمريكية، إنه "وقبل أن تمضي أسابيع على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جانب فرض حظر على تنفيذ أحكام الإعدام، تخرج علينا الولايات المتحدة الأمريكية لترفع لواء استصدار أحكام بالإعدام استناداً إلى محاكمات مزورة في غوانتنامو. ويتعين على المجتمع الدولي الوقوف في وجه الولايات المتحدة كيما تلغي اللجان العسكرية وتحيل معتقلي غوانتنامو الستة إلى محاكم مستقلة ونزيهة لا تلجأ إلى إصدار أحكام بالإعدام بحقهم".

    وكان خمسة من الرجال الستة الذين وجِّه إليهم الاتهام قد احتجزوا لما يربو على ثلاث سنوات في معتقلات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) في أماكن مجهولة قبل ترحيلهم إلى غوانتنامو في سبتمبر/أيلول 2006. وقد أكدت السي آي أيه كذلك أن واحداً على الأقل ممن وجه إليهم الاتهام، وهو خالد شيخ محمد، قد تعرض لـ"الإيهام بالإغراق".

    وقال روب فرير: "إن الإيهام بالإغراق ضرب من ضروب التعذيب، والتعذيب جريمة دولية. ولم تتم مساءلة أحد عن هذه الجرائم. كما يظل الإفلات من العقاب ضمن برنامج السي آي أيه إحدى العلامات التجارية البارزة لسلوك الولايات المتحدة الأمريكية في "الحرب على الإرهاب"".

    ""إن منظمة العفو الدولية، ومنذ الجريمة ضد الإنسانية التي ارتكبت في 11 سبتمبر/أيلول 2001، قد دأبت على دعوة الولايات المتحدة الأمريكية إلى طلب العدالة والأمن ضمن إطار من الاحترام لحقوق الإنسان ولحكم القانون. ويتجلى الفشل المنهجي لحكومة الولايات المتحدة في الاستجابة لذلك ليس فحسب في المعاملة التي تلقاها هؤلاء المعتقلون الستة على مدار السنوات الخمس المنصرمة أو ما يزيد، وإنما أيضاً في اللجان العسكرية التي سيمثُل هؤلاء أمامها".

    أما الرجل السادس المتهم معهم فهو محمد القحطاني، الذي تعرض للتعذيب ولغيره من صنوف سوء المعاملة في غوانتنامو في أواخر 2002. وعلى الرغم من معاناته من الإذلال الجنسي والحرمان من النوم وحشر الرأس في القلنسوات والتجريد من الملابس والموسيقى الصاخبة والضجيج الأبيض والتعريض للحرارة والبرودة الشديدتين  بصورة متعاقبة، فإن البنتاغون خلُص إلى أن معاملته لم ترق إلى مرتبة المعاملة اللاإنسانية.

    ومضى روب فرير إلى القول: "إن البنتاغون، مثله مثل الرئيس، يملك التأثير المباشر على إجراءات اللجان العسكرية. وبعبارة أخرى، فإن هذه المحاكم الخاصة ذات المستوى المتدني تفتقر إلى الاستقلالية عن الفرع التنفيذي نفسه من السلطة الذي أجاز غض النظر عن الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان التي ارتكبت ضد هؤلاء المعتقلين".

    مختفين الولايات المتحدة :

    أشباح المخابرات الأمريكية المحتجزين لفترات طويلة الأمد  

     

    الملخص التنفيذي

    تم اعتقال السجين في منتصف الليل قبل 19 شهراً. وتم تقنيع رأسه ونقله الى مكان غير مُذاع ولم تعرف أخباره منذ ذلك الحين. واستعمل المحققون مستويات متدرجة من القوة ضده تضمنت إسلوب "الإغراق بالماء" - المعروف في امريكا اللاتينية بإسم "submarino" - وفيه يتم ربط المعتقل ودفعه بالقوة تحت الماء كي يشعر بأنه سيغرق. كذلك تم اعتقال إبنيه اللذان يبلغان من العمر 7 و 9 سنين، على ما يبدو لإرغامه على الإعتراف.
    هذه الأساليب مألوفة بين الدكتاتوريات القمعية. لكن المحققين ليسوا من بلد دكتاتوري وإنما من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، السي آي إيه.
    هذا السجين هو خالد شيخ محمد، الذي يزعم بأنه المخطط الرئيسي وراء هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وهو واحد من بين حوالي 12 من أعلى مسئولي تنظيم القاعدة الذين "اختفوا" في الحجز الأمريكي.

    وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 ضد الولايات المتحدة انتهكت إدارة الرئيس بوش المعايير القانونية الأساسية في تعاملها مع المعتقلين الأمنيين. فقد تم احتجاز الكثيرين في سجون خارج الولايات المتحدة وأشهرها سجن جوانتانامو في كوبا. وبناءاً على المعلومات المتوفرة لدينا الآن، تعرض السجناء المتهمين بالإرهاب- ولا تتوفر أدلة على ذلك ضد الكثير منهم- لسوء المعاملة والإهانة والتعذيب. وربما أكثر نهج شكَّلَ تحدي جذري لمرتكزات القانون الأمريكي والقانون الدولي هو الاعتقال الانفرادي وطويل الأمد في مواقع غير مُصَّرَح بها للمشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة.

    "الإختفاءات" كانت علامة الإنتهاك المميزة للدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينة في "الحرب القذرة" ضد التآمر المزعوم. والآن أصبحت تكتيك الولايات المتحدة في صراعها مع القاعدة.
    ويضم سجناء السي آي إى "المختفين"
    أبو زبيده، مساعد مقرب لأسامه بن لادن،
    ورمزي بن الشيب الذي ربما كان أحد المختطِفين في 9/11 لولا فشله في الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة،
    وحمبلي وهو أحد حلفاء القاعدة الأساسيين في جنوب شرق آسيا
    وعبد الرحمن الناشري الذي يزعم بأنه العقل المدبر وراء تفجير المدمرة كول.

    ووفقاً لـ"الفريق المستقل لتقييم عمليات السجن لوزارة الدفاع" الذي يترأسه وزير الدفاع السابق جيمس شلسينجر، فقد صُرح للسي آي أى "بالعمل وفقاً لقواعد مختلفة" عن تلك السارية على الجيش الأمريكي. وانبثقت هذه الأنظمة جزئياً من مذكرة من وزارة العدل في آب/أغسطس 2002 رداً على طلب من السي آي إى لتلقي إرشادات، حيث نصت المذكرة على أن تعذيب معتقلي القاعدة "قابل للتبرير" وأن القوانين الدولية ضد التعذيب "قد تكون غير دستورية إذا تم تطبيقها في عمليات التحقيق" التي تتم في سياق الحرب ضد الإرهاب.

    ويذكر بأنه ورد أن بعض المعتقلين مثل خالد شيخ محمد تعرضوا بالفعل للتعذيب خلال الحجز. ويزعم بأن العديد منهم قدموا معلومات سرية ومهمة أدت لإفشال مؤامرات وأنقذت حياة الكثيرين. ويقال بأن البعض كذبوا تحت الإكراه لإرضاء محتجزيهم. (وعلى ما يبدو فإن إبن الشيخ الليبي إختلق الإدعاء الذي قدمه وزير الخارجية كولن باول للأمم المتحدة بأن العراق قد درب القاعدة على استعمال "السموم والغازات المميتة"). واعترفت الولايات المتحدة باحتجاز الكثيرين لكنها لم تعترف أيضا باحتجاز غيرهم. والقاسم المشترك بين جميع المحتجزين هو ان الولايات المتحدة رفضت الكشف عن أماكن حجزهم، ورفضت السماح لعائلاتهم ومحاميهم ولجنة الصليب الأحمر الدولية برؤيتهم.

    وأقل ما يمكن قوله، هو أن هؤلاء ليسوا رجالاً طيبين. حيث يزعم أنهم ارتكبوا أعمال إجرام شريرة. وتسائل البعض، لماذا يجب علينا أن نقلق تجاه ما يحصل لهم؟
    أولاً، لأنه بالرغم من المعلومات المنقذة للحياة التي يبدو أنها انتزعت من بعضهم، فإن المعاملة الأمريكية لسجنائها بشكل عام كانت عوناً وليس عقبة لتنظيم القاعدة، وبالتالي جعلت العالم أقل أمناً من الإرهاب. وكما سلمت لجنة تحقيقات 9/11 فإن "الاتهامات بأن الولايات المتحدة أساءت لحقوق السجناء المحتجزين لديها يجعل من الصعب على الحكومة أن تبني التحالفات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية التي هي بحاجة إليها". ثانياً، لأن قيام الولايات المتحدة بتعذيب و"إخفاء" أعدائها يشجع جميع الحكومات البغيضة في العالم بأن تفعل الشيء ذاته-بالفعل فإن بلدان كثيرة كالسودان وزيمبابوي استشهدت بمثال أبو غريب وغيره من الممارسات الأمريكية لتبرير ممارساتها أو لتهميش النقد الموجه ضدها.

    لكن القلق يجب أن ينبع ، أولا وبصورة أساسية من تقبل أساليب تتعارض جوهرياً مع الديمقراطية التي تميز هوية الولايات المتحدة كدولة قانون. ويبدو بالنسبة لتنظيم القاعدة بأن الغايات تبرر وسائل التنظيم، حيث شملت الوسائل تفجير طائرات مختطفة بالبنايات وتفجير محطات قطار وأماكن عبادة. وليس من الجدير بالولايات المتحدة أن تقر وتجيز هذا المنطق.

