بسم الله الرحمن الرحيم

صحيفة العماد

دينية *  سياسية *  مستقلة

  وثائق 

الفارين من الصومال  ُيستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل

تُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين وثيقتها حول حقوق المهاجرين

إسبانيا والمغرب تُسيئان للأطفال المهاجرين

الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون

فرنسا : القضاء يخذل ضحايا وحشية الشرطة

تقرير يبحث في ملابسات وفاة ثلاثة من المحتجزين في سجن قاعدة غوانتانامو

بريطانيا:احتجاز المواطنين الأجانب لأجل غير مسمىً دون اعتبار لحقوق الإنسان الأساسية

 إساءة الولايات المتحدة معاملة المعتقلين

يجب التحقيق مع رامسفيلد وتينيت في تعذيب القوات الأميركية للسجناء

الأردن: اتفاقية الحصانةغير المشروعة مع الولايات المتحدة الأمريكية

 

 

 

 ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال

 

 ُيستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل

June 17, 2010

قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الشرطة الكينية على الحدود الصومالية وفي مخيمات اللاجئين القريبة تسيئ معاملة ملتمسي اللجوء واللاجئين الفارين من الصومال التي تمزقها الحرب. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على كينيا أن تسيطر فوراً على قوات الشرطة الكينية المسيئة، وأن تزيد وكالة الأمم المتحدة للاجئين من مراقبتها ورصدها للوضع وأن تضغط من أجل وضع حد للانتهاكات.

بناء على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ، يوثق تقرير "مرحباً بكم في كينيا: إساءة معاملة الشرطة للاجئين الصوماليين"، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون بلوغ ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظل أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة بالخطأ على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من رجال ونساء وأطفال على حد سواء، للحصول منهم على نقود. وفي بعض الحالات، قام عناصر من الشرطة باغتصاب النساء. وفي مطلع عام 2010 وحده، أعيد مئات وربما الآلاف من الصوماليين غير القادرين على الوفاء بالابتزاز، إلى الصومال، في خرق بيّن للقانونين الكيني والدولي.

وقال جيري سيمسون، باحث شؤون اللاجئين في هيومن رايتس ووتش وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفر من الفوضى والدمار في الصومال، الأغلبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات موجزة". وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات، يواجه بعض اللاجئين العنف من الشرطة وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي من قبل لاجئين آخرين وأشخاص كينيين".

العشرات من ملتمسي اللجوء من بين ما يُقدر عددهم بأربعين ألف صومالي ممن عبروا الحدود الكينية المغلقة رسمياً بالقرب من المخيمات خلال الشهور الأربعة الأولى، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة تتجاهل استجدائهم إياها بالمرور المجاني من الحدود. وتطالبهم الشرطة بالنقود وقامت بترحيل بعضهم واحتجاز وضرب وتزوير الاتهامات للبعض، بتهمة التواجد غير القانوني إذا لم يتمكنوا من الدفع. ووصف عامل بمساعدة اللاجئين من كينيا كيف أن عمل الشرطة بين الحدود وغاريسا - العاصمة الإقليمية - "آلة عملاقة لتوليد النقود".

"مرحباً بكم في كينيا" يوثق أيضاً كيف أن خطر اعتراض الشرطة للأفراد وما يتعلق به من انتهاكات، يجبر أغلب ملتمسي اللجوء على السفر نحو المخيمات في دروب ضيقة بعيداً عن الطريق الأساسي. وهؤلاء يصبحون عرضة لهجمات المجرمين، الذين يسرقونهم ويغتصبون النساء ويسرقون النقود القليلة التي معهم.

وما إن يصلوا المخيمات، يستمر اللاجئون في التعرض لعنف الشرطة، طبقاً للتقرير. وقد أخفقت الشرطة في منع العنف الجنسي والتحقيق فيه ومقاضاة المسؤولين عنه، بحق النساء والفتيات اللاجئات في المخيمات، على يد لاجئين آخرين وكينيين، مما يؤدي لخلق مناخ من الإفلات من العقاب ويزيد من عنف التعرض للعنف الجنسي.

كما يتناول التقرير السياسة غير القانونية التي تنتهجها كينيا بحظرها على أغلب اللاجئين المسجلين في المخيمات الانتقال إلى أجزاء أخرى من كينيا، ما لم يكن معهم تصريح خاص فيه أسباب من قبيل العلاج الطبي أو التعليم في نيروبي. وبموجب القانون الدولي، فعلى كينيا أن تبرر أي حظر أو تقييد على اللاجئين وعلاقته بحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة، وهو ما أخفقت في الوفاء به حتى الآن. وفي عام 2009 سمحت السلطات لستة آلاف شخص فقط من تعداد اللاجئين بداداب البالغ 300 ألف شخص، بالسفر إلى خارج المخيمات المزدحمة سيئة الأوضاع.

ويوثق التقرير كيفية اعتقال الشرطة للاجئين الذين يتنقلون دون "تصاريح التنقل" الصادرة عن الحكومة - ومن معهم التصريح أيضاً، بشكل متزايد - وتبتزهم من أجل الحصول على النقود، وأحياناً ما يتم نقلهم إلى المحكمة في غاريسا، حيث يُغرّمون أو يُحالون على السجن.

تقرير "مرحباً بكم في كينيا" يقول بأن الطبيعة المنظمة لآليات ابتزاز الشرطة وانتهاكاتها - التي تمتد مسافة 200 كيلومتر من بلدة ليبوي الحدودية إلى بلدة داداب ثم غاريسا - هي النتيجة المباشرة لقرار كينيا الصادر منذ ثلاث سنوات بغلق الحدود. وقالت هيومن رايتس ووتش إن إغلاق مركز تحويل اللاجئين في ليبوي، 15 كيلومتراً من الحدود وعلى مسافة 80 كيلومتراً من المخيمات، لم يؤد إلا لتدهور الأمور.

وقبل الإغلاق، كان مركز تحويل ليبوي مكان آمن يجد فيه أغلب ملتمسو اللجوء الصوماليون أول ملاذ آمن للجوء في كينيا، ومنه تنقلهم وكالة الأمم المتحدة للاجئين - المفوضية السامية لشؤون اللاجئين - إلى المخيمات. ودون المركز، فإن ما يُقدر بثلاثمائة ألف صومالي فروا من بلدهم إلى كينيا منذ يناير/كانون الثاني 2007 - نصفهم ذهبوا إلى المخيمات - يضطرون لاستخدام المهربين لنقلهم عبر الحدود. وتستغل الشرطة هذه الطبيعة العشوائية والخطيرة لرحلتهم، وتتهمهم زوراً بالدخول غير القانوني للبلاد وتهددهم بالاعتقال إذا لم يدفعوا النقود التي تطلبها الشرطة.

وبموجب قانون اللاجئين الكيني، فجميع ملتمسي اللجوء أمامهم مهلة 30 يوماً بعد دخول كينيا للانتقال إلى أقرب سلطة للاجئين للتسجيل كلاجئين، بغض النظر عن كيفية دخولهم البلاد أو متى دخلوها. لكن الشرطة تتجاهل بشكل ممنهج هذا الحق. وفي تكرار لتوصيات هيومن رايتس ووتش للسلطات الكينية الواردة في تقريرها "من الرعب إلى اليأس" الصادر في مارس/آذار 2009، يعيد التقرير الجديد التأكيد على دعوته السلطات بفتح مركز جديد في ليبوي حيث يمكن التعامل مع ملتمسي اللجوء الوافدين حديثاً وحيث يمكنهم الاعتماد على المركز الجديد كنقطة آمنة مؤقتة ينتقلون منها إلى المخيمات.

وقال جيري سيمسون: "لأكثر من ثلاث سنوات لم تفد الحدود المغلقة أي أحد إلا ضباط الشرطة الفاسدين، وأدت إلى إساءات لا حصر لها ضد المئات، إن لم يكن الآلاف، من ملتمسي اللجوء". وأضاف: "على كينيا أ، تضمن المرور الآمن والحماية للاجئي الصومال المعرضين للضرر".

وللحكومة الكينية بواعث قلق أمنية فعلية على صلة بالنزاع في الصومال، لكن خطابها السياسي ضد الصومال لم يؤد إلا لتعزيز سلوك الشرطة المسيئ، على حد قول هيومن رايتس ووتش. ملتمسو اللجوء يقولون إن الشرطة تتهمهم بالانتماء إلى جماعة المتمردين الصومالية الشباب أو القاعدة، أو أنهم "إرهابيين" قبل إجبارهم على العودة في الصومال، في بعض الحالات. وبناء على ثماني حالات بالإعادة الجبرية للصومال، بحق 152 شخصاً حققت فيها هيومن رايتس ووتش ووثقتها أثناء بحثها في مارس/آذار، تعتقد هيومن رايتس ووتش إنه من المرجح أن الشرطة أعادت المئات - إن لم يكن الآلاف - من الصوماليين إلى بلدهم في مطلع عام 2010 فقط.

ويحظر القانون الدولي الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يتعرضون للاضطهاد أو التعذيب أو حالة عنف معممة. ورغم أن كينيا لها الحق في منع بعض الأفراد من دخول كينيا أو الإقامة فيها - ومنهم من يُرون على أنهم تهديد لأمنها القومي، مثل أعضاء الشباب - فليس من حقها أن تغلق حدودها في وجه ملتمسي اللجوء. القانون الدولي يحظر أيضاً على السلطات ترحيل ملتمسي اللجوء إلى الصومال دون أن تسمح لهم أولاً بتقديم طلبات اللجوء.

وقال جيري سيمسون: "الشرطة تقول إنها تحمي كينيا من الإرهابيين وإنها تطبق قوانين الهجرة، عندما تعترض اللاجئين". وأضاف: "لكن في واقع الأمر فهي تبتز الصوماليين كي يدفعوا النقود مقابل المرور عبر نقاط التفتيش ومقابل عدم التعرض للاحتجاز، مما يوحي باهتمامهم بملء الجيوب أكثر من حماية الحدود".

ويدعو التقرير وكالة الأمم المتحدة للاجئين إلى تحسين آلياتها الخاصة بالمراقبة والضغط لدى السلطات، وأن تجري زيارات أكثر لمراكز الشرطة القريبة من الحدود، وفي بلدتي داداب وغاريسا.

وفيما يخص العنف الجنسي، قال الضحايا لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة إما تتجاهل شكاواهم، أو تطلب منهم توفير الأدلة، أو تكف عن متابعة القضايا فجأة دون إبداء أسباب. وفي الحالات النادرة التي تقبض فيها الشرطة على المعتدين المزعومين، عادة ما يتم الإفراج عن المشتبه به خلال ساعات أو أيام، مع أقل الأمل في المزيد من الاستجواب أو المحاسبة. الكثير من النساء يعتقدن أن من اعتدوا عليهن قاموا برشوة الشرطة من أجل وقف التحقيقات أو إخراجهم من الحبس.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه رغم التحسنات التي طرأت منذ مطلع التسعينيات، فإن الرد الحكومي على العنف الجنسي في المخيمات أخفق بسبب قلة عدد رجال الشرطة في المخيمات الذين لديهم مهارات تحقيق في الجرائم، وبسبب عدم كفاية الإشراف على رجال الشرطة الذين يباشرون القضايا.

وقالت ميغان رود، الباحثة بقسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش، وكتبت الجزء المتعلق بالعنف الجنسي من التقرير: "بعد عشرين عاماً تقريباً من وجودها، ما زالت المخيمات مكاناً الإنصاف والعدالة فيه لضحايا الاغتصاب هو الاستثناء على القاعدة، والإفلات من العقاب هو القاعدة". وأضافت: "النساء والفتيات اللاجئات اللاتي يبلغن الشرطة بشجاعة عن العنف الجنسي يستحققن ما هو أفضل من هذا".

"إن جبين عالمنا يندى لهذه الأزمة الصامتة لحقوق الإنسان ... فالمهاجرون جزء من الحل وليس المشكلة. ولا يجوز تحويلهم إلى كبش فداء لمجموعة واسعة من العلل الاجتماعية".
كوفي عنان في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي، 29 يناير/كانون الثاني 2004

العمال المهاجرون بشر

تُصدر منظمة العفو الدولية في اليوم العالمي للمهاجرين لهذا العام وثيقتها التمهيدية الشاملة الأولى حول حقوق المهاجرين

في كل عام يموت آلاف الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى دول أخرى. ويواجه العديد من الذين يفدون إلى دولة جديدة مزيداً من الانتهاكات والاستغلال على أيدي المهربين وأصحاب العمل والموظفين الرسميين المجردين من الضمير. وغالباً ما يُحرم أولئك الذين يفتقرون إلى الوضع الرسمي وحماية القانون من حقوق الإنسان الأساسية ويُكتب عليهم العيش والعمل في أوضاع فظيعة ومهينة.