    إن الولايات المتحدة منشغلة، كما يجدر بها ان تكون، بالدفاع عن نفسها وشعبها ضد هجمات القاعدة وحلفاءها. وتقر هيومن رايتس ووتش طبعاً بأهمية جمع المعلومات الإستخبارية بصورة فعالة وسريعة لملاحقة القاعدة وغيرها من الشبكات والقبض على الإرهابيين والتدخل للحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية اخرى.

    لكن استعمال الإختفاءات القسرية والحجز الإنفرادي السري تنتهك أهم المبادئ الأساسية لأي مجتمع حر. فعندما عذبت الأرجنتين ومارست "الإختفاء" القسري ضد المشتبه بانتمائهم للمعارضة بحجة محاربة من أسمتهم بـ"الإرهابيين" كانت مخطئة. وعندما تعذب الولايات المتحدة و"تخفي" المشتبه بكونهم إرهابيين- حتى هؤلاء المتهمين بتدبير أفظع الهجمات- فإنها أيضاً تكون مخطئة. وكون الولايات المتحدة تحارب إرهاباً من نوع آخر،لا يغير ذلك من طبيعة الأساليب المحظورة التي توظفها في مكافحة الإرهاب.

    يقدم هذا التقرير استعراضاً شاملاً لما نعرفه عن الذين "اخفتهم" الولايات المتحدة، ويشمل ملحق يفصل الحقائق حول 11 حالة توفرت عنها بعض المعلومات المعلنة. وقد يكون هناك بعض أو الكثير من المحتجزين الإضافيين. ويفصل التقرير سياقاً تاريخياً لظاهرة "الإختفاء" حيث يتعقب هذا النهج إلى أصوله في ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ويعدد المواد المحددة في القانونين الأمريكي والدولي التي تحظر ممارسته

    "غوانتانامو وما وراءها: مواصلة السعي لممارسة القوة التنفيذية بلا ضابط"

    فشل الرئيس بوش مجدداً في معالجة بواعث القلق طويلة الأجل بشأن سياسات الاعتقال والممارسات التي تتبعها الولايات المتحدة في سياق "الحرب على الإرهاب"- هذا ما علقت به منظمة العفو الدولية في ردها على تعليقاته اليوم.

    ففي غوانتانامو، أنشأت الولايات المتحدة معسكراً للسجناء وعزلته لتحبس فيه البشر بصورة تعسفية وتحتجزهم بمعزل عن العالم الخارجي في حقيقة الأمر، دونما تهمة أو محاكمة أو فرصة للتمتع بحقهم في إجراءات قضائية سليمة. ولم يحظ ولو معتقل واحد في غوانتانامو بفرصة لمراجعة قانونية اعتقاله من قبل محكمة قانونية، على الرغم من قرار المحكمة العليا االذي صدر في السنة الماضية.

    وقالت منظمة العفو في ردها: "إن غوانتانامو ليست سوى رأس جبل الجليد المنظور من الحكاية. فالشواهد ما زالت تتالى

    لتصل إلى حد تبيان أن الولايات المتحدة تدير شبكة لمراكز الاعتقال، حيث يحتجز الأشخاص في أماكن سرية أو خارج نطاق أي إطار قانوني مناسب – بدءاً بأفغانستان ووصولا إلى العراق وما وراء العراق".

    وقد شكلت السياسات والممارسات المتبعة في الاستجواب في خضم "الحرب على الإرهاب" خرقاً متعمداً ومنهجياً للحظر المطلق على التعذيب وإساءة المعاملة. كما نُقل أشخاص تحتفظ الولايات المتحدة بهم في حجزها إلى دول لاستجوابهم يعرف عنها ممارستها التعذيب.

    "وإذا ما كان الرئيس بوش وإدارته جادين بشأن الحرية والكرامة الإنسانية، فإنها عليهما العودة إلى الالتزام بحكم القانون وحقوق الإنسان".

    إن منظمة العفو الدولية تواصل دعوتها إلى إدارة الولايات المتحدة كيما تلتزم بما يلي:

    • إنهاء جميع أشكال الاحتجاز السرية والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي؛
    • السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بلا عراقيل بزيارة جميع المعتقلين، بمن فيهم أولئك الذين تحتجزهم في أماكن سرية؛
    • ضمان التقيد بالإجراءات القانونية الواجبة لجميع المعتقلين؛
    • إنشاء لجنة كاملة الشروط ومستقلة للتحقيق في جميع مزاعم التعذيب وإساءة المعاملة والاعتقال التعسفي و"الإخفاء"؛
    • تقديم أي شخص مسؤول عن التفويض بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو عن ممارستها بنفسه إلى العدالة.

    خلفية
    عندما طلب منه التعليق على تقرير منظمة العفو الدولية أثناء إيجاز صحفي في البيت الأبيض، قال الرئيس بوش: "أنا على علم بتقرير منظمة العفو الدولية، وهو يدخل في باب اللامعقول. فالولايات المتحدة بلد يعزز الحرية في مختلف أنحاء العالم. وعندما تكون هناك اتهامات بشأن تصرفات أبنائنا، فإننا نجري تحقيقات وافية فيها وبطريقة شفافة".

     

    خلفية "الحرب على الإرهاب" التي تشنها الولايات المتحدة
     
    "غوانتنامو وما بعده: استمرار محاولات السلطة التنفيذية المنفلتة من عقالها"
     
    13- مايو/أيار 2005
     
    تقرير منظمة العفو الدولية حول عمليات الاعتقال:تنشر منظمة العفو الدولية اليوم تقريراً جديداً يتضمن تحديثاً لبواعث قلقها بشأن عمليات الاعتقال التي قامت بها الولايات المتحدة في سياق ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب". ويبين التقرير المعنون بـ "غوانتنامو وما بعده: استمرار محاولات للسلطة التنفيذية المنفلتة من عقالها"، كيف أن النفاق والعقلية الحربية الشمولية ورفض التقيد بالالتـزامات الدولية لا تـزال تشكل السمات الأساسية لمنهج الإدارة الأمريكية تجاه حوادث الاعتقال في سياق "الحرب على الإرهاب".
    فبعد مرور عام على الكشف عن فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب، لا تزال الظروف الملائمة لممارسة التعذيب وسوء المعاملة في مرافق الاحتجاز التابعة للولايات المتحدة قائمة حتى الآن. وفي الوقت الذي تواصل فيه حكومة الولايات المتحدة حملة علاقات عامة لإقناع العالم بأن الصور الفوتوغرافية التي التُقطت في أبو غريب وكُشف عنها النقاب ليست سوى مشكلة صغيرة، وتمت معالجتها الآن، فإن آلاف المعتقلين في مرافق الاحتجاز التابعة للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وخليج غوانتنامو وفي أماكن الاحتجاز السرية في بلدان أخرى مازالوا عرضة لخطر التعذيب وسوء المعاملة. كل ذلك بسبب المنهج الانتقائي للولايات المتحدة تجاه القانون الدولي والمعايير الدولية، والاستخدام المنهجي لأسلوب الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي، والحرمان من المراجعة القضائية، التي تعتبر ضمانة أساسية ضد الاعتقال التعسفي والتعذيب و "الاختفاء".

    وبعد مرور أكثر من عام على صدور قرار المحكمة العليا للولايات المتحدة الذي قضى بأن المحاكم في الولايات المتحدة تتمتع بالولاية القضائية للنظر في طلبات الاستئناف التي يقدمها المعتقلون في القاعدة البحرية في خليج غوانتنامو بكوبا، الذين لم يحظ أي منهم على وجه الإطلاق بأي مراجعة قانونية لمدى قانونية اعتقاله. ويبين التقرير كيف تواصل الإدارة الأمريكية السعي إلى سد الطريق أمام مثل هذه المراجعة عند كل خطوة، أو إلى إبعاد هذه الحالات عن العملية القضائية بقدر الإمكان.

    ويتضمن التقرير تحليلاً للمحاكم الخاصة بمراجعة وضع المقاتلين، وهي هيئات تنفيذية تأمل الإدارة أن تقنع إحدى المحاكم الاتحادية بقبولها كبديل للمراجعة القضائية. كما يفحص التقرير المحاكمات المقترحة أمام اللجان العسكرية؛ وحالات "المقاتلين الأعداء" المعتقلين في بر الولايات المتحدة؛ وعمليات النقل والاعتقال السرية على أيدي موظفي الحكومة الأمريكية؛ وحالة المواطن الأمريكي المحتجز في المملكة العربية السعودية بطلب من الولايات المتحدة بحسب ما زُعم؛ وحالة زكريا الموسوي، الذي يواجه الإعدام بسبب دوره المزعوم في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، التي أشعلت فتيل ما سمي بـ"الحرب على الإرهاب".
    واستمر ورود أدلة على وقوع التعذيب وسوء المعاملة على أيدي قوات الولايات المتحدة على نحو متـزايد. وحتى الآن لم تُوجه أي تهمة لأي موظف أمريكي بموجب قانون مكافحة الإرهاب أو قانون جرائم الحرب. وفي الوقت الذي جرت فيه محاكمة عدد قليل من الجنود ذوي الرتب المتدنية بشكل أساسي أمام محاكم عرفية، وتعرض آخرون إلى عقوبات غير قضائية أو إدارية، فإن أحداً من أفراد الإدارة الأمريكية لم يخضع لتحقيق مستقل على الرغم من وجود أدلة على السماح بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وعلى وجود مؤامرة على مستوى عالٍ لتوفير الحصانة من الملاحقة القضائية لموظفي الولايات المتحدة الأمريكية المتهمين بارتكاب أفعال التعذيب أو جرائم الحرب. كما يتضمن التقرير الرد الأولي لمنظمة العفو الدولية على تقرير حكومة الولايات المتحدة المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في 6 مايو/ أيار 2005. وتتفحص المنظمة فيه التحقيقات الرسمية التي أجرتها الولايات المتحدة في الانتهاكات، بالإضافة إلى حوادث الوفاة في الحجز التي أُميط عنها اللثام مؤخراً.
    وتواصل منظمة العفو الدولية دعوة الكونغرس الأمريكي إلى إنشاء لجنة لإجراء تحقيق كامل ومستقل في سياسات الولايات المتحدة وممارساتها في مجال الاعتقال والاستجواب في سياق "الحرب على الإرهاب"، بما في ذلك ضلوعها في عمليات القتل والاعتقال السرية. كما تدعو المنظمة وزير العدل في الولايات المتحدة إلى تعيين مستشار خاص مستقل من خارج وزارة العدل، كي يتولى إجراء تحقيق جنائي مع كل موظف رسمي في الإدارة، يتوفر ضده دليل على ضلوعه في ارتكاب جرائم في سياق "الحرب على الإرهاب"، بما فيها حوادث "الاختفاء"، والإعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
     