وتقدم مطبوعة منظمة العفو الدولية هذه التي تحمل عنوان العيش في الظل : مدخل إلى الحقوق الإنسانية للمهاجرين، لمحة عامة عن حقوق المهاجرين. وتبين كيف أن السياسات والممارسات الحكومية ينبغي أن تحمي الحقوق الإنسانية للمهاجرين في جميع مراحل دورة الهجرة. وتسلط الضوء على بعض انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها العديد من المهاجرين وتحدد أجندة للقيام بحملات من أجل حقوق المهاجرين. وحقوق المهاجرين هي حقوق إنسانية وينبغي على الحكومات والمجتمعات وأصحاب العمل والأفراد بذل المزيد للتمسك بها وحمايتها.

وبوصفهم أجانب، يتعرض المهاجرون بصورة متزايدة للتمييز والعنصرية وكراهية الأجانب وسوى ذلك من أشكال التحيز. وتشمل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها العمال المهاجرون الامتناع بصورة روتينية عن دفع أجورهم، ومصادرة جوازات سفرهم أو بطاقات إثبات شخصيتهم من جانب أصحاب عملهم، وتوجيه الشتائم إليهم وإيذاؤهم جسدياً من جانب أصحاب عملهم وعدم حصولهم على السكن والمرافق الصحية المناسبة. كذلك يواجهون التوقيف والاعتقال التعسفيين في أوضاع غالباً ما تتسم بالسوء. وفي الوقت ذاته، يعيش كثيرون منهم في خوف دائم من الطرد من البلد الذي يعملون فيه، غالباً بدون إتاحة فرصة لهم لتقديم استئناف. وبشكل خاص تتعرض النساء، اللاتي يشكلن قرابة خمسين بالمائة من العمال المهاجرين للاستغلال، بما في ذلك العنف الجنسي. كذلك يتعرض الأطفال بشدة، وبخاصة عندما يكونون بمفردهم، للاستغلال ويُرغمون أحياناً على القيام بأسوأ أنواع العمالة، بما في ذلك الدعارة القسرية أو تهريب المخدرات أو التجنيد في القوات المسلحة أو العمل المنـزلي في أوضاع أشبه بالعبودية.

وبسبب وضعهم غير المستقر، يظل العديد من العمال المهاجرين معرضين للغاية لانتهاكات حقوق الإنسان من أصحاب عملهم والدول المضيفة وغالباً ما يخشون جداً الشكوى من أوضاعهم. وإذا فعلوا ذلك، يُحتمل أن يطردهم رب عملهم، وإذا لجئوا إلى الدولة، فقد يتم ترحيلهم من البلاد.

وغالباً ما يصف بعض السياسيين ووسائل الإعلام المهاجرين بأنهم مجرمون ويشكلون عبئاً اقتصادياً وخطراً أمنياً وحتى خطراً على الصحة العامة. لكن الحقيقة هي أن اقتصاديات عديدة باتت تعتمد على المهاجرين المستعدين للعمل في أعمال قذرة ومهينة وخطرة لا تتضمن إلا القليل من الأمان وبأجور زهيدة. وتشغِّل الآن هذه القوة العاملة غير المعترف بها والمحرومة من التقدير والشأن جزءاً ملموساً من الاقتصاد العالمي. ويُنظر إلى العامل المهاجر بصورة متزايدة كسلعة أو وحدة عمل، "كمقدم مؤقت للخدمات" يمكن نقله ذهاباً وإياباً حول العالم بحسب الأهواء. وتفتقر هذه المقاربة إلى أي اعتراف بالحقوق الإنسانية للعامل المهاجر.

وهناك جزء واسع من القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان يكفل الحقوق الإنسانية للمهاجرين. بيد أن المشكلة هي أن الحكومات وسواها تفتقر إلى الإرادة السياسية لترجمة هذه الضمانات إلى تدابير عملية وحقيقية. وثمة حاجة لاتخاذ إجراءات بغية تحويل الحقوق الواردة في المعايير الدولية إلى حقيقة واقعة بالنسبة للمهاجرين الأفراد. وفي صميم الأجندة المقترحة لمنظمة العفو الدولية للقيام بحملة من أجل حقوق المهاجرين دعوة لمعاملة جميع المهاجرين على نحو يحترم بالكامل حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.

 

إساءات إسبانيا والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم

في هذا المكتب تجرى عمليات سرقة و أنتزاع الأطفال المغاربة من ذويهم و تتم عمليات الخداع و الضغط على الامهات للتنازل عن اولادهن

هذا المكتب الذي طردنا منه حينما دافعنا عن حقوق الامهات في الأحتفاظ اولمتابعة اولادهن

هنا تجرى عمليات أجبار الامهات و الضغط عليهن و خداعهن للتوقيع على صك التنازل عن اولادهن و كتابة التقارير و التعهدات ثم يتم دفعها للقضاءالاسباني

الذي بناءا على ما دفع اليه من وثائق وأوراق بان يحكم بفقدان حضانة الامهات المغربيات لابنائهن

أين المنظمات الحقوقية و الدولية لمراقبة أعمال المكتب الاسباتي و جرائمه بحق الأمومة والطفولة ؟

 تقرير أحدى المنظمات الانسانية عن الدولة الاسبانية والمغربية و ابناء المسلمين

إسبانيا والمغرب تُسيئان للأطفال المهاجرين
الضرب وعمليات الترحيل الجائرة هي من الأمور الشائعة



(مدريد, 7 أيار - مايو- 2002 ) كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المغاربة المهاجرون في إسبانيا للضرب على يد الشرطة، كما يتعرَّضون لإساءات مختلفة من قبل الموظفين والأطفال الآخرين في المراكز السكنية المزدحمة والتي تفتقر لشروط الصحّة العامة. وجَّهت منظمة مراقبة حقوق الإنسان هذه الاتهامات في تقرير نشرته اليوم، وأضافت بأن إسبانيا تقوم أيضاً بعمليات ترحيل جائرة إلى المغرب لأطفال قد يبلغون من العمر في بعض الحالات أحد عشر عاماً، وهناك تقوم الشرطة المغربيّة بضربهم وإساءة معاملتهم، ومن ثم يخلون سبيلهم إلى الشوارع.

يتكوَّن التقرير من اثنتين وستين صفحة وعنوانه "هل من ملاذ؟ : إساءات إسبانيا والمغرب بحقّ الأطفال المهاجرين بمفردهم ،" وهو يوثِّق الإساءات واسعة النطاق التي يتعرَّض لها الأطفال المغاربة الذين يرتحلون بمفردهم للمدينتين الإسبانيتين سبتة ومليلة الواقعتين على ساحل شمال أفريقيا. أجرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان العشرات من المقابلات مع أطفال مهاجرين حالياً ومع أشخاص كانوا مهاجرين في طفولتهم، وذلك خلال تحقيق استغرق خمسة أسابيع. وكان العديد من الأطفال قد رُحِّلوا لمرات متعددة.
وقالت كلاريسا بِنكومو، وهي باحثة في قسم حقوق الطفل في منظمة مراقبة حقوق الإنسان

    "لا أحد يرعى هؤلاء الأطفال، إذ ينتهك المسؤولون الإسبانيون الحقوق الإنسانية لهؤلاء الأطفال سعياً منهم إلى ردِّهم إلى المغرب، كما يقوم المسؤولون المغاربة بمعاقبتهم بسبب قيامهم بالرحيل."

تتميَّز الظروف المعيشية في اثنين من المراكز السكنية الإسبانية بدرجة خاصّة من السوء، وهذان المركزان هما مركز سان أنطونيو في سبتة، ومركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة، حيث المَرافق دون المستوى المقبول، والازدحام شديد وليس فيهما مكان للترفيه أو نشاطات لعب في أوقات الفراغ. اتفَقَت شهادات الأطفال الذين أجرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات معهم بأن الموظفين في تلك المراكز كثيراً ما يضربونهم ويهددونهم، كما يستخدم الموظفون في مركز سان أنطونيو "زنزانة عقاب" احتجزوا فيها أطفالاً لفترات وصلت إلى أسبوع، ولا تحتوي هذه الزنزانة على فراش ملائم، وأحياناً لا يتمكَّن الأطفال المحتجزون فيها من استخدام الحمّام. وروى الأطفال الأصغر سناً أو حجماً عن تعرُّضهم للاعتداء أو السرقة من قبل الأطفال الأكبر سناً أو حجماً في تلك المراكز وذلك على مرأى من الموظفين الذين يمتنعون عن التدخُّل.
وقالت بِنكومو

    "أخبَرَنا الأطفال بأنهم عندما كانوا يعيشون في الشوارع شعروا بأمان أكبر من ذاك الذي يشعرون به في المراكز السكنية المزدحمة والخطرة التي توفرها إسبانيا لرعايتهم."

وتتهم منظمة مراقبة حقوق الإنسان إسبانيا بأنها حرمت الأغلبية العظمى من الأطفال المهاجرين بمفردهم في سبتة والعديد من الأطفال في مليلة من التعليم، كما تتهم الموظفين في العيادة الطبية العامة وفي المركز السكني في سبتة بأنهم يحرمون الأطفال المرضى والمصابين من العناية الطبية وبشكل تعسُّفي.
إن القانون الإسباني يضمن للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية وعلى قدم المساواة مع الأطفال الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والعناية الصحيَّة والحق في الحصول على الإقامة القانونية المؤقتة والحماية من الإعادة إلى الوطن إذا كان هذا الإجراء يعرِّض الطفل للخطر. يقوم المسؤولون المحليون في سبتة ومليلة وباستمرار بتجاهُل القانون، ويحرمون الأطفال تعسُّفاً من الرعاية والحماية. وأقرَّ المسؤولون في الحكومة المركزية بإنهم لا يراقبون المعاملة التي يتلقاها الأطفال بانتظام، وبإنهم لا يرفعون حالات الإيذاء الشديد إلى المحكمة. وفي حالات عديدة حقَّقت منظمة مراقبة حقوق الإنسان بشأنها، كانت الجهات المُكلَّفة بحماية الأطفال - الشرطة ودائرة الرفاه الاجتماعي- هي مصدر الإساءات.
وتقول بِنكومو،

    "تقول الحكومة الإسبانية بإنها تهتم بحقوق الأطفال، ولكنَّها لا تفعل إلاَّ القليل، هذا إذا فعلت أي شيء، من أجل فرض تنفيذ قوانينها، وكلما سألْنا المسؤولين الحكوميين عمَّا يفعلونه لحماية الأطفال، يدَّعون دائماً بأن ذلك هو مسؤولية جهة أُخرى."

تُرحِّل إسبانيا الأطفال من سبتة ومليلة عبر تسليمهم للشرطة المغربية التي بدورها تقوم بضربهم وإساءة معاملتهم، وبعد ذلك تقوم الشرطة المغربية بإطلاق سراح الأطفال إلى شوارع غريبة عنهم، وكثيراً ما يحدث هذا في وقت متأخِّر من الليل، حتى أنَّ أطفالاً في سن صغيرة جداً تُركوا كي يعيلوا أنفسهم، لأَن المغرب تفتقر للتدابير الملائمة لحماية الأطفال الذين يعيشون خارج بيئتهم العائلية، ومن المعتاد أَلاَّ تتدخَّل السلطات المغربية إلاَّ عندما يُشتبه بأن الطفل قد ارتكب إثماً إجرامياً خطيراً، وكذلك فإن العناية في العديد من مراكز احتجاز الأطفال المغربية غير كافية على الإطلاق، وليس للقُضاة إلاَّ القليل من البدائل عن تلك المرافق في حالة عدم تيسُّر إعادة الطفل آمناً إلى عائلته.

دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة إسبانيا للتأكُّد من تزويد الأطفال المهاجرين بمفردهم بالسكن والتعليم والعناية الطبيَّة الطارئة والأنواع الأُخرى من العناية الطبيَّة، وكذلك بوثائق إقامة مؤقَّتة قانونية، وذلك بحسب القانون الإسباني. وعلى المراكز السكنية للأطفال المنفردين أن تفي بالمعايير الأساسية للصحَّة والسلامة وأن توفِّر للأطفال الرعاية والحماية الضروريتين لمصلحة الطفل. على إسبانيا أَلاَّ تعيد أو تُرحِّل الأطفال إلاَّ إذا تحققت الحكومة من أن الأطفال سيعادوا إمّا إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعاية الطفل وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية ملائمة في البلد الأصلي للطفل، والتحقُّق من أن عودة الطفل لا تعرِّض سلامته أو سلامة أقربائه للخطر أو المجازفة.
كما دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان حكومة المغرب لأَن تُيسِّر عودة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى المغرب عندما يكون ذلك في الصالح الأفضل للطفل، ولأَن توفِّر المصادر اللازمة للعناية بهم ولحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة رفاه اجتماعي لاستقبال الأطفال المهاجرين بمفردهم مِمَّن أُعيدوا من إسبانيا، ومن ثمَّ إرجاعهم إلى عائلاتهم حينما يكون ذلك ملائماً. على المغرب حماية الأطفال المهاجرين بمفردهم مِمَّن أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة.