    الولايات المتحدة الأمريكية/العراق :
     
    قلق منظمة العفو الدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في سياق "الحرب على الإرهاب"
     
    الانتهاكات تظل بلا مساءلة بعد مضي عام على ما جرى في أبو غريب
     
    بعد مضي عام على صور أبو غريب التي أصابت العالم بالصدمة، لم يحصل أولئك الذين مارس الجنود الأمريكيون التعذيب ضدهم على سبيل انتصاف وتتواصل الأدلة على ارتكاب انتهاكات ضد العراقيين على يد سلطات بلدهم نفسها.
    وقالت أيرين خان الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية إن "الناس حول العالم سيتذكرون الصور المرعبة التي شاهدوها قبل سنة ويتساءلون عما حل بهؤلاء السجناء. هل حصلوا على سبيل انتصاف عن الجرائم التي ارتُكبت ضدهم؟ لقد جرت مقاضاة بضعة جنود أمريكيين من ذوي الرتب المتدنية أو تأديبهم، لكن ماذا كان دور رؤسائهم، بمن فيهم مثلاً، وزير الدفاع الأمريكي؟"
     
    وفي حين قُدِّمت حفنة من الجنود الأمريكيين للمحاكمة العسكرية بسبب دورهم في الانتهاكات التي حظيت بتغطية واسعة، ظل مسؤولون كبار في الإدارة بمنأى عن التدقيق المستقل، رغم أنهم سمحوا بممارسات تصل إلى حد التعذيب أو سوء المعاملة. ولم تُوجه ولو إلى موظف أمريكي واحد تهم بموجب قانون مكافحة التعذيب أو قانون جرائم الحرب الأمريكي، سواء على الانتهاكات المرتكبة في أبو غريب أو في معسكر بوكا في العراق أو في باغرام بأفغانستان أو سواه.

    ودعت أيرين خان إلى "وجوب مبادرة الحكومة الأمريكية إلى فتح تحقيق مستقل في جميع جوانب ممارسات الاعتقال والاستجواب المتبعة في ’الحرب على الإرهاب‘ التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية والسماح لمراقبين مستقلين، بينهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر وخبراء الأمم المتحدة بمقابلة جميع المعتقلين لدى الولايات المتحدة.

     
    "لن تكون ممارسة التعذيب وسوء المعاملة مقبولة أبداً. ومن خلال الاستهزاء بهذه المعايير، تدمر الحكومات القيم ذاتها التي تزعم أنها تحميها. وعندما تلجأ دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى التعذيب أو سوء المعاملة، فقد تعتبر الدول الأخرى ذلك ضوءاً أخضر لها لكي تحذو حذوها".
    لقد كان التعذيب متفشياً في عهد صدام حسين وكان الهدف من وراء الحرب في العراق فتح صفحة جديدة في حقوق الإنسان، لكن عوضاً عن ذلك ما برحت منظمة العفو الدولية تتلقى أنباءً حول تعذيب المعتقلين من جانب الشرطة العراقية.
     
    وفي قضية أخرى تتعلق بعلي سفر البوي، وهو عراقي مقيم في السويد، ذكر أنه تعرض للضرب وللصعق بصدمة كهربائية حادة جداً لدرجة أنها دفعته عبر أرجاء الغرفة في وزارة الداخلية العراقية. وقد قبضت عليه الشرطة أثناء رحلة عائلية لرؤية أقربائه قام بها في يوليو/تموز 2004 واعتُقل بدون تهمة لمدة ثلاثة أسابيع. وعُصبت عيناه وتم استجوابه. وقال المعتقلون الآخرون لعلي إن المحققين الأمريكيين في وزارة الداخلية على علم بالتعذيب المستخدم فيها، لا بل إنهم شاركوا فيه.
    وخلال اعتقاله، شاهد علي معتقلين أطفالاً، بعضهم لا يتجاوز عمره سبع سنوات مع أمهاتهم. ومن بين الأطفال قصي، البالغ من العمر 12 عاماً، وشقيقه البالغ من العمر 16 عاماً. وفي ساعة متأخرة من المساء يأخذ الحراس قصي ويعتدون عليه جنسياً، وفقاً لما قاله علي.
     
    وفي تطور آخر يبعث على الهلع في العراق، تبث قناة تلفزيونية رسمية، هي العراقية "اعترافات" "الإرهابيين" المزعومين. ويساور منظمة العفو الدولية قلق بالغ إزاء هذه "الاعترافات" لأن المعتقلين يحتجزون بثبات بمعزل عن العالم الخارجي. والأشخاص الذين شاهدوا العروض يقولون إنه تبدو على المعتقلين علامات التعذيب، بما في ذلك كدمات وتورم في الوجه. ولم تتم مقاضاة أي مسؤول عراقي على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة ضد المعتقلين.
     
    وتدعو منظمة العفو الدولية إلى إحياء الذكرى السنوية الأولى لنشر صور أبو غريب بالتنديد بأقوى العبارات بجميع ضروب التعذيب التي تمارسها الحكومتين الأمريكية والعراقية. وبعد مضي عام، ينبغي على السلطات الأمريكية أن تفتح تحقيقاً مستقلاً في الانتهاكات وتقدم مرتكبيها إلى العدالة.
    العراق: إساءة معاملة السجناء على يد القوات الأمريكية
    تثير القلق بشأن جرائم الحرب
    يجب أن يتناول التحقيق دور المشرفين والمقاولين الخاصين
     
    (نيويورك، 30 أبريل/نيسان 2004) - قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن التحقيق الذي وعدت الولايات المتحدة بإجرائه في سوء معاملة السجناء العراقيين يجب ألا يقتصر على صغار الجنود الذين تورطوا مباشرة في تلك الأفعال؛ بل ينبغي على الولايات المتحدة أن تحقق أيضاً مع قادة هؤلاء الجنود للتحقق مما إذا كانوا قد أمروا بارتكاب هذه الانتهاكات أو سمحوا بها عن قصد.
    وتظهر الصور الفوتوغرافية التي تناقلتها وسائل الإعلام بعض أفراد الجيش الأمريكي في بغداد وهم يخضعون المعتقلين العراقيين للإذلال والمعاملة المهينة - وربما يرتكبون جرائم حرب. ويزعم المحامي المدافع عن أحد الجنود المتهمين أن الجنود أمروه بـ"تليين" المعتقلين قبل استجوابهم؛ وفضلاً عن ذلك، فقد زُعم أن مقاولين خاصين كانوا ضمن المشرفين على عملية الاستجواب.
    وقال كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش
    إن الصفاقة التي اتسم بها سلوك هؤلاء الجنود - إذ قاموا بالتقاط الصور الفوتوغرافية، ورفعوا أصابع الإبهام كناية عن الرضى والاغتباط وهم يسيئون"
     معاملة السجناء - توحي بأنهم كانوا يشعرون أنه ليس هناك ما ينبغي أن يخفوه عن قادتهم؛ ولا بد من تمحيص سلوك هؤلاء القادة بدقة وعناية للتحقق مما إذا كانوا قد خلقوا مناخاً ينعم فيه المعتدون بحصانة من المساءلة والعقاب، الأمر الذي يشجعهم على اقتراف هذه الانتهاكات".
     وتظهر الصور بعض الجنود الأمريكيين واقفين مبتسمين أمام الكاميرا، وهم يضحكون بعد أن كوموا السجناء العراقيين عراة على هيئة هرم أو أرغموهم على اتخاذ أوضاع مخلة بحيث يبدون وكأنهم يمارسون أفعالاً جنسية. وتحرم اتفاقيات جنيف لعام 1949 "الاعتداءات على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة" لأي معتقل؛ وأي معاملة سيئة تبلغ حد "التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية" تشكل انتهاكاً فادحاً لاتفاقيات جنيف - أو جريمة حرب
    وسجل الولايات المتحدة في مجال معالجة حالات سوء المعاملة المزعومة للمعتقلين على أيدي أفراد الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان هو أمر يبعث على القلق البالغ؛ ففي أفغانستان، كما سبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن أشارت في تقاريرها، لم تقدم الحكومة الأمريكية بعد أي معلومات عن تحقيقاتها بشأن وفاة اثنين من المعتقلين لدى القوات الأمريكية في قاعدة باغرام الجوية قبل أكثر من عامين، وقد أعلن رسمياً أنهما قُتلا في الحجز. كما أن الولايات المتحدة لم تستجب بصورة كافية لادعاءات عن انتهاكات أخرى تعرض لها المعتقلون لدى القوات الأمريكية في أفغانستان، بما في ذلك حالات الضرب، والحرمان الشديد من النوم، وتعريض المعتقلين لأشد درجات البرودة.
    ومن الواضح أن الولايات المتحدة لم تولي قضية إساءة معاملة السجناء القدر الكافي من الجدية؛ وهذه الصور المقززة من العراق تظهر ضرورة إجراء
    " تغييرات منهجية في معاملة السجناء على الفور".
    وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن ما زُعم من ضلوع المقاولين الخاصين في حوادث سوء المعاملة يمثل بعداً آخر من المشكلة يتعين إجراء تحقيق بشأنه؛ ومما يبعث على قلق المنظمة أن هؤلاء المقاولين يكادون يكونون بمأمن تام من أي مساءلة أو عقاب على أفعالهم - فشروط عملهم مع الجيش الأمريكي تمنحهم حصانة من المقاضاة أمام المحاكم العراقية، وهم لا يخضعون لتسلسل القيادة العسكرية، ومن ثم فلا يجوز تقديمهم لمحاكمة عسكرية، ولا تجوز مقاضاتهم أمام المحاكم الأمريكية. ورغم هذا، فإن الولايات المتحدة تظل بموجب اتفاقيات جنيف هي المسؤولة عن أفعال من يديرون منشآت الاعتقال، سواء كان هؤلاء من الجنود النظاميين أم جنود الاحتياط أم المقاولين الخاصين.
    وقال روث "إذا كان البنتاغون يسعى لاستخدام المقاولين الخاصين للقيام بمهام عسكرية أو استخباراتية، فعليه أن يضمن خضوعهم للقيود القانونية؛ أما السماح لهم بالعمل في فراغ قانوني فهذا بمثابة دعوة لارتكاب الانتهاكات".
     
    المملكة المتحدة : مشروع قانون التحقيقات – الجواب الخطأ
     
    تعبر المنظمات المدرجة أسماؤها أعلاه عن قلقنا المشترك إزاء بعض النصوص الواردة في مشروع قانون التحقيقات الذي عُرض على البرلمان في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2004. ومشروع القانون الذي تناقشه هذا الأسبوع لجنة دائمة تابعة لمجلس العموم، يمكن في حال إصداره، أن يغير بصورة جوهرية نظام فتح وإدارة التحقيقات في قضايا تتسم بأهمية عظيمة لدى الرأي العام في المملكة المتحدة، بما فيها مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. وإذا تحول إلى قانون، سيكون لمشروع القانون تأثير ضار جداً على الأفراد والحالات التي تستحق إجراء تحقيق عام. وبصورة خاصة، في الحالات التي توفي أو قتل فيها شخص واحد أو أكثر، فإن العمل بمشروع القانون سينتهك حق أفراد عائلته الأحياء في معرفة حقيقة ما حدث وفي إجراء تحقيق فعال.

    والمشكلة الجوهرية التي يتضمنها مشروع قانون التحقيقات هي انتقال التركيز إلى التحقيقات التي يفتحها وزراء الحكومة وتخضع لسيطرتهم إلى حد كبير. ويتم تحقيق هذا الانتقال بإلغاء القانون الخاص بمحاكم التحقيق (الأدلة) للعام 1921 وبأحكام عدة مواد من مشروع القانون. وتمنح هذه المواد صلاحيات واسعة للوزير الذي يفتح تحقيقاً حول قضايا مثل تحديد نطاق الاختصاص (الصلاحيات) والقيود على تمويل التحقيق ووقف التحقيق أو إلغائه والقيود المفروضة على إطلاع الجمهور على إجراءات التحقيق وعلى الأدلة المقدمة للتحقيق والقيود المفروضة على إطلاع الجمهور على التقرير النهائي للتحقيق. ولا يمنح مشروع القانون الاستقلالية لرؤساء التحقيق ولجانه، هذه الاستقلالية التي جعلت دورهم يتسم بأهمية حاسمة في دراسة القضايا، وبخاصة عندما تتزعزع ثقة الرأي العام
    .
     
    بيان مشترك صادر عن:
    منظمة العفو الدولية
    المنظمة البريطانية الأيرلندية لمراقبة الحقوق
    اللجنة المعنية بإدارة القضاء
    منظمة حقوق الإنسان أولاً
    معهد حقوق الإنسان التابع لنقابة المحامين الدولية
    إنكويست (التحريات)
    العدالة
    منظمة مراقبة حقوق المحامين الكندية
    الجمعية القانونية لإنجلترا ووايلز
    مركز بات فينوكين
    المركز الاسكتلندي لحقوق الإنسان
    مارس/آذار 2005
     
    بريطانيا:احتجاز المواطنين الأجانب لأجل غير مسمىً دون اعتبار لحقوق الإنسان الأساسية
     
    سياسة الاعتقال تقوض غايات مكافحة الإرهاب

      يجب التحقيق مع رامسفيلد وتينيت في تعذيب القوات الأميركية للسجناء 

    (نيويورك، 24 أبريل/نيسان 2005) — قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرٍ جديد أعلنت عنه اليوم أن على الولايات المتحدة تعيين مدع عام خاص للتحقيق في مسؤولية كل من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد والمدير السابق لوكالة المخابرات المركزية جورج تينيت عن حالات تعذيب السجناء والإساءة إليهم.  
     

    ويصدر التقرير بعنوان "هل يفلت مرتكبو التعذيب من العقاب .. المسؤولية القيادية عن إساءة الولايات المتحدة لمعاملة للسجناء"، عشية الذكرى السنوية الأولى لنشر صور فضيحة أبو غريب في 28 أبريل/نيسان. ويقدم التقرير دليلاً ملموساً كافياً للشروع بتحقيق جنائي مع كل من رامسفيلد وتينيت، إضافة إلى الجنرال ريكاردو سانشيز القائد الأعلى السابق للقوات الأميركية في العراق، والجنرال جيفري ميلر القائد السابق لمعسكر الاعتقال في خليج غوانتانامو بكوبا.
     
    وأشار ريد برودي، المستشار الخاص في هيومن رايتس ووتش إلى "تعرض الجنود في المراتب الدنيا إلى اللوم في فضيحة أبو غريب وبسبب ممارسات التعذيب في مناطق أخرى من العالم في حين يبقى كبار القادة بعيداً عن متناول العقاب" مؤكدا على أن "هذا ليس عدلاً، بكل بساطة".  
     
    وأكدت هيومن رايتس ووتش على توفر دليل دامغ على أن إساءة الولايات المتحدة للسجناء المسلمين وتعذيبها إياهم أمران لم يحدثا في أبو غريب فقط بل في أماكن أخرى في أفغانستان والعراق إضافة إلى غوانتانامو و"أماكن سرية" أخرى حول العالم، في خرق لمعاهدة جنيف وللقوانين المناهضة للتعذيب.  
     
    وقال برودي: "لم ينتج هذا النموذج من إساءة المعاملة والمنتشر في عددٍ من البلدان، عن أفعال الأفراد من الجنود الذين يخرقون الأنظمة، بل نتج عن قرارات متخذة من جانب مسؤولين أمريكيين على مستوى رفيع لتحريف الأنظمة أو تجاهلها أو حتى إلقاءها جانباً".  
     
    ومن بين ما خلص إليه تقرير هيومن رايتس ووتش:  

    • يجب التحقيق مع الوزير رامسفيلد بشأن مسؤوليته المحتملة عن التعذيب وجرائم الحرب التي ارتكبها الجنود الأمريكيون في أفغانستان والعراق وغوانتانامو، بموجب مبدأ "المسؤولية القيادية" ـ وهو المبدأ القانوني الذي يحمِّل القائد مسؤولية الجرائم التي يرتكبها العاملون بإمرته حين يعلم أو عليه معرفة ارتكابهم إياها، ومن ثم تقاعسه عن اتخاذ إجراءات معقولة لإيقافهم. وكان الوزير رامسفيلد قد وافق على طرق الاستجواب التي تخرق معاهدات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب من قبيل استخدام كلاب الحراسة لإخافة السجناء ومن قبيل وضعهم في وضعيات "صعبة" ومؤلمة. كما لم يتوفر أي دليل على أن رامسفيلد، وخلال ثلاث سنوات من تزايد التقارير التي تحدثت عن سوء المعاملة، قد مارس سلطته وأنذر مرؤوسيه بأن إساءة معاملة السجناء يجب أن تتوقف. ولو كان قد فعل ذلك لأمكن بالتأكيد تجنب كثير من الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية.  
       
    • تحت إدارة جورج تينيت، وبتفويضٍ محددٍ منه كما تفيد المعلومات، "سلمت" وكالة المخابرات المركزية موقوفين إلى بلدانٍ تم تعذيبهم فيها، مما يمكن أن يجعل تينيت مسؤولاً بصفته شريكاً في التعذيب. وقد قامت وكالة المخابرات المركزية أيضاً، بإخفاء، المعتقلين في أماكن سرية، ويقال أنها استخدمت "التغطيس في الماء" حيث يدفع برأس المعتقل تحت الماء إلى أن يعتقد أنه سيموت غرقاً، وبتفويضٍ من تينيت كما تفيد المعلومات.  
       