ودعت المنظمة أيضاً كلا الحكومتين للعمل معاً للتأكُّد من أَنَّ الأطفال يعادوا من إسبانيا إلى المغرب فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعايتهم وقادرين على ذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية ملائمة.

    "يجب أَلاَّ تكون الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية هما الجهتين المسؤولتين عن إعادة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى أوطانهم."

    شهادات لأطفال مهاجرين بمفردهم في سبتة ومليلة

    (وضعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان أسماء مستعارة لجميع الأطفال المذكورين في هذا التقرير حفاظاً على خُصوصياتهم.)

 إساءات الشرطة الاسبانية والمغربية

    كنت في الميناء وأنوي العبور إلى إسبانيا، شاهدني شرطي [إسباني] وحاول الإمساك بي لكنني أفلتُّ منه ثلاث مرات، ثم قبضَت عليَّ الشرطة. كانوا ستة، ووضعوني في سيارة، [وفي السيارة] أخذوا بضربي على ذراعيَّ وساقيَّ وعلى رأسي، ثم أخذني شرطي آخر إلى مركز الشرطة، وهناك راح يضربني بهراوة (porra) وبقدميه، كانوا غاضبين بشدّة ومهتاجين، ثم أخذوني إلى مركز الحرس المدني وكنت أصرخ من الألم، وهناك سألوني إذا ما كنت قد سقطت، ولكني كنت خائفاً بسبب وجود رجال الشرطة الآخرين، بعد ذلك أمعنَ الحارس المدني بضربي ثم وضعني في غرفة لمدة ثلاث ساعات، وبعد ذلك اصطحبني إلى مركز سان أنطونيو. شهاب ر.، خمسة عشر عاماً، يصف الضرب الذي تعرَّض له في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 على يد الشرطة الإسبانية، مما تسبب بكسر يده اليسرى. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    قادونا إلى الحدود منفصلين، كنت مع طفل آخر عمره عشرة سنوات، وكان يريد القفز من السيارة ولكنّي لم أدَعَه يفعل. لم يكونوا قد أخبرونا عن سبب ذهابنا، وفقط عندما اقتربنا من الحدود قال الشرطي [الإسباني]، "ستذهبون إلى عائلاتكم." وكان في السيارة التي تقلّنا اثنان من أفراد الشرطة السرية بالإضافة إلى الرجل الآخر، لم يقوموا بإيذائي ولكنهم أذوا الطفل الصغير لأنه أراد الخروج من السيارة، كانوا يصفعونه ويلوون ذراعه ويشدّون قبضاتهم على عنقه وكأنهم يقومون بخنقه. ...

    وفي مركز الشرطة [المغربي] قام أحد أفراد الشرطة [المغربية] بالدوس على أصابع أقدامنا بحذائه العسكري؛ وكنّا ننتعل صنادلاً، وسأَلَنا الشرطي عن المنطقة التي أتينا منها وكيف وصلنا إلى مليلة وأشياء أُخرى، ثم أُودِعنا في غرفة مخزن كان فيها بيرة ونبيذ، وكان أفراد الشرطة موجودين في الغرفة طوال الوقت ولم يقوموا بإيذائنا مرّة أُخرى إلاَّ في النهاية عندما أطلقوا سراحنا، وحينها ضربونا بعصا طويلة أو هراوة مكهربة بفولتية عالية، ضربونا كلنا على مواضع متفرِّقة من أجسادنا، ولكن الطفل الأكبر سناً بيننا حاول حماية الآخرين. كانت جميع الأبواب مقفلة ولم نتمكَّن من الخروج، وكان هناك ما يزيد عن عشرة من أفراد الشرطة في غرفة المخزن الكبيرة تلك، وحوصِرنا جميعاً في جهة من الغرفة حيث أخذ اثنان من أفراد الشرطة بضربنا، وكان الآخرون يضحكون ويكيلون لنا الإهانات، واستمر ذلك لمدة خمس دقائق. تعرَّض الطفل الأكبر سناً لأذى كبير - في ساقيه وظهره وذراعيه- وظهرت على جسده كدمات كثيرة، وكان هو أول من أُطلق سراحه، وبعد ذلك أُطلق سراحي أنا ومن ثم البقية، وعند إطلاق سراحنا انتظرنا في الخارج حتى أُطلق سراح الآخرين. أيمن م.، ستة عشر عاماً، يصف عملية الترحيل الجائر التي تعرَّض لها في شهر تموز (يوليو) 2001، وكان قد عاش في مليلة منذ كان عمره ثمانية سنوات، وعند ترحيله الجائر كان يعيش في مركز سكني وكان لديه وثائق إقامة مؤقتة.

    في المغرب، تقوم الشرطة بتفتيشك، وإذا كان معك أي شيء، مثل سكين أو أي شيء آخر، فأنهم يأخذونه وبعد ذلك يضربونك بهراوة. ... ويستخدمون للضرب أيضاً حبلاً من الأسلاك الكهربائية، هناك شرطي في المغرب يفعل ذلك. - عبد الهادي س.، أربعة عشر عاماً، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وشاهد باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان ندوباً على ظهره قال أنها من جرّاء استخدام الشرطة لحبل من الأسلاك الكهربائية في ضربه.

    الإساءات في المراكز السكنية

    يوم الأحد الماضي تعرّضْت للضرب ورُكلت على ربْلَتَيّ ساقيَّ من قبل حارس سمين وآخر نحيف، أحدهم ركلني على ساقيَّ حتى أوقعني أرضاً والآخر أمسكني من قميصي وأخذ بصفعي. ... وهم من المُربّين [في المركز السكني]. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف العقوبة التي تعرَّض لها بسبب شجار جرى بينه وبين طفل آخر في مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001.

    في إحدى المرات قمنا بالهرب، كُنّا ثلاثة، وذلك بأن أخذ أحد الأطفال قطعة معدنية واستعملها لكسر القفل [في غرفة العقاب]، أمسَكَنا أحد الأطفال الكبار وقام بضربنا، ثم أخذونا وأودعونا في غرفة أُخرى وأقفلوا الباب، وبعد ذلك جاء [أحد المربّين] وقام بضربنا بهراوة كالتي تستخدمها الشرطة، وقد ضربني على رأسي وعلى وجهي وعلى فخذيَّ. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    بسبب طفل صغير واحد لم يكن أحد مِنّا يعرفه، أُجبرنا جميعاً على الخروج إلى العراء في البرد ودون بطانيات، وفي النهاية سمحوا لنا بالدخول واحداً إثر الآخر، أو في مجموعات صغيرة من ثلاثة أو أربعة أشخاص، وسُمح لي بالدخول في حوالي الساعة الواحدة صباحاً، ولا أدري حتى متى بقي الآخرون خارجاً. - صلاح س.، أربعة عشر عاماً، يصف كيف قام الموظفون في مركز Pur?sima Concepci?n Fort السكني بمعاقبة جميع الأطفال إثر قيام طفل صغير بسرقة مُلاءة سرير في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. مليلة، 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    أحياناً تمسك بي الشرطة وتعيدني إلى سان أنطونيو [المركز السكني]، ولكني أهرب من جديد، فأنا لا أبقى لفترة طويلة أبداً، لأن الأطفال الأكبر سنّاً يقومون بضرب الآخرين ويسرقون أحذيتهم. ... ولا يفعل المسؤولون في المركز أي شيء عندما يشاهدون الأطفال الأكبر سنّاً يضربون الأطفال الأصغر سناً. ... وإذا كان لديك نقود فإن الأطفال الأكبر سنّاً يأخذونها منك ويضربونك في سان أنطونيو. - لُطفي م.، إثني عشر عاماً. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    الجيدون [من موظفي المركز السكني]، يحاولون إجراء تحقيق عندما تخبرهم بأنَّ الآخرين [الشباب الأكبر سنّاً] يقومون بضربك، أمّا السيئين فإنهم يرفضون فعل أي شيء، ويقولون لك "قاوم من يهاجمك،" أو "عليك الدفاع عن نفسك بكل ما تستطيع." - عباس أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو في سبتة. 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    إنها مكان سيّء جداً، الفرشات ممزقة، والجميع يشعر بالازدحام الشديد بداخلها، ولا تحصل فيها على طعام كافٍ، إنّها سيئة جداً، كُنّا ثمانية في الزنزانة ولا يمكن لنا المغادرة، وإذا أردت استخدام الحمّام فعليك فعل ذلك في موضع على أرض الغرفة أو في دلو. - وفيق ح.، ثلاثة عشر عاماً، يصف "زنزانة العقاب" في مركز سان أنطونيو، حيث أمضى ثلاثة أيام في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001. ولا يقوم موظفوا المركز السكني بمراقبة الغرفة عن قرب، ونتيجة لذلك تكون الخسارة من نصيب الأطفال الأصغر سنّاً أو حجماً عندما يكون هناك نقص في الطعام أو الفراش. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    عندما وصلت إلى هناك للمرة الأولى، كنت أنام على الأرض واضعاً ملاءتين تحتي ومُلاءة أُخرى كغطاء، وبعد حوالي خمسة عشر يوماً تخلَّى لي ولد عن مكانه إذ ذهب للنوم مع الأطفال الأكبر سنّاً ممّن يبلغون من العمر خمسة عشر وستة عشر عاماً. كان في الغرفة التي كنت فيها حوالي إثني عشر طفلاً، ومن ضمنهم الأربعة الذين ينامون على الأرض. - وفيق ح., ثلاثة عشر عاماً، يصف إحدى إقاماته في مركز سان أنطونيو في شهر أيلول (سبتمبر) 2001. وقد قدّر بأنه "كان هناك مئة طفل، قد يزيدون أو يقلّون قليلاً،" في مكان مصمَّم لإيواء أقل من نصف هذا العدد. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    أولئك الذين مرَّ على وجودهم فترة طويلة [في مركز سان أنطونيو] لهم أَسِرَّة خاصَّة بهم، ونحن لدينا مُلاءة، ولا شيء غير ذلك، وهي مُلاءة رقيقة جداً، وليس بوسعنا إلاَّ أن ننام على الأرض دون فرشة أو أي شيء. -شوقي م.، خمسة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. وقال الأطفال إنّه وباستثناء الأطفال الذين مرَّ على وجودهم في المركز وقت طويل، فإن عليهم تبادُل دور استخدام الأَسِرَّة في كل ليلة، وكثيراً ما ينامون على الأرض مستخدمين مُلاءات قذرة فقط كانت قد استُخدِمت من قبل أطفال آخرين.

    عادةً ما أعاني من الألم عندما يكون الجو بارداً، أو عندما يقوم أحد ما بضربي، حاولت الذهاب إلى المستشفى عندما كنت أتألَّم ولكنهم رفضوا إدخالي، كما أنهم يرفضون إدخال أي شخص إلاَّ إذا كان يرافقه أحد من موظفي مركز سان أنطونيو. عندما يأتيني الألم لا أستطيع الحراك، وهكذا فمن سيأتي لنقلي إلى المستشفى؟ -عبد الصمد، ستة عشر عاماً. سبتة، 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001. ويعاني عبد الصمد من مرض بالكلى من الممكن أن يعرِّض حياته للخطر، ولكنه حُرم من العناية الطبية بعد أن أُخبِر بأن عليه مغادرة مركز سان أنطونيو في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2001 بعد أن عاش هناك مدة سنتين ونصف، وكان موظفوا المركز السكني قد رفضوا مرافقته إلى المستشفى، كما رفض موظفوا المستشفى علاجه دون حضور موظف من المركز السكني. وفي النهاية أُجريت له عملية جراحية يحتاجها بعد أن تدخَّل fiscal لشؤون القاصرين (fiscal :موظف يتبع لوزارة تحمل نفس الاسم وتجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية, تشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع) وأصدر أمراً بإدخاله إلى المستشفى. وبعد ذلك لم يتمكَّن من الدخول مجدداً إلى مركز سان أنطونيو لقضاء فترة نقاهة إلاَّ بعد أن أصدر fiscal شؤون القاصرين أمراً ثانياً لضمان إدخاله.

    كنت أريد الذهاب إلى المدرسة لكي أتعلم اللغة الإسبانية، ولكنهم لم يدعوني أفعل ذلك. هناك أطفال آخرون ذهبوا ولكن أنا لم أستطع ذلك. ذهبت إلى المدير لأطلب منه الذهاب إلى المدرسة، ولكن ذلك لم يغيِّر شيئاً. ... أحياناً نقوم بالرسم، وهذا كل ما هنالك. الأطفال الأكبر سنّاً فقط يذهبون إلى المدرسة. -سليمان س.، أربعة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

    لا أحد يفعل شيئاً، ليس هناك حتى فرصة للتعلُّم، ليس هناك أي دراسة أو تدريب مهني. يبدأ الإفطار في الساعة التاسعة، بعد ذلك ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة الغذاء في الساعة الواحدة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، نتناول وجبة merienda [وجبة خفيفة وقت حلول المساء] في الساعة السادسة أو السادسة والنصف وأحياناً في الساعة السابعة، ننظف قليلاً ثم لا نفعل أي شيء، وجبة العشاء في الساعة العاشرة، ننظف ثم لا نفعل أي شيء. - منيب أ.، ستة عشر عاماً، يصف الأوضاع في مركز سان أنطونيو. سبتة، 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.



مأوى من الكرتون والقمامة بداخل حواجز الامواج الصخرية, بميناء سبتة
اتخذها الأطفال مأوى لهم بعد أن رفضوا البقاء في مركز سان انطونيو
حيث تعرضوا لسوء المعاملة من الموظفين والاطفال الاكبر سناً

 مركزأيواء في سبتة

مركز أيواء في سبتة

خُلاصة التقرير

كل عام، يدخل الى إسبانيا آلاف الاطفال المغاربة وحدهم ودون وثائق السفر المطلوبة، وبعضهم لا يبلغ من العمر إلاَّ عشرة سنوات، ويخاطرون بحياتهم إذ يتسللون عبر مراكز الحدود والمرافيء المغربية والإسبانية ساعين لتحقيق أحلامهم بحياة أفضل، بعضهم يفرّ من العنف العائلي وبعضهم من الفقر ومن قلة فرص التعليم والعمل في وطنهم، وفي الكثير من الحالات يلاقون العنف والتمييز وحياة مليئة بالمخاطر في شوارع مدن غريبة عنهم. وعندما يُقبض عليهم في إسبانيا، قد يتعرضون للضرب على يد الشرطة، وبعد ذلك يوضعون في مراكز سكن مزدحمة وغير صحيّة، كما انه لا يُسمح لبعضهم وبطريقة اعتباطية الانضمام الى المراكز السكنية، وكثيراً ما تحرمهم المراكز السكنية من الإعانات التعليمية والصحيّة التي يكفلها لهم القانون الإسباني، وعلاوة على ذلك قد يتعرَّض هؤلاء الأطفال لإساءات من قبل أطفال آخرين أو من قبل الموظفين الموكلين بالعناية بهم. وإذا كانوا سيئي الطالع يُرحَّلون الى المغرب حيث يتعرَّض الكثير منهم للضرب على يد الشرطة المغربية، وفي النهاية يُطلَق سراحهم كي يُعيلوا أنفسهم.

كل هذا يحدث في بلدين تعهّدا بتوفير الحقوق والضمانات المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، لكل الأطفال الخاضعين لولايتهما.

في حالة إسبانيا، قُنِّنَ هذا التعهّد في تشريع يضمن للأطفال الأجانب المنفردين الرعاية والحماية، وعلى قدم المساواة مع الأطفال الإسبانيين، بما في ذلك الحق بالتعليم والرعاية الصحيّة والإقامة القانونية المؤقَّتة، والحماية من إعادتهم إلى وطنهم إذا كان هذا الإجراء يُعرِّضَهم أو يُعرِّض عائلاتهم للخطر، لكن الحكومة الإسبانية تهاونت في ضمان تنفيذ تلك الفقرات من القانون بشكل منتظم، كما أنَّ السلطات الإسبانية الإقليمية تنفِّذ القانون بشكل انتقائي، أو أنها تتجاهل القانون تماماً ولا تخضع للمُساءلة.

أمّا ما يتعلَّق بالحكومة المغربية، فإنها لا تراقب أوضاع الأطفال المغاربة الموجودين في إسبانيا، ولا تُيسِّر إعادتهم من إسبانيا عندما يكون ذلك في صالح الطفل، كما أنها لا تضمن الحماية والرعاية للأطفال المهاجرين بمفردهم في حال عودتهم الى المغرب.
تتفاوت أوضاع الأطفال المهاجرين بمفردهم بين مناطق إسبانيا المختلفة، ويتوقَّف ذلك على الفروق في أعداد الأطفال بين المدن، وعلى استعداد الإدارات المحليّة والإقليميّة لتطبيق القانون، وعلى مدى تواجد المنظمات غير الحكومية العاملة على الدفاع عن الأطفال المنفردين. ويتفق المسؤولون الحكوميون وممثلوا المنظمات غير الحكومية، على أنَّ أوضاع هؤلاء الأطفال قاسية بصورة خاصّة في مدينتي سبتة ومليلة المتمتعتين بالحكم الذاتي، وهما مدينتان إسبانيتان واقعتان على ساحل شمال أفريقيا.

قامت مجموعة من الباحثين من منظمة مراقبة حقوق الإنسان بزيارات مُتتالية إلى إسبانيا والمغرب في أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، لتقصّي الطريقة التي يُعامَل بها الأطفال في سبتة ومليلة، ووجَدَت المجموعة نمطاً ثابتاً من الإساءات من قبل الشرطة في كلتا المدينتين، ففي مليلة يتعرَّض الأطفال المنفردون للضرب بالأيدي والهراوات وللرفس من قبل الشرطة الإسبانية، وذلك أثناء الترحيل القسري لهؤلاء الأطفال إلى المغرب، وعند وصولهم إلى المغرب يُحتَجزون في ظروف غير آمنة ومن ثم تطلقهم الشرطة المغربية التي استلمتهم عند الحدود إلى الشوارع. أمَّا في سبتة فيتعرضون لحالات أقل من الترحيل القسري، ولكنهم يظلّون مُعرَّضين لحالات من الضرب الوحشي إذا حاولوا الفرار أثناء سعي الشرطة الإسبانية للقبض عليهم، وفي كلتا المدينتين لا يتمكَّن بعض الأطفال من الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة المكفولة لهم بالقانون، وذلك لأَنَّ مديرية الرفاه الإجتماعي، الوصي القانوني عليهم، لا تتقدم بطلب رسمي من أجل هذا الغرض، وفي حالة الحصول على الإقامة القانونية المؤقَّتة ومرور عامين على ذلك، يصبح الأطفال مؤهَّلين للتقدم بطلب الحصول على الجنسيّة الإسبانية، ومن دون الإقامة المؤقتة يصبحون عرضة للترحيل إلى المغرب عند بلوغهم سن الثمانية عشر.
أمّا المراكز السكنية للأطفال المنفردين والتابعة لدائرة الرفاه الاجتماعي في مدينتي سبتة ومليلة، فهي تزدحم بشدّة مما يقلل من مستوى العناية التي تقدِّمها تلك المراكز، ويزيد من مخاطر تعرُّض الأطفال لسوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل أطفال آخرين، والمركزان الأكثر سوءاً هما مركز Pur?sima Concepci?n Fort في مليلة ومركز سان أنطونيو في سبتة، وهما مبنيان قديمان ما زالا في مرحلة الترميم بغية استخدامهما للعناية بالأطفال. المبنى الأول كان أصلاً حصناً عسكرياً، ومبنى سان أنطونيو كذلك كان مقراً عسكرياً، أُعِدَّ مركز سان أنطونيو في البداية لاستقبال حوالي ثلاثين طفلاً ولكنه الآن يستوعب وعلى الدوام مئة طفل أو أكثر، وينام بعض الأطفال على الأرضيات أو على الطاولات، كما يشترك الأطفال بحمّام واحد ويشتكون من قذارة الفراش والأغطية ومن رداءة الملابس وعدم كفايتها، ويشتكون كذلك من الوجبات التي قالوا أنها كثيراً ما تحتوي على لحم الخنْزير، وهذا بدوره أمر غير ملائم لكثير من الأطفال لأسباب دينية، ولا تتوفر في أي من المبنيين مرافق ترفيهية للمقيمين فيهما. يُسمح للأطفال في مركز Pur?sima Concepci?n Fort بالتجول في المدينة دون رقابة أثناء النهار، أمَّا الأطفال في مركز سان أنطونيو، فقد تحدَّثوا عن تقييدات أكبر لحركتهم وعن تعرُّضهم للعقاب فيما إذا قاموا بالفرار، وهم يواجهون مللاً شديداً في ذلك المبنى الصغير.

لا توفِّر أي من سبتة أو مليلة عناية صحيّة وقائية منتظمة للأطفال المنفردين، وكثيراً ما تحرمان الأطفال تعسُّفاً من العناية الصحيّة في حالة تعرُّضهم لمشاكل صحيّة أكثر خطورة، رغم أنهم مؤهلون لتلقّي العناية الصحيّة وفقاً للقانون الإسباني، وهذا أمر يبرز بشكل خاص في سبتة، حيث لم تُصرَف للأطفال البطاقة الصحيّة التي تصدرها الحكومة (Tarjeta Sanitaria) رغم أهليتهم لاستلامها، ومن المعتاد أن ترفض مراكز الخدمات الطبية والمدعومة من الحكومة تقديم العناية الصحيّة للأطفال الذين لا يحملون البطاقة الصحيّة، أو إذا لم يصحبهم موظف من المراكز السكنية.
الأغلبيّة العظمى من الأطفال المهاجرين بمفردهم في سبتة والكثير من الأطفال في مليلة لا يتلقون العلم في المدارس، بالرغم من أنهم تحت رعاية الحكومة - علماً بأن القانون الإسباني يوفر تعليماً إلزامياً لجميع الأطفال ما بين سن ست سنوات وست عشرة سنة، ونادراً ما تدمجهم الحكومة بالمدارس الإسبانية وبدلاً من ذلك فإنها تعتمد على موظفي المراكز السكنية في توفير تعليم أوَّلي، ولكن المراكز السكنية كثيراً ما تحرم الأطفال اعتباطياً حتى من هذا المستوى من التعليم، أمَّا الأطفال الذين يزيد عمرهم عن ستة عشر عاما،ً فكثيراً ما يُحرَمون من الانتفاع من التعليم المهني لامتناع دائرة الرفاه الاجتماعي عن تقديم الطلبات للحصول على وثائق العمل الضروريّة.
يتعرَّض الأطفال المنفردون الذين يعيشون في المراكز السكنية للابتزاز والسرقة والعنف الجسدي من قبل الشباب الأكبر سناً أو حجماً في المراكز، ونادراً ما يتدخَّل موظفوا المراكز لحماية الأطفال حتى عندما يشهدون الهجمات، كما ينخرط الموظفون في ممارسات من الإساءة من أجل الضبط، بما في ذلك الضرب والعقاب الجماعي والتهديد بالترحيل، وفي سبتة يقوم الموظفون في مركز سان أنطونيو بوضع الأطفال في "غرفة عقاب" صغيرة ومعتمة وقذرة، وتخلو إلاَّ من بعض الفرشات ولا يوجد فيها حمّام، وقد أخبَرَنا بعض الأطفال أنهم أمضوا في تلك الغرفة ما يصل الى أسبوع لارتكابهم مخالفات كان منها التدخين والخروج من غير إذن أو الهروب، وذكر الأطفال في كلتا المدينتين أنَّ السبب الأساسي لهروبهم من المراكز السكنية هو سوء المعاملة من قبل الموظفين أو من قبل الأطفال الآخرين.
تقوم الشرطة الإسبانية وبشكل دوري بعمليات ترحيل جائرة للأطفال المنفردين الى المغرب، وذلك في خرق لفقرات من القانون الإسباني تقضي بإعادة الأطفال إلى أهلهم فقط أو إلى وكالات الرفاه الإجتماعي المعنيَّة في البلد الأصلي للطفل، على أَلاَّ يتسبب ذلك بتعريضهم أو تعريض أهلهم للخطر. أوردت جمعيّة حقوق الطفل (ARC)، وهي منظّمة لحقوق الإنسان مركزها في مليلة، أن ما لا يقل عن سبعين عمليّة ترحيل قد جرت ما بين شهري تموز (يوليو) 2001 وشباط (فبراير) 2002. وقد ذكر الأطفال الذين قابلناهم بأن أفراد الشرطة الإسبانية قاموا بصفعهم وضربهم وتهديدهم قبل تسليمهم للشرطة المغربية، التي هي بدورها تسيء معاملتهم.
تتهاون إسبانيا في تقديم الحماية والرعاية لهؤلاء الأطفال، وليس هناك أي وكالة حكومية إسبانية تنهض بالمسؤوليّة الفعليّة لضمان تلقّي الأطفال المنفردين في سبتة ومليلة للرعاية والحماية، ولا توجد أية آليّة فاعلة لتمكين الأطفال من تقديم شكاوي أو لممارسة حقّهم في إسماع صوتهم في كافّة العمليات القانونيّة المتعلّقة بهم، وينيط مسؤولوا الحكومة المركزيّة أمر مراقبة الأوضاع والتحقُّق من حالات الإساءة إلى السلطات المحليّة، وهذه بدورها تدّعي بأنها لا تَحْتَكِم إلى الوسائل الضروريّة للقيام بهذه المهمة، وتعتمد على المراكز السكنية وعلى الشرطة من أجل الإبلاغ عن هذه الحالات.