    • وافق الجنرال سانشيز على طرق الاستجواب غير القانونية ـ أيضاً، استخدام كلاب الحراسة لترويع السجناءـ التي مارسها الجنود في أبو غريب. ولا يبدو أن الجنرال سانشيز قد تدخل لوقف ارتكاب جرائم الحرب والتعذيب من قبل الجنود الواقعين تحت أمرته المباشرة.  
       
    • قد يتحمل الجنرال ميلر، بصفته قائد معسكر الاعتقال الشديد الحراسة في غوانتانامو بكوبا، المسؤولية عن جرائم الحرب وأعمال التعذيب التي تمت هناك. وقد يتحمل أيضاً مسؤولية تصدير أساليب استجواب مسيئة وغير قانونية إلى العراق.

     
    وقالت هيومن رايتس ووتش أن الولايات المتحدة، ورغم هذه الأدلة، قد تعمدت حماية من خططوا لسياسات الاعتقال غير القانونية عبر رفضها السماح بتحقيق مستقل في إساءة معاملة السجناء وعبر امتناعها عن إجراء تحقيق جنائي بحق القادة الذين سمحوا بتنامي واستمرار هذه الإساءات الجرمية بحق المعتقلين. وفي الوقت الذي أجرت فيه وزارة الدفاع الأميركية عدداً كبيراً من التحقيقات، إلا أنها لم تشرع في تحقيق داخلي يستهدف يتتبع تراتبية المسؤولية القيادية، في حين بدأت المحاكمات بحق الجنود من ذوي الرتب المنخفضة والمتعاقدين فقط.  
     
    وقال برودي: "بعد مرور سنة على أبو غريب، تستمر الولايات المتحدة بفعل ما تفعله الديكتاتوريات وجمهوريات الموز عندما تُفتَضحُ جرائمها أمام العالم: تغطية الفضيحة وتنقل اللوم إلى الأسفل، في حين يستمر جدار من الحصانة بإحاطة مهندسي السياسات التي أدت إلى كل هذه الجرائم."  
     
    وطالبت هيومن رايتس ووتش بتعيين مدع عام خاص كون المدعي العام البرتو غونزاليس متورط بشكل كبير في السياسة التي أدت إلى هذه الجرائم، مما يؤدي إلى تضارب في المصالح يمنعه من إجراء تحقيق سليم في إساءة معاملة المعتقلين. وتنص أنظمة وزارة العدل الأميركية على تعيين مستشار قانوني من خارجها عند وجود تضارب مصالح من هذا النوع وعندما تستدعي المصلحة العامة وجود مدع عام لا تربطه بالحكومة صلة.  
     
    وقد كررت منظمة هيومن رايتس ووتش أيضاً دعوتها للكونغرس والرئيس لإقامة لجنة خاصة، على غرار لجنة 11/9، للتحقيق في المسائل المتعلقة بإساءة معاملة السجناء. وتقوم لجنة من هذا النوع بعقد جلسات استماع، ويكون لها سلطة كاملة لاستدعاء الشهود، وقدرة على التوصية بتعيين مدع خاص للتحقيق في الإساءات الجرمية المحتملة، إذا لم يكن المدعي العام قد عيّن مدعياً خاصاً بعد. ورغم أن منظمة هيومن رايتس ووتش قد قالت بأن الأدلة الموجودة فعلاً توجب إجراء التحقيق الجنائي، فهي تؤكد أن باستطاعة لجنةٍ مستقلة جمع الأدلة التي تستمر الحكومة بإخفائها بما فيها التعليمات الموجهة إلى وكالة المخابرات المركزية بشأن تسليم السجناء وبشأن مرافقها السرية، والتي تفيد المعلومات بأن الرئيس بوش هو من قام بتوقيعها

     

    الفلسطينيون في العراق: الواقع والمآل

    دراسة بقلم: طارق حمّود*

    لا تزال صورة المشهد الفلسطيني في العراق مغيبةً إلى حدٍ كبير رغم كل القتل والخطف والتعذيب والحصار المفروض عليهم منذ سقوط النظام عام 2003، وربما يعزى ذلك إلى ضعف الإعلام العربي عموماً، وضياع صورة المشهد وسط حالة الفوضى العارمة التي تعم أرجاء العراق، ثم أن قلة الوثائق التاريخية التي تؤرخ للوجود الفلسطيني في العراق قد ساهمت نوعاً ما في تغييب صورتهم عن واجهة الإعلام.

    ونحاول في هذه العجالة أن نورد تسلسلاً تاريخياً يحكي وجود الفلسطينيين في العراق ووضعهم القانوني، خصوصاً في ظل الحملات المسعورة التي يتعرضون لها بحجة أنهم حلفاء النظام السابق وأن صدام كان يغدق عليهم من نعمه، الأمر الذي تثبت الوقائع والقوانين المتخذة في عهد الأنظمة السابقة عكسه.

    من أين هم؟ وكيف جاءوا إلى العراق؟

    ينحدر الفلسطينيون المتواجدون في العراق من قرى مثلث الكرمل (إجزم، عين غزال، جبع، قضاء حيفا والقرى المحيطة بها، الصرفند، المزار، عارة، عرارة، الطنطورة، الطيرة، كفر لام، عتليت، أم الزينات، أم الفحم وعين الحوض)، حيث استعصت قرى مثلث الكرمل على العصابات الصهيونية لمدة ثلاثة أشهر بعد سقوط مدينة حيفا، وفي الوقت الذي كانت فيه منطقة مثلث (جنين، طولكرم، نابلس) مسرح عمليات الجيش العراقي أي على تخوم قضاء حيفا، وبفعل الصمود والمقاومة التي شهدتها منطقة مثلث الكرمل (إجزم، جبع، عين غزال) ضد العصابات الصهيونية واستعصائها عليها، كان من الطبيعي أن يتم التواصل والتنسيق بين سكان هذه القرى والجيش العراقي المتاخم لهم في جنين، حتى أن الجيش العراقي كان يدرب المقاومين على استخدام أجهزة اللاسلكي التي غنموها أو أخذوها من الجيش العراقي.

    ومن دون الدخول في تفاصيل سقوط مثلث الكرمل، فقد نزح سكانه وبعض سكان القرى المحيطة في سيلٍ من البشر باتجاه مدينة جنين حيث الجيش العراقي، وبعد أن استولى الجيش العراقي على مدينة جنين، قام عبد الأله الوصي على عرش العراق والملكة عالية ملكة العراق آنذاك بزيارة لمدينة جنين لتفقد وحدات الجيش العراقي هناك، ورأوا بأعينهم ما آل إليه وضع الفلسطينيين المهجرين من قرى مثلث الكرمل، وأثنائها قام قائد القوات العراقية بوصف مشهد الشجاعة والصمود الذي صمده أبناء هذه القرى وتعاونهم مع الجيش العراقي، أمام هذا المشهد المؤلم أمرت الملكة عالية والأمير عبد الأله بأن يتم نقل هؤلاء اللاجئين ليحلوا ضيوفاً على الحكومة العراقية والشعب العراقي، وبالفعل نقلت عائلات اللاجئين باستثناء الشباب القادر على حمل السلاح في شهر آب من عام 1948 بواسطة آليات الجيش العراقي عبر الأردن، فيما شكل الجيش العراقي من الشباب الباقين (فوج الكرمل) ليقاتل تحت أمرة الجيش العراقي، ثم التحق أفراد هذا الفوج بعائلاتهم بعد انقضاء الحرب بعد أن استصدروا جوازات سفر أردنية ليتمكنوا من دخول العراق.

    الوضع القانوني:

    بعد وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق عام 1948 أصبح هؤلاء تحت ولاية وزارة الدفاع العراقية حيث تم توزيع سكنهم في المقرات الحكومية التي لا تستخدم عادةً في فترة العطلة الصيفية مثل دار المعلمين وكليات الجامعة، ومع انتهاء العطلة الصيفية تم توزيعهم على مناطق مختلفة من العراق بين البصرة وبغداد والموصل في معسكرات وأندية تتبع للحكومة، وكان لهم مخصصات من الطعام والغذاء بشكل يومي كباقي قطع الجيش العراقي، إذ كانوا يعتبرون جزءاً من قطع الجيش في هذه الناحية، وبقي الحال هكذا حتى عام 1950 حيث انتقلت ولايتهم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ضمن مديرية خاصة سميت مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق، حيث أعيد توزيع سكن الفلسطينيين وفق نظام السكن الجماعي في الملاجئ التي تفتقر لأدنى متطلبات الرعاية الصحية، ومع تشكيل وكالة الإغاثة الدولية (الأنروا) كان الفلسطينيون في العراق مشمولين برعايتها، إلا أن الأنروا لم تمارس مهامها في العراق إلا لأشهر قليلة خرج بعد ذلك العراق من مناطق عمليات الأنروا بطلب من الحكومة العراقية وبموجب إتفاقية بين الحكومة العراقية والأنروا بأن تقوم الحكومة العراقية برعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق مقابل إعفاء العراق من أي التزام مالي للأمم المتحدة بهذا الخصوص، وفعلاً خرج الفلسطينيون في العراق من ولاية الأنروا، وفي هذه الأثناء خصصت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل العراقية مبلغ 160 ألف دينار كميزانية لمديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين، وكانت مخصصات الأفراد: 100 فلس للكبير، و50 فلس للصغير يومياً، إلا أن هذه المخصصات بدل أن تزيد مع الزمن كانت تنقص بسبب ثبات الميزانية وازدياد عدد الفلسطينيين، فلم تزدد الميزانية المخصصة للمديرية بين أعوام 1955 و 1973 سوى 50 ألف دينار فقط في الوقت الذي زاد فيه أعداد الفلسطينيين في هذه الفترة أربعة أضعاف تقريباً من (3500 إلى 14000)، ومع ذلك لم يكن جميع الفلسطينيين في العراق مشمولين برعاية مديرية شؤون اللاجئين فقد كان لهذه المديرية شروطها في تسجيل الفلسطينيين مثل: أن يكون من بلد محتل عام 1948، وأن يكون دخل العراق وأقام فيه قبل 25\9\1958، ولغرض لمّ الشمل، أجازت الوزارة ضم الزوجة إلى زوجها المسجل قبل عام 1961 ولا يجوز العكس أي ضم الزوج إلى زوجته.