تتهاون السلطات المغربية كذلك في توفير الرعاية والحماية اللازمين للأطفال المهاجرين بمفردهم، وبالرغم من وجود عدد كبير من الأطفال المنفردين في المدن الواقعة على الموانيء وفي البلدات الحدودية المغربية، غير أن الحكومة لم تفعل سوى القليل لضمان تزويدهم بالرعاية وإعادة التأهيل، وفي أكثر الحالات لا تقوم الحكومة بتوفير الملاذ إلاَّ للأطفال المُدانين بارتكاب جرائم، إذ تودعهم في مراكز اعتقال للقاصرين. كثيراً ما يتعرَّض الأطفال المُرحَّلون من سبتة ومليلة إلى المغرب للضرب والابتزاز والاعتقال في ظروف غير آمنة على يد الشرطة المغربية، وفي المغرب من المعتاد أن يُحتَجَز الأطفال مع البالغين في مراكز الشرطة لمدة ساعات دون إمكانيّة الحصول على طعام أو ماء أو إمكانيّة استخدام الحمّام، وكثيراً ما يقوم أفراد الشرطة المغربية بضرب الأطفال، ويقومون أحياناً بسرقة نقودهم أو ممتلكاتهم قبل إطلاق سراحهم، وكان واحد فقط من الأطفال المرحَّلين من سبتة ومليلة من الذين قابلناهم قد أخبَرَنا بأن الشرطة المغربية قد أعادته لرعاية أفراد من أسرته، وفي سائر الحالات التي حقّقنا بأمرها، قال الأطفال إنه بعد حجزهم لمدة يوم أو أكثر أخبرتهم الشرطة ببساطة أنّ عليهم مغادرة مركز الشرطة، وأحياناً يكون ذلك في منتصف الليل، وبعد ذلك يعود الأطفال أدراجهم الى إسبانيا، وهذه العمليّة قد تستغرق عدة ساعات أو عدة أيام منذ اللحظة التي يخطون فيها الخطوة الأولى عائدين إلى الحدود، ومن ثمَّ يحاولون من جديد مراوغة الشرطة المغربية والشرطة الإسبانية التي تحرس المعابر الحدوديّة.

التوصيات الأساسيّة

· على الحكومة الإسبانية العمل على التنسيق بين وزارة التربية والثقافة والرياضة، و Ministerio Fiscal Ministerio Fiscal): وزارة تجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية تشبه، النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع) ووزارة الصحّة وشؤون المستهلكين، ووزارة الداخليّة، ودوائر الرفاه الاجتماعي في المدن المتمتّعة بالحكم الذاتي، وقوّات الأمن، وذلك لضمان توفُّر السكن والتعليم والعناية الطبيّة الطارئة والخدمات الطبية الأُخرى ووثائق الإقامة المؤقَّتة للأطفال المهاجرين بمفردهم، وفقاً للقانون الإسباني.
· على حكومتي إسبانيا والمغرب التنسيق بينهما لضمان إعادة الأطفال من إسبانيا إلى المغرب، فقط عندما يكونوا عائدين إلى أفراد من أُسَرِهم راغبين في رعايتهم وقادرين على ذلك، أو الى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة. ولا يجب بأي حال من الأحوال، إلقاء المسؤولية على عاتق الشرطة الإسبانية والشرطة المغربية للقيام بإعادة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى وطنهم.

· على مفوَّضي الحكومة الإسبانية في سبتة ومليلة التأكّد من عدم ترحيل أو إعادة أي طفل من إسبانيا، إلاَّ إذا تحقَّق المفوَّضون من أن الطفل سيعاد إمَّا الى فرد من الأُسرة راغب في رعاية الطفل وقادر علىذلك، أو إلى وكالة خدمات اجتماعية مُلائمة في البلد الأصلي للطفل، وعلى المفوَّضين أن يتحقَّقوا أيضاً من أن عودة الطفل لن تشكِّل خطراً أو مجازفة لسلامة الطفل أو سلامة أقربائه، وذلك قبل الشروع بإجراءات الإعادة إلى الوطن. · على الحكومة المغربية تيسير عودة الأطفال المهاجرين بمفردهم إلى المغرب عندما يكون ذلك في مصلحة الطفل الفُضلى، وعليها أيضاً أن توفِّر الموارد اللازمة لرعايتهم وحمايتهم، بما في ذلك تخصيص وكالة خدمات اجتماعية لاستقبال الأطفال المهاجرين بمفردهم العائدين من إسبانيا، وتسليمهم لأُسَرِهم حينما يكون ذلك ملائماً. · على الحكومة المغربية اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الأطفال المهاجرين بمفردهم، والذين أُعيدوا إلى المغرب من إسبانيا، من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة ومن الإساءات الأُخرى على يد الشرطة. · على مدينتي سبتة ومليلة المتمتعتين بالحكم الذاتي توفير الشروط الأساسية للصحّة والسلامة في المراكز السكنية للأطفال المنفردين، وتوفير الحماية والرعاية الضروريتين لرفاهيتهم.

مجال البحث ومنهجه
هذا التقرير هو نتيجة حلقة من سلسلة تحقيقات تجريها منظمة مراقبة حقوق الإنسان بشأن معاملة المهاجرين في غرب أوروبا. يستند التقرير إلى بحث ميداني في إسبانيا والمغرب، استغرق إجراؤه خمسة أسابيع توزَّعت على أشهر تموز (يوليو) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، وقد أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات مع أطفال مهاجرين بمفردهم ومع مسؤولين حكوميين، ومع ممثلين لمنظمات غير حكومية ومع ناشطين محليين في كل من سبتة ومليلة ومدريد في إسبانيا، وناشطين من طنجة والرباط والدار البيضاء في المغرب، كما أننا قمنا بمراجعة مجموعة كبيرة من الوثائق الرسمية المتعلِّقة بقضايا فردية لبعض الأطفال، وبشكاوي تَزعُم بتعرُّض الأطفال للإساءات على يد شرطة سبتة.
امتنع المسؤولون الإسبانيون من السماح لنا بالوصول إلى المراكز السكنية في سبتة ومليلة حيث يقيم الأطفال المهاجرون بمفردهم، وبالرغم من ذلك قمنا بتفحُّص كل المراكز في سبتة ومليلة من الخارج، وتمكّنا بمعونة من ممثلين لمنظمات غير حكومية ونُشطاء آخرين من التعرُّف على أطفال مهاجرين بمفردهم في كلتا المدينتين ومن مقابلتهم، وفي كل الحالات تقريباً جرت المقابلات باللغة العربية أو اللغة الإسبانية من قبل باحثين يتقنون اللغتين، وبالإضافة إلى ذلك أُجريت بعض المقابلات بمساعدة مترجم يتقن اللهجة المحلية للغة البربرية.

أجرى باحثوا منظمة مراقبة حقوق الإنسان مقابلات مع خمسة وثلاثين طفلاً مهاجراً بمفرده، كانت ثلاث وعشرون منها في سبتة، وعشرة في مليلة واثنتان في طنجة. ارتحل أكثر الأطفال إلى سبتة ومليلة من قرى وبلدات قريبة، ولكن بعضهم أتى من أماكن بعيدة مثل أغادير وسلا وفاس، وكان جميع الأطفال الذين قابلناهم من مواليد المغرب ما عدا طفل واحد جزائري.
تراوحت أعمار الأطفال الذين قابلناهم ما بين سن الثانية عشر عاماً والسابعة عشر عاما،ً وقابلنا كذلك مهاجراً يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً عاش في مليلة منذ كان عمره أحدَ عشر عاماً. أعرب اثنان وثلاثون طفلاً إن أعمارهم تبلغ ستة عشر عاماً أو أقل، وأربعة عشر منهم يبلغون من العمر أربعة عشر عاماً أو أقل، وهناك بنتان فقط في المجموعة. ولقد أَعلَمَنا ممثلون عن منظمات محليّة، إن البنات لا يشكِّلنَ إلاَّ نسبة ضئيلة جداً من العدد الكلّي للأطفال المهاجرين بمفردهم، وليس هناك إلاَّ عدد ضئيل من البنات يُقِمْنَ في المراكز السكنية الإسبانية للأطفال المنفردين في سبتة ومليلة.
أجرينا في إسبانيا مقابلات مع ممثلين عن الحكومة الإسبانية المركزية وممثلين عن سلطات الحكم الذاتي مسؤولين عن شؤون الأطفال المهاجرين بمفردهم، وكان من ضمن المسؤولين الذين قابلناهم نائب مدير قسم شؤون المهاجرين في وزارة الداخلية، ونائب مدير قسم شؤون الأجانب في وزارة الخارجية، والسكرتير العام للشؤون الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ورئيس مكتب ديوان التفتيش (defensor del pueblo: مكتب خاص للتحقيق في الشكاوي الموجهة ضد موظفي الدولة (، ومفوَّض الحكومة المركزية في سبتة (delegado del Gobierno) ورئيس ديوان مكتب مفوضيّة الحكومة المركزية في مليلة، و fiscals لشؤون القاصرين في سبتة ومليلة (fiscal :منصب يجمع سلطات للادعاء والتحقيق والحماية, يشبه النيابة العامة ولكن بسلطات أوسع.) وقابلنا كذلك رئيس المحكمة والقضاة لشؤون القاصرين في سبتة، أما المسؤولون المحليون الذين قابلناهم فكان منهم رئيس ديوان مكتب الرئاسة في سبتة، والمدير العام لدائرة الصحّة والرفاه الاجتماعي في مليلة، ونائب المدير في دائرة الرفاه الاجتماعي في سبتة. وكنّا قد طلبنا الاجتماع مع وزير التربية والثقافة والرياضة ومع مُديريّ دائرتيّ الرفاه الاجتماعي في سبتة ومليلة، ولكن طلبنا لم يُستجَب.
وفي المغرب أجرينا مقابلات مع وزير العدل، ومع مستشار وزير حقوق الإنسان لشؤون حقوق الأطفال، ومع مدير مركز حماية الطفولة في طنجة التابع لوزارة الشبيبة والرياضة، وكذلك مع موظفي بعثة صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) في المغرب. وكنّا قد طلبنا الاجتماع مع وزير الخارجية ووزير الداخلية ووزير الشبيبة والرياضة ووزير حقوق الإنسان، ولكن طلبنا لم يُستجَب.

قام ممثلوا منظمات غير حكومية ونُشطاء في قضايا حقوق الأطفال في إسبانيا والمغرب، بتزويدنا بمعلومات وفيرة عن معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في كلا البلدين.
وضعنا أسماء مستعارة لجميع الأطفال الوارد ذكرهم في هذا التقرير وذلك حفاظاً على خصوصياتهم.

المعايير الدوليّة

لقد قيّمنا معاملة الأطفال المهاجرين بمفردهم في إسبانيا والمغرب وفقاً للقانون الدولي كما ورد في اتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وميثاق منع التمييز في التعليم. وكلتا الدولتين، إسبانيا والمغرب، هما أطراف في تلك المعاهدات، وإضافة إلى ذلك فإن المعايير الإقليمية الأوروبية ذات الصلة في هذا الموضوع تتضمَّن شرعة الحقوق الأساسية للإتحاد الأوروبي، وميثاق حماية حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية.

كشّاف مُصطَلحي

تشير كلمة "طفل" في هذا التقرير إلى أي شخص دون سن الثمانية عشر عاماً. أمّا اتفاقية حقوق الطفل فتعرِّف الطفل بإنه "هو الإنسان لم يتجاوز الثمانية عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه."

اتَّبعَتْ منظمة مراقبة حقوق الإنسان الاستخدام المعتمد لدى المفوَّض العالي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة بخصوص مُصطلح "الأطفال المنفردين،" إذ يشير إلى الأشخاص ممن هم دون سن الثمانية عشر من العمر، ومنفصلين عن كلا الأبوين ولا يتلقّون الرعاية من شخص بالغ مسؤول عن رعايتهم بحسب العرف أو القانون

 إبريل 2005

 الشرطة الفرنسية : عنصرية واجرام وخروقات للقانون

  فرنسا : البحث عن العدالة

المقدمة
"
كنت اعتقد حقاً أن العدالة ستأخذ مجراها"، هذا ما قاله ضحية لعنف الشرطة لمنظمة العفو الدولية بعدما رفض النائب العام شكواه القضائية.
وزعم الضحية (الذي تشكل قضيته إحدى الحالات المبينة في هذا التقرير) أنه في فبراير/شباط 2002، تدخل في حادثة كان شاهداً عليها، وهو في طريقه إلى المنـزل للاحتفال بعيد الأضحى الإسلامي. ونتيجة لتدخله، اعتدى عليه أفراد الشرطة وكسروا أنفه. كذلك زعم أنه تعرض لشتائم وإهانات عنصرية من جانبهم، بينما وقف 15 شخصاً آخر يتفرجون دون أن يتدخلوا.
وشهد الهجوم عدد من الأشخاص الذين أدلوا بشهاداتهم أمام مندوبي منظمة العفو الدولية. لكن يبدو أنه رغم حقيقة أن رواية الضحية أكدها العديد من الشهود والتقارير الطبية التي شهدت على عدد من الجروح، فإن النائب العام لم يتابع الشكوى وخلص إلى القول إنه لا وجه لإقامة دعوى. لذا اضطر مقدم الشكوى إلى التفكير إما في التخلي عن القضية أو متابعتها بصورة شخصية.

هذه ليست قضية غير نموذجية لكيفية تقاعس نظام القضاء الجنائي في فرنسا عن توفير الحق في سبيل انتصاف لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والحصول على تعويضات، بما فيها التعويض المادي. فطوال سنوات عكفت منظمة العفو الدولية على توثيق رد السلطات على مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة، بما في ذلك احتمال ارتكاب عمليات قتل غير قانونية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.1 والمدة الطويلة التي عكفت فيها المنظمة على مراقبة هذه الحالات أتاحت لها متابعة العديد منها طوال كامل فترة الإجراءات القانونية التي غالباً ما كانت طويلة، وبالتالي إجراء تقييم فعال لمختلف المراحل التي مرت بها داخل النظام. وتواجه الأغلبية العظمى من الحالات المصير ذاته : فالتحقيقات داخلية للشرطة مقرونة بصلاحيات استنسابية للنيابة العامة، أدت إلى عمليات مقاضاة عديمة الفعالية لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وأُغلقت ملفات قضايا عديدة قبل وصولها إلى المحكمة، حتى عندما توافرت أدلة جديرة بالثقة تؤكد حدوث الانتهاك. وحتى عندما أُحيلت هذه القضايا إلى المحكمة، كانت الإدانات نادرة نسبياً، أو عندما صدرت إدانات، كانت العقوبات رمزية في أغلب الأحيان. وكما أشارت صحيفة لوموند الفرنسية، فإن : "العدالة بالنسبة لأفراد الشرطة لها تعريفة خاصة : إذ لا يعاقبون عقاباً جدياً أبداً."2

وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن استمرار تقاعس الحكومة عن التصدي لهذه الانتهاكات أدى إلى نشوء ظاهرة إفلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من العقاب فعلياً. فكانت النتيجة "عدالة ذات سرعتين" وفقاً لهذه العبارة التي استحدثتها صحيفة لوموند – واحدة للقضايا التي ترفعها الشرطة وأخرى للقضايا التي يرفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة. ويسهم هذا الأمر في خلق إحساس بالإفلات من العقاب وانعدام ثقة الجمهور في أن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يعملون تحت سقف سيادة القانون ويخضعون للمساءلة عن أفعالهم

ومن الأمثلة الحية على بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب قضية أحمد سلموني (5-1). وفي معرض إصدار حكمها حول هذه القضية في يوليو/تموز 1999، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن فرنسا انتهكت الحظر المفروض على التعذيب فضلاً عن الحق في محاكمة عادلة ضمن مهلة زمنية معقولة. ولم تصل القضية إلى المحاكم الفرنسية إلا بعد مرور عدة سنوات على ارتكاب الانتهاكات، وبضغط من التحقيق الذي أجرته المحكمة الأوروبية. وحتى عندها، فإن محاولات إحدى المحاكم الفرنسية لإصدار حكم بالسجن لمدة تشكل "عبرة" للآخرين، بسبب خطورة القضية، باءت بالفشل، عندما عبَّرت نقابات الشرطة عن غضبها بالنـزول إلى الشارع. وإضافة إلى ذلك، فإن جلسة الاستئناف المقدم من المدانين والتي عُقدت بسرعة خاطفة، والتي قدَّم فيها النائب العام مناشدة دفاعاً عن "شرف" الجناة، أدت إلى تخفيض خطورة الجرائم التي أدينوا بارتكابها ومكَّنت أفراد الشرطة من متابعة مسيرتهم المهنية في الشرطة.

وكانت تقريباً جميع القضايا التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية تتعلق بأشخاص ليسوا من أصول عرقية أوروبية وينحدرون غالباً من أصل شمال أفريقي أو ينتمون إلى المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى أو من الإدارات أو الأراضي التابعة لفرنسا في الخارج. ورغم أن هذا لا يشكل بحد ذاته دليلاً ظاهر الوجاهة على العنصرية الراسخة في النظم أو الأعراف داخل الهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين،3 فقد لمست المنظمة وجود نمط، حدث بموجبه سلوك متهور أو ارتُكبت "سلسلة من الحماقات" – ونستخدم هنا عبارة شائعة في المحاكم لتبرير الأحكام الخفيفة أو الرمزية – ضد هؤلاء الأشخاص بصورة رئيسية. ويشير هذا النمط إلى تصور رسمي بأن هؤلاء الأشخاص ربما يشكلون خطراً أمنياً أكبر أو أنهم أكثر ميلاً لارتكاب جرائم من المواطنين الفرنسيين البيض أو غير المسلمين أو سواهم من الأوروبيين.

وعلاوة على ذلك، لاحظت منظمة العفو الدولية وجود عدد من الحالات التي رافقت فيها الانتهاكات العنصرية كما ورد العنف الذي ارتكبته الشرطة. وتعني المواقف العنصرية للشرطة أن بعض الأشخاص معرضين بشكل خاص للتمييز وسوء المعاملة على أيدي الشرطة. كما يمكن للتمييز أن يعزز إفلات أفراد الشرطة، المسؤولين عن إساءة معاملة الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعات اجتماعية مهمشة أو يُتصوَّر بأنهم ينتمون إليها، من العقاب. وغالباً ما يتمكن أفراد الشرطة من التصرف وهم مطمئنون إلى أنه لن تجري تحقيقات شاملة في سلوكهم، أو بالفعل أية تحقيقات أصلاً. ومن العواقب المترتبة على ظاهرة الإفلات من العقاب هذه إسكات الأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم، إما لأنهم لا يشعرون بأنهم قادرون على الإبلاغ عن الانتهاكات أو لأن الشرطة أو أعضاء النيابة يقررون عدم تلقي الشكاوى أو تسجيلها أو عدم متابعتها.

وبشكل خاص يسود انعدام ثقة الجمهور في نزاهة عملية الحفاظ على القانون والنظام في "المناطق الحساسة" التي ينتمي إليها العديد من ضحايا سوء المعاملة أو الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة. كما إن أجواء التوتر هذه السائدة بين الشرطة وهذه المجتمعات تفاقمت عندما وصلت الدعاوى التي رفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة أو عائلاتهم إلى المحاكم في نهاية الأمر وأدت إلى صدور أحكام بالبراءة أو أحكام رمزية على أفراد الشرطة كانت مثار جدل شديد. وقد غصت قاعات المحاكم في هذه المناسبات بالأصدقاء والأقرباء من جانب، وأفراد الشرطة من جانب آخر، ولم يخلُ محيط المحاكم من مشاهد العنف، الأمر الذي عزز الإحساس بانقسام الحاضرين إلى "نحن مقابل هم".

وعند استخدام عبارة "الإفلات الفعلي من العقاب" لا تشير منظمة العفو الدولية بالضرورة إلى إفلات تام من العقاب، حيث يُعفى مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب كلياً، ولكن إلى عدد من العوامل المختلفة التي تسهم في التقاعس واسع النطاق لنظام القضاء الجنائي عن إجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان والمقاضاة والمعاقبة عليها بشكل فعال في المسائل المتعلقة بإنفاذ القوانين. انظر الفقرة الواردة في المربع.

والعوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب والتي تهدف الحالات الواردة في هذا التقرير إلى توضيحها تشمل ما يلي :

  • عدم توافر الإجراءات القانونية السريعة في مراكز الشرطة بالنسبة لعدد متزايد من الأشخاص الذين يعتقلون بسبب مجموعة واسعة من المخالفات أو الجرائم المزعومة التي تندرج تحت عنوان "الجريمة المنظمة" أو بالنسبة للمتهمين "بالإرهاب"، والحظر المستمر على تسجيل استجواب السجناء الراشدين على أشرطة فيديو؛

  • التقاعس عن الاحترام الكامل لحقوق المعتقلين في حجز الشرطة، مثل التقاعس عن تقديم المساعدة الطبية أو السماح للمعتقل بإجراء اتصال مع قريب أو صديق أو رب عمل؛

  • صعوبة تسجيل الشكوى ضد الشرطي في مراكز الشرطة والاستخدام المتكرر للشكاوى المضادة من جانب أفراد الشرطة لتخويف أولئك الذين يودون تقديم شكوى ضد شرطي؛

  • روح تضامن مشوهة بين أفراد الشرطة تشجع أفراد الشرطة على التستر على زملائهم أو مرؤوسيهم وتجعل التعرف على هوية أفراد الشرطة مستحيلاً؛

  • تقاعس آليات الشكاوى الداخلية للشرطة عن إجراء تحقيقات في مزاعم سوء المعاملة وعمليات إطلاق النار التي اختلفت بشأنها الآراء أو حالات الوفاة في الحجز، بصورة سريعة وشاملة ونزيهة؛

  • تقاعس الحكومة عن إنشاء آلية مستقلة فعالة للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  • إخفاق نظام القضاء الجنائي في المعالجة الكافية لمزاعم الانتهاكات العنصرية أو السلوك القائم على التمييز الذي يمارسه الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  • تقصير النيابة العامة في ضمان المقاضاة الفعالة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان؛

  • التفسيرات المشكوك فيها لمفهومي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة"؛

  • الأحكام التي لا تعكس كما يبدو خطورة الجريمة المرتكبة؛

  • انعدام الخبرة أو التدريب، الذي يستخدمه القضاة بصورة متكررة كسبب لتوقيع عقوبات متساهلة أو للامتناع عن توقيع أية عقوبات؛

  • القضايا الهيكلية، مثل انعدام آليات الاستئناف الوافية – وهو وضع يجرى تصحيحه تدريجياً فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الابتدائية، لكنه يظل غير كاف؛

  • تخلف المحاكم، في بعض الحالات، عن إعلان الأسباب الكامنة وراء قراراتها. وتجدر الملاحظة بأن المحاكم الجنائية الابتدائية ليست ملزمة بفعل ذلك، سواء بالنسبة لأحكام الإدانة أو البراءة، على أساس أن أعضاء هيئة المحلفين غير المتخصصين هم الذين يصدرون القرار.


  • ويتضمن هذا التقرير وصفاً تفصيلياً لبعض الحالات الأكثر خطورة للإفلات الفعلي من العقاب، والتي تمكنت المنظمة من متابعتها في كل مرحلة من مراحل العملية القضائية الطويلة منذ البداية وحتى النهاية. ورغم أن هذه القضايا وصلت إلى نهايتها، إلا أنها توضح بواعث القلق التي لم تتم معالجتها. كما يشير التقرير أيضاً إلى عدد الحالات الأخرى التي تظل مصدر قلق لمنظمة العفو الدولية. والعديد من هذه الحالات، وبخاصة تلك المتعلقة بسوء المعاملة، حديثة العهد. أما الحالات الأخرى، ففي حين أنها تعود إلى عدة سنوات خلت، إلا أنها ما زالت قائمة. ويُختتم التقرير بسلسلة من التوصيات المقدمة إلى السلطات، والتي إذا تم تنفيذها، يمكن أن تقضي قضاءً مبرماً على أنماط الإفلات الفعلي من العقاب والتي ما برحت المؤسسات الفرنسية تُبتلى بها.