    وبالعودة لموضوع المساعدات فقد كانت هذه المساعدات أداة ابتزاز بيد المديرية تقطعها متى شاءت بصلاحية قرار من مديرها فقط. ثم تقلص دور هذه المديرية وبدأت تقطع المعونات عن كل من يعمل أو يحصل على أي مصدر رزق إلى أن انتهى دورها من ناحية المساعدات لتقتصر على دور السجلات والتعاملات الورقية الخاصة بالفلسطينيين.

    هذا من ناحية ولاية ورعاية الفلسطينيين في العراق أما من ناحية القوانين الصادرة بحقهم فقد بقي وضعهم القانون ضبابياً قابلاً للتأويل بألف تفسير حتى صدور القرار الشهير 202 عام 2001، ففي عام 1961 صدر قرار مرقم بـ26 ينظم عملية منح الفلسطينيين في العراق وثائق سفر خاصة ويحدد مدة صلاحيتها، وفي عام 1964 صدر قرار بمعاملة الفلسطيني معاملة العراقي في الوظائف الحكومية من حيث الرواتب والعلاوات، لكن الفلسطيني استثني بموجب هذا القرار من حصوله على امتياز الخدمة التقاعدية بحجة أن ذلك قد يدفعه للتمسك بالبقاء في العراق والتفريط بحق العودة، ومنح الفلسطيني المنتهية خدمته راتب شهر واحد عن كل سنة من خدمته، وفي العام 1965 صدر قرار بشطب كلمة (اللاجئين) من وثائق السفر.

    بعد حرب حزيران عام 1967 قام وزير الشؤون الاجتماعية والعمل (أحمد الحبوبي) بزيارة للملاجئ التي يسكنها الفلسطينيون وهاله ما رأى من البؤس الذي يعيشه الفلسطينيون، ونورد نص الرسالة التي رفعها لمجلس الوزراء العراقي آنذاك:

    "قمت بزيارة للملاجئ التي يسكنها إخواننا الفلسطينيين فهالني ما رأيت ولا أبالغ لو شبهتها بقبور يسكنها أحياء. فهي لا تختلف عنها من قريب أو بعيد، فليس للشمس مكان فيها أو منفذ إليها، كما أن الهواء النقي مطرود منها، بناؤها قديم متآكل يتهدد أرواح ساكنيها فيعيشون في قلق دائم وخوف مقيم، إن الغرفة الواحدة التي مساحتها 3م×3.25م تسكنها عائلة يتراوح أفرادها بين 7-12 نسمة، وهي محل للطبخ ولغسيل الملابس والصحون والاستحمام والنوم والأكل وهي بنفس الوقت ساحة للعب الأطفال، وليس هناك حاجزا أو فاصل بين عائلة وأخرى وفي هذا ما فيه من خطورة ومحاذير ومشاكل تنجم من اختلاط الفتيات بالفتيان فضلا عما يتهدد الصحة من احتمال انتشار الأمراض والأوبئة خاصة وأن النظافة في هكذا أماكن تكاد تكون معدومة، إن المشكلة أكبر من أن توصف وكما يقول المثل (ليس السامع كمن رأى). إن الإنسان في هذه الأماكن يفقد آدميته وتستحيل حياته إلى ما يشبه حياة الحيوان، أقول ذلك وكلي ألم وأنا موقن أن مجلسكم الموقر سيولي هذه المشكلة العناية اللازمة لإنقاذ هؤلاء المساكين من الحالة المزرية التي يعيشونها وقد دب اليأس في نفوسهم وباتوا في ريب حتى من الأمل في إنقاذهم مما هم فيه فاستسلموا لليأس. ولا أكتمكم مدى المرارة التي رافقتني وأنا أرقب نظرات الأطفال والنساء والشيوخ وقد شحبت وجوههم وغاضت نضارتها وهي ترمقني بعتب محض ولسان حالهم يقول (أهكذا يعيش العائدون؟".

    كانت هذه الرسالة قنبلة فعلاً كما سماها الحقوقي العربي هيثم مناع في تقريره حول الفلسطينيين في العراق، على إثرها اتخذت الحكومة العراقية قرار 1 لسنة 1968 تتضمن توصيات بتخصيص أراضي للفلسطينيين مع سلف لمواد بناء، وجرى إصدار تعليمات خاصة بالفلسطينيين تتضمن إعانات نقدية منتظمة.

    لكن لم يقدر لهذا القرار أن يخرج عن إطار التوصية، فقد جاء انقلاب حزب البعث في تموز ( يوليو) 1968، إلا أن مجلس قيادة الثورة قد أصدر القرار رقم 366 المتخذ بجلسته المنعقد ة بتاريخ 17\8\1969 والذي عالج في نصه قضايا أهمها:

    - إنشاء مجمعات سكنيه شعبيه على غرار مدينة السلام يتوفر فيها كافة الشروط الصحية (كمجموعات سكنيه متكاملة الخدمات) وتبقى هذه الدور ملك للدولة يتمتع الفلسطيني بمنفعتها مادام موجوداً في العراق ولا يحق له شراء الأراضي والبناء وطلب السلف التعاونية والعقارية.

    - مساواة الفلسطينيين بالعراقيين عند التعيين والترفيع والتقاعد على أن يبقى مشروطاً بالإنهاء في حال عودتهم إلى ديارهم.

    ولم يسمح لهم مع ذلك بالترشح لمجلس الإدارة حتى عام 1971 حيث سمح للفلسطينيين بالتدرج الوظيفي حتى منصب مدير عام.

    في عام 1980 صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم 215 والذي يحق بموجبه تملك الفلسطيني المقيم إقامة دائمة دار للسكن بعد التدقيق وأخذ موافقة وزارة الداخلية والموافقات الأمنية اللازمة، على أن تسجل الدار التي اشتراها الفلسطيني المقيم باسم وزارة المالية.

    وفي عام 1983 صدر قرار يوجب على الفلسطيني استصدار موافقة المؤسسة العامة للعمل والتدريب المهني عند عمله أو انتقاله لعمل آخر حتى ضمن القطاع الخاص، وهددت التعليمات كل من يخالفها بحمله على مغادرة البلاد ومنع دخوله مستقبلاً.

    في عام 1987 صدر قرار من مجلس قيادة الثورة السابق رقم 936 والذي يحق بموجبه للفلسطيني المقيم إقامة دائمة تملك قطعة أرض سكنيه أو دار سكنيه أو قطعة أرض زراعية.

    لكن في عام 1989 صدر قرار يوقف العمل بالقرار 215 الصادر عام 1980 والقرار 936 لعام 1987 لمدة خمس سنوات، وفي نهاية المدة صدر قرار في 7\3\1994 عن مجلس قيادة الثورة رقم 23 ينص على: (يوقف العمل بالقوانين والقرارات التي تجيز تملك غير العراقي العقار أو استثمار أمواله في الشركات داخل العراق، وكل ما من شأنه التملك أو الاستثمار في أي وجه كان)، وبهذا عومل الفلسطيني الذي يقبع في العراق منذ أكثر من أربعة عقود والمؤيد بقرارات سابقة معاملة الأجنبي الذي جاء العراق منذ أيام، وبهذا القرار أصبح الفلسطينيون في العراق عرضة لأي إجراء تعسفي، وأصبح وضعهم القانوني في العراق عرضةً لتأويلات أصغر موظفٍ حكومي، وأصبح لا يحق للفلسطيني تملك ولو خط هاتف، بقي الحال هكذا حتى صدر القرار 202 عن مجلس قيادة الثورة في جلسته المنعقدة بتاريخ 12\9\2001 والذي نص: (يعامل الفلسطيني المقيم إقامة دائمة في العراق معاملة العراقي في جميع الحقوق والواجبات باستثناء الحق في الحصول على الجنسية العراقية). كان هذا القرار الذي جاء بعد سبع سنوات على القرار 23 لعام 1994 وبشكل غير قابل للتأويل لوضوح القرار بشكل كبير، إلا أن الفلسطينيون في العراق لم يقدر لهم أن يتمتعوا بأول امتيازٍ قانوني واضح لهم منذ عام 1948، فبعد عامين فقط سقطت بغداد وسقط معها هذا القرار لتحل مكانه قرارات الطائفية والعنصرية، وبعد كل هذه القوانين التي كانت ألعوبة النظام ظلّ الفلسطينيون في العراق بعد سقوط النظام متهمين بأكبر فرية بتاريخ شتاتهم بأنهم حلفاء النظام السابق الذي ظلمهم وظلم أبناء العراق معهم.