    1. النظام القانوني الفرنسي
    تتضمن الفقرة أدناه خلاصة موجزة للنظام القانوني الفرنسي من أجل تهيئة الخلفية التي تنبع منها بواعث قلق منظمة العفو الدولية.

    وبموجب النظام القانوني "الوحداني" في فرنسا، فإن المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التي تم التصديق عليها أو اعتمادها لها الأولوية تلقائياً على القانون الفرنسي (انظر المادة 55 من الدستور الفرنسي). وهكذا مثلاً، فإن نصوص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) يجب أن تحظى بالأولوية من جانب الحكومة الفرنسية والهيئة التشريعية الفرنسية والقضاة الفرنسيين ولها أثر متساوٍ وغير مقيد في جميع الأراضي والإدارات الفرنسية في الخارج.

    ولدى فرنسا مستوى مزدوج من الولاية القضائية والولاية القضائية العليا. وهذا يعني أن القضية التي صدر فيها حكم عن المحكمة الابتدائية (مستوى المحاكمات) يمكن تقديم استئناف لها إلى محكمة أعلى (مستوى الاستئنافات). وفوق محكمة الاستئناف، يمكن لقاضٍ في محكمة النقض أن يصدر حكماً حول قانونية قرارات المحكمة الأدنى. ولا يُسمح باستئناف الأحكام الصادرة عن محكمة النقض ضمن النظام القانوني الوطني. ويجوز لكل من يعتبر أن حقوقه الأساسية، كما هي معرفة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، قد انتُهكت ومن استنفد سبل الانتصاف القانونية المحلية، أن يرفع دعوى قانونية، خلال ستة أشهر، أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات ستنظر المحكمة الأوروبية في القضية حتى وإن لم يتم استنفاد سبل الانتصاف المحلية، لكنها تكون طويلة أو غير وافية.4

    وهناك عدة أنواع من المحاكم الجنائية، تبعاً لطبيعة القضية. فالمخالفات الصغيرة أو الإساءات تنظر فيها محاكم الشرطة، والجنح الأكثر خطورة تنظر فيها المحاكم الإصلاحية. أما الفئة الأكثر خطورة من الجرائم فتنظر فيها المحاكم الجنائية الابتدائية. وهناك حق في استئناف القرار الصادر عن جميع هذه المحاكم، رغم أنه في حالة المحاكم الجنائية الابتدائية، فهذا تطور مستجد، ولا يمكن استئناف قرارات البراءة إلا من جانب أعضاء النيابة الملحقين بمحاكم الاستئناف.

    ويمكن تقديم الشكاوى حول الانتهاكات أو سوء المعاملة أو القوة المفرطة على أيدي الموظفين الرسميين بعدة طرق مختلفة، عن طريق النائب العام، وقاضي التحقيق وهيئات الشكاوى لدى الشرطة أو هيئة الإشراف على الشرطة المعروفة باسم الهيئة الوطنية للآداب في الأمن. وليس بين هذه الإجراءات ما هو مُرضٍ تماماً.

    1.1 القضاء
    تتألف السلطة القضائية الفرنسية من أعضاء النيابة العامة وقضاة هيئة المحكمة (بمن فيهم قضاة الاستجواب والتحقيق المستقلين وقضاة الإشراف على الاعتقال5). وأعضاء النيابة العامة الذين يشكلون جزءاً من وزارة العدل مسؤولون أمام وزير العدل. ولدى أعضاء النيابة العامة ألقاب مختلفة، تبعهاً للدور المسند إليهم أو المحكمة الملحقين بها. والعبارة العامة التي غالباً ما تشير إلى النيابة ككل هي
    Parquet. واستناداً إلى مبدأ النيابة الاستنسابية، يقرر أعضاء النيابة كيفية تصنيف القضية. وعندما يقررون متابعة القضية، يمكنهم إما إرسال المتهمين إلى المحاكم الإصلاحية أو محاكم الشرطة (إذا كانت القضية غير معقدة أو جاهزة للمحاكمة) أو أن يطلبوا بأن يتابعها قاضي تحقيق في القضايا الأكثر تعقيداً التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق. كذلك يمكنهم إقفال الشكوى باعتبار أنه لا وجه لإقامة الدعوى.

    وتغلق العديد من الشكاوى حول إساءة المعاملة من جانب الشرطة بهذه الطريقة، إما لأن وكيل النيابة يعتبر أن القضية غير مناسبة أو لأنه يشعر بأنها ليست مؤيدة بوقائع جيدة أو في حالات عديدة لأنه برأيه، تفتقر إلى الأدلة التي تجعل من الصعب متابعتها. ويمكن للضحايا أو أقرباء الضحايا أن يتصلوا بقاضي التحقيق للانضمام إلى الإجراءات كطرف مدني (بالنسبة للجرائم) أو في حالة ارتكاب مخالفات، عن طريق مذكرة دعوى مباشرة (تكليف مباشر بالحضور). ويسمح الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني بالاطلاع على المعلومات المتعلقة بالقضية التي لا يجوز لهم الحصول عليها لولا ذلك، بسبب سرية التعليمات، ويسمح لهم بالمشاركة في الإجراءات. بيد أن ذلك يمكن أن يكون مكلفاً. وقد انتقدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخراً السلطات الفرنسية بسبب تقصيرها في إجراء تحقيق رسمي فعال في وفاة شخص معتقل. وقضت المحكمة أن التحقيق الفعال في الوفاة يجب أن يُطلع عائلات الضحايا تلقائياً على الإجراءات بدون أن تنضم إلى العملية كطرف مدني، كما جادلت السلطات الفرنسية.6

    ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن 80 بالمائة من الشكاوى التي ترفعها الأطراف المدنية في الإجراءات القانونية تنتهي برفض الدعوى، على أساس أنه لا وجه لإقامة الدعوى.7

    وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 اقترح رئيس محكمة باريس فرض حد على قدرة الأطراف المدنية (والمحامين) على المشاركة في الإجراءات القضائية عبر شكواهم وإحالة الدعوى إلى النائب العام قبل أن يستطيع قاضي التحقيق فتح تحقيق فيها. وفيما يتعلق بالحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، حيث تصبح عائلات الضحايا بصورة شبه ثابتة طرفاً مدنياً في الإجراءات القانونية، بسبب تقاعس النائب العام عن متابعة القضية بفعالية، هناك خطر في أن تسهم خطوة من هذا النوع في مشكلة الإفلات الفعلي من العقاب.

    2.1 الشرطة وآلياتها
    جرت العادة على تقسيم عملية إنفاذ القانون الفرنسي بين شرطة مدنية وطنية خاضعة لوزير الداخلية ودرك وطني خاضع لمسؤولية وزير الدفاع ويُعتبر جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة، إلى جانب القوات البرية والبحرية وسلاح الطيران. ويمكن للدرك أن يعمل بصفة مدنية وكذلك عسكرية. وتعمل الشرطة الوطنية عادة في المدن والتجمعات السكانية الحضرية بصورة رئيسية؛ أما الدرك (الذي ينحدر من الماريشوسيه التي أُنشئت كقوة عسكرية في القرن السادس عشر) فهو موزع في جميع أراضي فرنسا، لكنه مركز في المناطق الريفية بصورة رئيسية، فضلاً عن المناطق الحضرية المستحدثة. وما زال نظامه الأساسي الذي أرساه القانون الصادر في 28 جرمينال العام السادس (17 إبريل/نيسان 1798) ساري المفعول.

    وقد أُنشئت مؤسسة الشرطة الوطنية بموجب القانون الصادر في 9 يوليو/تموز 1966. وتضم عدداً من الأجهزة المتخصصة، مثل شرطة الحدود التي تعمل في المناطق الحدودية، بما فيها المطارات ووحدة المرافقة الوطنية للمساندة والتدخل المشاركة في عمليات المرافقة الخاصة مثل الإبعاد، والوحدات الميدانية الخاصة أو وحدات "مكافحة الإرهاب". ومن الوحدات المتخصصة التي تستحق الذكر ألوية مكافحة الجريمة التي تُنشر لمحاربة "الجنوح البسيط والمتوسط الحجم". وغالباً ما اصطدمت ألوية مكافحة الجريمة بالشبان في المناطق "الحساسة" من المدن، وفي ضواحي المدن أو التجمعات الحضرية في فرنسا التي اكتسبت سمعة خلافية اعتباراً من الثمانينيات فصاعداً. وهناك مفرزة متخصصة أخرى للتدخل ومكافحة الشعب هي سرايا الأمن الجمهورية. وتشكل شُعب الشرطة القضائية التي تنضوي تحت راية المديرية الإقليمية للشرطة القضائية، وحدة ملحقة بالسلطة القضائية، وتعمل على منع وقمع الجريمة المنظمة، مثل الاتجار بالمخدرات أو الأشخاص والاختلاس و"الإرهاب". وقد ازدادت مسؤوليات الشرطة القضائية في السنوات الأخيرة لتشمل العنف في المدن.

    ويتصور قانون العقوبات الفرنسي فرض عقوبات على أفراد الشرطة المدانين بارتكاب أفعال غير قانونية، ولدى قوات الشرطة مدونات قواعد الآداب أو مدونات قواعد السلوك الخاصة بها، التي تهدف إلى التمسك بالمعايير الأخلاقية للحفاظ على الأمن وتحديداً بالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والدستور الفرنسي والقوانين والاتفاقيات الدولية. ومن بين المواد الرئيسية لمدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية (المحددة في مرسوم صادر في 18 مارس/آذار 1986)، والتي تُعطى إلى كل شرطي ما يلي :

  • المادة 2 : ينبغي على الشرطة أن تؤدي مهامها المتعلقة باحترام حقوق الإنسان والدستور الفرنسي والمعايير الدولية؛

  • المادة 6 : إذا انتهك شرطي مدونة قواعد السلوك سيتعرض لعقوبة تأديبية؛

  • المادة 7 : ينبغي للشرطي أن يبدي "احتراماً مطلقاً" للأشخاص أياً كانت جنسيتهم أو أصلهم؛

  • المادة 10 : جميع الأشخاص الذين تلقي (الشرطة) القبض عليهم تضعهم تحت مسؤوليتها ولا يجوز تعريضهم لأي نوع من أنواع العنف أو المعاملة المهينة.


  • وتُجري وحدة متخصصة ضمن قوات الشرطة الوطنية هي المفتشية العامة للشرطة الوطنية التي أُنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 1986 التحقيقات الجنائية والتأديبية في سلوك الشرطة. وهي تغطي كامل الأراضي الفرنسية باستثناء باريس، التي توجد فيها الهيئة المقابلة وهي المفتشية العامة للأجهزة. ويجوز للأفراد أن يقدموا شكاوى مباشرة إلى أفراد الشرطة. ولدى الدرك الوطني وحدة تفتيش داخلية مشابهة يُطلق عليها اسم مفتشية الدرك الوطني. ويمكن للتحقيقات الداخلية في الشرطة أن تستغرق عدة شهور. ثم تُعرض نتائج تحقيقات الشرطة على النائب العام الذي يقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء بصيغة شكوى تُقدَّم إلى قاضي التحقيق.

    وفي فترة سابقة تعود إلى العام 1997 ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الثالث ل

     

    فرنسا المتعلق بتنفيذها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ذكرت أنها "تشعر بقلق شديد" إزاء عدد المزاعم التي تلقتها حول إساءة المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين ضد المعتقلين وغيرهم من الأشخاص "الذين يحتكون بهم احتكاكاً ينطوي على نزاع"، وإزاء الطبيعة الخطيرة لهذه المزاعم، وحقيقة أنه "في معظم الحالات لا يُجرى تحقيق يُذكر من جانب الإدارة الداخلية للشرطة والدرك الوطني في الشكاوى المتعلقة بإساءة المعاملة هذه، الأمر الذي يؤدي إلى إفلات فعلي من العقاب".8

    وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2004، ظل تقاعس المفتشية العامة للأجهزة عن أداء دورها بفعالية ونزاهة "كشرطة على الشرطة" مشكلة وتعرضت المفتشية العامة للأجهزة لانتقادات وجهها رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن (انظر أدناه) بسبب قصورها في التعامل مع الحالات التي نُهيت إلى علمها. وفي معرض انتقاده أشار الرئيس بيير تروش تحديداً إلى قضية اعتداء للشرطة على مقهى لأبناء القبائل في باريس ليلة رأس السنة الجديدة 2003-2004، الذي جرى فيه تعطيل احتفال سلمي بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع وتوفي فيه شخص واحد (انظر الفقرتين 2 و5-8).