    الفلسطينيون في العراق بعد السقوط:

    كل ما قلناه سابقاً من حيفٍ وظلمٍ للفلسطينيين في العراق في ظل القوانين الضبابية والتي غدت شطرنج مجلس الثورة يحرك بها أينما يريد ووفق ما يريد بما يتطابق مع سياسته الإعلامية لم يغفر للفلسطينيين عند بعض المتعصبين الذين اتهموهم أنهم عملاء النظام السابق، وأصبح وضع الفلسطينيين في العراق على أسوأ حال يعيشه فلسطينيٌ لاجئ في العالم أجمع، وننوه أنه مع بداية هذه المرحلة قام الأستاذ هيثم مناع مشكوراً بإعداد تقرير حول أوضاع الفلسطينيين في العراق وقد لخص بموضوعية الشقاء الذي يعيشه الفلسطينيون في العراق قبل سقوط النظام ومع بدايته، واليوم ندعوه ليرى الأوضاع التي آلت إليها أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في العراق من خطفٍ وقتلٍ وتعذيبٍ وتمثيلٍ بالجثث، وحرمان من التجول والرعب الذي يعيشه هؤلاء، فلم يعد يهمهم أوضاع السكن الذي يعيشون فيه وحجم المعونات المقدمة لهم، كل ما يحتاجونه هو النجاة بأطفالهم من مليشيا الحقد والإجرام التي تستهدفهم، وبهذا الإطار لا يمكن أن نعتبر أن وضع الفلسطينيين في العراق هو جزءٌ من حالة الفوضى العارمة التي تعم العراق، لأن الفلسطينيين في العراق يُستهدفون بأعيانهم والتهديدات التي تصلهم تسمي أشخاصهم وتركز على كفاءاتهم، وكل ذلك تحت أكبر كذبةٍ يُتهم بها هؤلاء الذين تقل نسبتهم في مجموع الشعب العراقي عن 1% تحت ذريعة أنهم حلفاء النظام السابق.

    مع بداية سقوط يغداد لم يطرأ تغير ملموس على وضع الفلسطينيين في العراق في زمن مجلس الحكم وكذلك الأمر في فترة إياد علاوي الذي أرسل برسالة للسفارة الفلسطينية في بغداد يعلمهم فيها أن الفلسطيني في العراق سيعامل بموجب القرار رقم 202 لعام 2001، إلا أن الأمور تدهورت بشكلٍ مخيف في فترة حكومة الجعفري، حيث بدأت حملة تحريض منظمة ضد الوجود الفلسطيني في العراق عموماً و بغداد خصوصاً شاركت فيها أطراف ووسائل إعلام حكومية، وبدأ منها مسلسل الخطف والتعذيب والتمثيل بالجثث، ليصل عدد الشهداء من ضحايا التحريض إلى أكثر من 80 شهيداً ومئات الجرحى وأكثر من 60 معتقلاً حتى الآن دون تهمة، ناهيك عن الذين اعتقلوا وخرجوا وكان آخرهم الفلسطينيون الأربعة الذين ظهرت صورهم على قناة العراقية قبل حوالي أكثر من سنتين وعليهم آثار التعذيب ليعترفوا بمسؤوليتهم عن تفجير بغداد الجديدة تحت وطأة التعذيب، لكنهم خرجوا بعد ثلاث سنوات من التحقيق والتعذيب الذي كانت نتيجته أنهم أبرياء، ومن دون الدخول في تفاصيل عمليات القتل المنظم ضد الفلسطينيين في العراق والتي كان آخرها قتل 9 فلسطينيين وجرح العشرات بهجوم يوم الاثنين 26\6\2006م على سوق الخضار في منطقة البلديات من قبل مليشيات دعمتها مجموعة ترتدي زي مغاوير الداخلية وتركب سياراتها، أطلقت النار على الأطفال والشيوخ والنساء وقتلوا كل من صادفوه من الفلسطينيين من غير وجه حق ودون رقيبٍ أو حسيبٍ على هؤلاء المجرمين، ولكن يمكن تلخيص مشهد مأساة الفلسطينيين في العراق عندما نرى أنه لا تزال صورة المشهد الفلسطيني في العراق مغيبةً إلى حدٍ كبير رغم كل القتل والخطف والتعذيب والحصار المفروض عليهم منذ سقوط النظام عام 2003، وربما يعزى ذلك إلى ضعف الإعلام العربي عموماً، وضياع صورة المشهد وسط حالة الفوضى العارمة التي تعم أرجاء العراق، ثم أن قلة الوثائق التاريخية التي تؤرخ للوجود الفلسطيني في العراق قد ساهمت نوعاً ما في تغييب صورتهم عن واجهة الإعلام.

    تحت ولاية من؟

    أول دخول لمنظمة الأمم المتحدة من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 2003 حين أجرت المنظمة إحصاءً للفلسطينيين في العراق وكانت النتيجة (23520) لاجئاً فلسطينياً في العراق، ثم قامت المفوضية بإيصال المعونات الغذائية للفلسطينيين المقيمين في الخيام في نادي حيفا، بعد أن أخرج هؤلاء من بيوتهم التي سكنوها لسنوات بعد سقوط النظام عندما هجم بعض الأهالي بحجة أن هذه البيوت لهم وأن النظام السابق قد تأجرها منهم بثمن زهيد للفلسطينيين، وأُخرج هؤلاء من تلك البيوت ليعودوا للخيام في نادي حيفا، بعد ذلك قامت المفوضية باستئجار بيوت لهم، وما تزال المفوضية تتابع أوضاع الفلسطينيين في مخيمات الرويشد والهول والتنف، في الوقت الذي تنصلت وكالة الأنروا من مسؤولياتها تجاه هؤلاء رغم كل ما يتعرض له الفلسطينيون سواء في مخيمات التهجير الثانية أو في داخل العراق.

    أمام هذا المشهد المغيب أو الذي أريد له أن يغيّب، أصبحت وكالة الأنروا في حلًّ من اتفاقها مع الحكومة العراقية التي أخرجت الفلسطينيين في العراق من ولاية الأنروا عام 1958 ، إلى أين يسير هؤلاء الفلسطينيون في الوقت الذي لا يخضعون لولاية منظمة دولية ولا لحكومةٍ عربيةٍ أو غير عربية؟ ووطنهم فلسطين تنهش فيه الذئاب منذ عام 1948.

    بضعة آلاف من مجمع البلديات والزعفرانية من الفلسطينيين قد شكلوا من هول القتل مخيمات في (الرويشد في الأردن، وطريبيل بين الحدود العراقية الأردنية، والهول شمال شرق سوريا، والتنف بين الحدود السورية العراقية، والله أعلم أين سيكون مخيم القادم) وبعبارة أبسط هذا هو مشهد لتشرد المشردين أصلاُ، نكبة أخرى تعيد نفسها في القرن الحادي والعشرين.

     

    * الأمين العام لتجمع العودة الفلسطيني واجب

     

     الولايات المتحدة الأمريكية تخسر حروبها ضد شعوبنا

    د. محمد الغزي

    تعاني سياسات الإدارة الأمريكية واستراتيجياتها وخططها من تغييرات متلاحقة بصورة مستمرة، فما أن تضع هذه الإدارة سياسة أو استراتيجية جديدة لتلافي فشلها وأزماتها الداخلية والخارجية إلا ويعترف القادة الأمريكيون بنواقص تلك الخطط والاستراتيجيات وعدم جدواها ويبحثون عن بدائل لها، ما يدل على مدى التخبط الكبير الذي تعاني منه تلك الإدارة وشدة المآزق التي أحاطت بها من كل جانب، فلقد أصبح الفشل هو السمة البارزة لسياسات أعتا دولة ظن قادتها وأهلها أنهم قادرون على العالم عسكريا واقتصاديا وسياسيا وإعلاميا.

    ولقد أدركت الإدارة الأمريكية أنها تخسر الحرب في كل المجالات وعلى كل الميادين والساحات، هذا ما يصرح به قادة البنتاغون والبيت الأبيض، وهذا بالفعل ما نراه على الأرض وما تشهد عليه الأحداث والوقائع، فبالأمس افتخر الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام حشد من جنرالاته العسكريين بأنه وضع استراتيجية جديدة لتحقيق النصر الذي يحلم به بعد أن لمس قسوة المستنقع الذي أوقع بلاده فيه باحتلاله للعراق وأدرك شدة بأس المقاومة العراقية الباسلة المتصاعدة كما ونوعا، واليوم يقر وزير الحرب الأمريكي رونالد رامسفيلد بخسارته للحرب الإعلامية الرقمية أمام شعوبنا، وفي هذا اعتراف ضمني من رامسفيلد بأن الفضائيات المأجورة أمريكيا قد فشلت في أداء مهماتها، وما ينتظر الولايات المتحدة الأمريكية هو الأسوأ والأقسى.

    وهذا الفشل دليل على أن قوى الولايات المتحدة الأمريكية قد خارت وأن نفوذها العالمي آخذ في التقهقر، فقد انكسرت هيبة الولايات المتحدة الأمريكية وتراجعت شدة هجمتها على أمتنا وخفت صوتها المنادي بنشر الديمقراطية، لخشيتها من وصول الإسلاميين إلى السلطة والحكم، وضعفت مطالبتها لحكومات الدول العربية والإسلامية بما تدعو إليه من إصلاح ديني وتعليمي وسياسي، وإدراكا من الإدارة الأمريكية بمدى الخطر الذي يهدد مصالحها في بلادنا واستحالة الهيمنة الأمريكية على أمتنا حث بوش شعبه على محاولة التخلص التدريجي من اعتمادهم على النفط العربي والإسلامي والبحث عن مصادر بديلة قد تكون في القمر أو كواكب أخرى، وكل هذا يدل على تراجع الأجندة الأمريكية التي تهدف إلى الاستحواذ على ثرواتنا واستعباد شعوبنا.

    ومن أهم مظاهر فشل الإدارة الأمريكية هو عدم قدرتها على عزل المقاومة للاحتلال في العراق وفلسطين وأفغانستان وعجزها عن إلصاق تهمتي العنف والإرهاب بالمقاومة ويأسها من محاولة كسب الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبها ضد المقاومة وحركات الإسلام السياسي، ولقد فشلت الإدارة الأمريكية في حشد الرأي العام الأمريكي والعالمي لتأييد حربها الظالمة على العراق والتي كلفت الأمريكيين مئات مليارات الدولارات وحياة عشرات آلاف الغزاة من الأمريكيين وحلفائهم والمرتزقة، وها هي وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تفشل مرة أخرى في جولتها الشرق أوسطية الأخيرة والتي تهدف إلى توظيف الحكومات العربية لفرض طوق اقتصادي ضد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بالإضافة إلى حشد التأييد لعدوان متوقع ضد إيران.

    ويمثل تصاعد النفوذ السياسي للحركات الإسلامية السياسية والجهادية بعدا آخر لفشل السياسات القمعية والدكتاتورية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه شعوبنا العربية والإسلامية، ويمثل الفوز الكبير الذي حققته حماس ونيلها ثقة الشعب الفلسطيني قمة الفشل لسياسات الإرهاب والتثبيط التي مارستها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها ضد شعب يرزح تحت نير الاحتلال لأكثر من نصف قرن ولا يملك إلا أيمانا متينا بالله عز وجل وإرادة لا تلين وتصميم على نيل كافة حقوقه وكامل حريته.

    ولقد أدى التعاطي الظالم للإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين مع وصول حماس إلى السلطة إلى ما كانت تخشاه الإدارة الأمريكية وتحسب له ألف حساب من قيام الشعوب العربية والإسلامية بالمبادرة إلى أخذ زمام الأمور بنفسها والقيام بواجبها دون انتظار لقرارات تتخذها الحكومات أو تصدرها جامعة الدول العربية أو تدعو إليها المنظمات الإسلامية الرسمية، فقد تحركت الشعوب العربية والإسلامية إلى نصرة الشعب الفلسطيني غير آبهة بما يصدر عن المسئولين الأمريكيين من تهديدات وإنذارات لحماس وللشعوب العربية، ولهذا تميز الموقف الأمريكي والأوروبي تجاه المعونات المقدمة للسلطة الفلسطينية بالحيرة والتخبط، فلقد شعر الأمريكيون والأوروبيون بالقلق الشديد نتيجة المواقف المشرفة للعرب والمسلمين تجاه حماس والشعب الفلسطيني، ما أدى إلى تراجع الدول الغربية عن قراراتها المجحفة بحق الشعب الفلسطيني والتخفيف من حدة تهديداتها ومحاصرتها الاقتصادية للشعب الفلسطيني ولحكومته القادمة خشية من استمرار التحرك الشعبي وتصاعده في وجه محور الشر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

    إن المبادرة الشعبية والتفاعل الإيجابي مع القضايا المصيرية لأمتنا هي عنوان المرحلة القادمة بعد أن خذلت الأنظمة الحاكمة شعوبنا وكبلتها لعشرات السنين وحالت بينها وبين قيامها بالدفاع عن نفسها ودينها وأوطانها واستخدمت فتاوى علماء السلاطين لتخدير الشعوب وتثبيطهم وكأن الدين قد أصبح أفيونا لهذه الشعوب، ونحن الآن نشهد ظاهرة جديدة تتمثل في انتفاض الشعوب العربية والإسلامية وقيامها مجتمعة لمواجهة العدوان الغربي والصهيوني بقوة وبوعي وحكمة، وهذا ما أثبتته طريقة تفاعل الأمة الإسلامية مع قضية الإساءة للإسلام والمسلمين بذريعة حرية التعبير التي جعلها الغربيون آلهة لهم يعبدونها من دون الله تعالى فأعلنوها حربا صريحة على ديننا الحنيف وجعلوا قلوبنا وعقولنا ساحة لحربهم الجائرة ليحتلوها ويستعمروها.

    إن شعوبنا اليوم تعيش زمن الانتصارات إذ أنها حققت نصرا كبيرا في حرب العقول والقلوب محطمة بهذا النصر العظيم كل أصنام الولايات المتحدة الأمريكية وأدواتها التكنولوجية والإعلامية وملحقة الهزيمة بكل مسوقي سياساتها العدوانية ومروجي أجندتها والداعمين لها، لقد أثبتت شعوبنا أنها حية وحرة وواعية لا تقبل الضيم والهوان والقهر والاحتلال وأنها لا تفرط بدينها وأوطانها وأنها تنتصر لرسولها العظيم، صلى الله عليه وسلم. 

    ومن السذاجة أن تظن وكيلة الخارجية الأمريكية كارين هيوز أن تخصيص مئات ملايين الدولارات لإنفاقها على المنح الدراسية والزيارات المتبادلة بين المثقفين والمفكرين المسلمين والأمريكيين وإقامة المؤتمرات والمنتديات لتحسين الصورة الإجرامية لبلادها سيجعل شعوبنا ترى تلك الصورة على غير حقيقتها، ومن السذاجة أن يظن رامسفيلد أن استخدام المزيد من التكنولوجيا والعمل المتواصل في مكتب المعلومات التابع للبنتاغون للمراقبة والتجسس والرد السريع سوف يؤدي إلى تحسين الصورة الأمريكية، فالمسألة ليست مسألة خطط واستراتيجيات وأدوات وإنما هي مسألة حق وباطل، والله تعالى أخبرنا أن الباطل لا يصمد أمام الحق: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}الإسراء81 وكذلك {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}سبأ49. 

    وتجدر الإشارة إلى أن مدير شؤون الشرق الأوسط  ألبرتو فرناندز قد عبر بحماقة تامة عن ازدرائه للعرب والمسلمين عندما قال في لقاء له مع قناة الجزيرة الفضائية: "هناك سوء فهم كبير وغباء عربي وإسلامي في ما يتعلق بالولايات المتحدة وفي الوقت نفسه هناك غباء أميركي وإهمال وجهل بالإسلام والعرب والعالم العربي"، ولقد كذب وأخطأ في الأولى وأصاب في الثانية وهو مثال حي للتدليل على صحة ما يقول بخصوص الغباء الأمريكي رغم أنه يقول في نفس اللقاء أنه تعلم اللغة العربية والحضارة الإسلامية لمدة ثلاثين عاما، لكن من يتابع كلامه على الشاشة يدرك أن فرناندز لا يزال عاجزا عن النطق بجملة صحيحة واحدة باللغة العربية ولا يستطيع التمييز بين الألِف من الجزرة فيما يتعلق بحضارتنا، وشكرا للجزيرة التي تتحفنا بسخافاته وتصحح له لغته المكسرة.

    لقد فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في إيجاد شركاء لها من داخل الحركات الإسلامية لرعاية المصالح الأمريكية وتمرير الأجندة الأمريكية، وستفشل كذلك في محاولاتها المستميتة لاحتواء الحركات الإسلامية وحرف مسيرتها وتغيير وجهتها، كما أنها ستفشل في توظيف العلماء والمفتين المسلمين والمنظمات الإسلامية الرسمية في الأخذ بنواصي شعوبنا إلى الوجهة الأمريكية، وستفشل أيضا في تلميع النموذج الأمريكي لمفكرين إسلاميين أو علمانيين يعيشون في الغرب بهدف تهيئة شعوبنا للانقياد لهم واتخاذهم مرجعية يستندون إليها في تحركاتهم، والسبب في كل هذا الفشل بسيط وهو أن شعوبنا قد سارت خطوات كبيرة على طريق تجاوزها لمرحلة القابلية للاستعمار والوقوع ضحية للتضليل والخداع والرضاء بالذل والهوان.

    ومن المتوقع أن الولايات المتحدة الأمريكية ستلجأ، نتيجة لهذا الفشل الذريع الذي منيت به في جولاتها المتكررة على جميع الأصعدة، إلى وسائل قذرة لإشعال الصراعات والحروب الأهلية في بلدانا لتمزيقها والنيل من شعوبها، وستحاول استخدام أساليب أكثر عدوانية في حربها لاحتلال عقولنا وقلوبنا، وما نشهده من إساءة إلى الإسلام والمسلمين هو مجرد بداية لحرب جديدة تدور رحاها في كل عقل وقلب مستهدفة عقيدتنا وقيمنا الإسلامية، وستعتمد الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب بشكل أساس على الإنترنت ومدوناتها ومنتدياتها والبريد الإلكتروني وتكنولوجيا الاتصالات لنشر الإباحية في كل بيت وشارع ومدرسة وجامعة ...، ولهذا نجد أن العديد من سفارات الولايات المتحدة الأمريكية في البلاد العربية والإسلامية قد بدأت في إنشاء منتديات على الإنترنت وتمويلها ورعايتها لتحقيق تلك الأغراض.

    وما يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعلمه هو أن شعوبنا ستنتصر على سياساتها واستراتيجياتها، وبالفعل فقد بدأت شعوبنا تشعر بنشوة هذا الانتصار، وستخسر الإدارة الأمريكية كل ما بذلته من جهود شيطانية وكل ما أنفقته وستنفقه في الصد عن سبيل الله عز وجل، وفي هذا تحقيق لوعد الله تعالى إذ يقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }الأنفال36.