    3.2.1 آليات الإشراف المستقلة
    شُكِّلت هيئة إشراف مستقلة على الشرطة والسجون هي اللجنة الوطنية للآداب في الأمن بموجب قانون صدر في 6 يونيو/حزيران 2000 في أعقاب سلسلة من عمليات إطلاق النار التي ارتكبتها الشرطة، وبدأت عملها في 14 يناير/كانون الثاني 2001. 9 وتملك صلاحيات للتحقيق في حالات الانتهاكات المزعومة التي يرتكبها أفراد الشرطة وسواهم ولأخذ أقوال الضحايا والشهود وأولئك المتهمين بارتكاب الانتهاكات، بمن فيهم أفراد الشرطة. ولا تستطيع اتخاذ إجراءات تأديبية أو قضائية بمفردها، لكنها مخولة بإصدار توصيات، وينبغي عليها إبلاغ النائب العام بالأفعال التي ترى أنها تشكل جرماً جنائياً.

    ويجوز تقديم الشكاوى إلى اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة من جانب مواطنين أفراد تعرضوا لأفعال غير أخلاقية من جانب موظفي الأمن العام أو كانوا شهوداً عليها. بيد أنهم لا يستطيعون تقديم شكوى إلى اللجنة الوطنية للآداب العامة إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق رئيس الوزراء أو مكتب المظالم الخاص بالقُصَّر أو عضو في مجلس الشيوخ أو عضو في الجمعية الوطنية.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأفراد لا يستطيعون تقديم شكوى مباشرة إلى اللجنة الوطنية للآداب في الأمن ومن أن الشرط الحالي لإحالة قضية عن طريق وسيط برلماني يمكن أن يؤدي إلى عمليات تأخير كبيرة في التحقيق بالشكوى. وتُصدر اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريراً سنوياً، كما تصدر تقارير محددة تتعلق بقضايا معينة.10
    2. بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب في فرنسا

    1.2 حدوث زيادة في الشكاوى المتعلقة بالعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في ذلك العنصرية
    لقد عملت منظمة العفو الدولية طوال سنوات عديدة بشأن حالات القتل على يد الشرطة والوفاة في الحجز وحالات التعذيب وسوء المعاملة في فرنسا. وفي معظم الحالات التي تناهت إلى علمها كان الضحية شاباً ذكراً منحدراً من شمال أفريقيا أو المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وفي السنوات الأخيرة، انخفض – لحسن الحظ – عدد عمليات إطلاق النار المتهورة المميتة من جانب أفراد الشرطة أو الدرك في ظروف اختلفت بشأنها الآراء. بيد أن عدد الشكاوى حول سوء المعاملة من جانب أفراد الشرطة – النابعة غالباً من عمليات التدقيق في الهوية التي تقوم بها الشرطة والتي تنتهي بأعمال عنف – قد ارتفع على عكس ذلك. ولم تقترن الزيادة في عدد الشكاوى باعتراف من جانب السلطات بعدم مناولتها بشكل واف، ولم تضع الحكومة الفرنسية حتى الآن آلية مستقلة فعالة لضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في الانتهاكات التي يرتكبها أفراد الشرطة، منذ بداية الحادث المزعوم.

    وفي دراسة بعنوان "
    زيادة الإحساس بالتمييز في الشرطة"، أجرتها مجموعة الدراسات ومكافحة التمييز، وهي مجموعة
    عمل، في العام 2002 لقضية التمييز العنصري في قوات الشرطة الفرنسية نجد وصفاً كلاسيكياً لنوع القضايا التي يعنى بها هذا التقرير وهي قضية فوديل (فضل) بن ليلي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1999، كان فوديل بن ليلي، وهو عامل مع الشبيبة كان يعمل في بلدية لاكورنيف، وصديق له يدعى "مأمون" يقودان سيارة اصطدمت بترام (قطار كهربائي). وكانت الحادثة بسيطة ولم يتوقف الترام، لكن الشابين خرجا من السيارة لتفحص الضرر. ووصل ثلاثة أفراد من سرايا الأمن الجمهورية. ونظراً لأنهم اشتبهوا بأن السيارة قد تكون مسروقة، فقد فتشوها "بعنف" وانكسر المفتاح في قفل الإشعال، الأمر الذي أكد شكوك أفرادها. وعند هذه النقطة ورد أن الشرطة لجأت إلى العنف ضد الشابين نفسيهما. وأُصيب فوديل بن ليلي ورفيقه بضربات من الهراوات التي "انهالت" عليهم، وسقط مأمون على ركبتيه. واحتج فوديل بن ليلي من أنه لا يحق للشرطة أن تتصرف على هذا النحو وبأنهما يعملان في البلدية. ثم ورد أنهما تعرضا لشتائم عنصرية (عنصر قذر من الأوساخ الخ) واقتيدا إلى مركز شرطة لاكورنيف. وبعد أربع ساعات في حجز الشرطة نُقلا إلى المستشفى لتلقي العلاج الطبي، ثم أُعيدا إلى مركز الشرطة حيث احتُجزا فيه لمدة 20 ساعة أخرى. وخلال هذا الوقت، زُعم أن أفراد الشرطة أثاروا المرارة القديمة المرتبطة بحرب الجزائر. وبسبب الجروح التي أُصيب بها، أعطي فوديل إجازة مرضية لمدة ستة أيام. ولم يتمكن من تقديم شكوى في مركز الشرطة، حيث يعمل زملاء أفراد سرايا الأمن الجمهورية؛ وأبلغه أحد أفراد الشرطة بأن الشرطة لن تُبلِّغ شكواه إلى النائب العام، لذا فلا جدوى من المحاولة. وعليه قدم شكوى لدى النائب العام بدعم من رب عمله. ووفقاً للتقرير، ما زالت القضية عالقة في العام 2002، لكن الوثائق القانونية ضاعت والمعلومات الطبية اختفت أيضاً. وفي هذه الأثناء، رفع أفراد الشرطة شكوى مضادة حول "التحريض على المقاومة".

    كذلك في العام 2002، أجرت جمعيتان هما نقابة القضاة ونقابة المحامين الفرنسية بالتعاون مع منظمة غير حكومية كبرى هي رابطة حقوق الإنسان تحقيقاً توصل إلى نتائج مقلقة. وتبين من التحقيق أن عمليات المقاضاة التي تقوم بها الشرطة حول إهانة الشرطة أو مقاومة الاعتقال قد ارتفعت بنسبة 27,92 بالمائة بين العامين 1996 و2000 وأن مزاعم ممارسة العنف من جانب الشرطة قد ارتفع عددها أيضاً.

    وفي مايو/أيار 2004 أصدرت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريرها السنوي للعام 2003 الذي لاحظ حدوث ارتفاع حاد في شكاوى الانتهاكات والعنف الذي ترتكبه الشرطة. وقد حققت اللجنة المذكورة في 70 شكوى، قياساً بـ 40 وأقل من ذلك في السنوات السابقة وحثت على إجراء إصلاحات هيكلية رئيسية في رد الشرطة. ونجم هذا الاتجاه عن زيادة للسنة السادسة على التوالي قدرها 9,10 بالمائة في الشكاوى المقدمة إلى كل من المفتشية العامة للأجهزة والمفتشية العامة للشرطة الوطنية التي تغطي فرنسا ككل، وفقاً للأرقام المتوافرة لدى الشرطة. وبحسب ما ورد صرَّح الرئيس الحالي للجنة الوطنية للآداب في الشرطة بيـير تروش، وهو رئيس سابق لمحكمة النقض، بأنه صُدم "بالتكرار الإحصائي" للشكاوى التي تتعلق بأشخاص ذوي أسماء أجنبية، وأن هذا "التكرار الإحصائي" يجب أن يخضع لمزيد من الدراسة في التقارير المستقبلية.

    وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي تقرير محدد، انتقد بشدة "العدوان العنصري المنحرف" الذي انطوى عليه اقتحام مقهى القبائل الذي يملكه أحد أبناء شعب الأمازيغ (البربر) في باريس من جانب 30 شرطيا
    ً في ليلة عيد القديس سيلفستر (31 ديسمبر/كانون الأول – 1 يناير/كانون الثاني 2004). ويرد أدناه سرد للقضية (تحت الفقرة 5-7).

    وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، أصدرت اللجنة الوطنية المعروفة باسم المواطنون – العدالة – الشرطة والتي تضم رابطة حقوق الإنسان والنقابتين المذكورتين أعلاه ومنظمة غير حكومية فرنسية أخرى هي حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب، والتي تتعامل مع العديد من حالات العنف العنصري أو المتعلق بالعرق. وأظهر التقرير أنه في 60 بالمائة من الحالات التي تمت دراستها، كان الضحايا من الرعايا الأجانب؛ ونسبة الـ 40 بالمائة المتبقية من حاملي الجنسية الفرنسية، لكن مع بضعة استثناءات فقط، فإن أسماءهم أو مظهرهم يعني ضمناً أنهم من أصل أجنبي. العدالة، رقم 174، مارس/آذار 2003 "انتهاكات الشرطة في عمليات التدقيق بالهوية". وكانت حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب قد لاحظت في وقت سابق أيضاً حدوث ارتفاع في حوادث مثل العنف، وبخاصة في سياق عمليات تدقيق الشرطة في الهوية أو في حجز الشرطة، والاستخدام المتكرر لتهمة إهانة أفراد الشرطة المذكورة أعلاه (إما بالإيماءة أو الكلمة) أو مقاومة الاعتقال، غالباً في شكل شكوى مضادة ضد شخص يرغب في تقديم شكواه. ويمكن تعريف الإهانة بواسطة الإيماءة بأنها إيماءة بأي جزء من الجسم "تعبر بوضوح عن الازدراء أو الاحتقار للشخص الذي وُجهت إليه". وتُعرف الإهانة بالكلمات بأنها النطق بأية ألفاظ تتهجم على السلطة الأخلاقية للشخص وتقلل الاحترام الواجب لمهامه. وبموجب المادة 433 – 5 من قانون العقوبات فإن الإهانة الموجهة إلى "شخص يشغل منصباً عاماً" تشكل جنحة محددة يعاقب عليها بشدة أكبر من إهانة المواطن "العادي" يمكن حتى أن تؤدي إلى السجن.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن أفراد الشرطة والدرك يستخدمون هذا الجرم كمبرر أو ذريعة لإجراء عمليات التدقيق في الهوية التي تتحول إلى عنف، غالباً نتيجة سلوكهم هم الذين يتسم بالعدوانية أو الإهانة، كما حصل في قضية حياة خمال المعروفة جيداً في ري – أورانجي (انظر 5-5).

    كذلك أشارت لجنة المواطنين – العدالة – الشرطة في تقريرها إلى القلق من أنه رغم ازدياد حجم عمل اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة، فإن مستويات تمويلها آخذة بالتراجع. كذلك لاحظت اللجنة الأولى أن الأخيرة قد أحالت قضية واحدة فقط إلى النيابة العامة، أسفرت عن اتخاذ عقوبات تأديبية بحق شرطي واحد؛ وأنه بصورة عامة نادراً ما يكون لتوصياتها أي مفعول.

    وفي تقريرها الثالث حول فرنسا الصادر في 15 فبراير/شباط 2005، أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا، أعربت أيضاً عن قلقها إزاء عمليات التدقيق في الهوية التي تتسم بالتحيز العنصري، اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب، التقرير الثالث حول فرنسا الذي اعتُمد في 25 يونيو/حزيران 2004، CRI (2005) 3. ولاحظت أن الشكاوى حول عمليات التدقيق في الهوية القائمة على التمييز مستمرة. ويساور اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب "قلق خاص إزاء المعلومات التي أوردتها المنظمات غير الحكومية بما معناه أنه عندما يقدم أحدهم شكوى ضد موظف مكلف بإنفاذ القانون، فإن الأخير يبادر بشكل شبه ثابت إلى الانتقام بتوجيه تهمة إهانة رجل القانون أو اتهامه بتهمة كيدية، ما يضعف موقف المدعي المدني."

    كذلك أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب عن شكوكها إزاء مدى فعالية بعض القوانين المعمول بها في فرنسا حتى الآن لمحاربة العنصرية والتمييز. وفي فبراير/شباط 2003، أدخل ما يعرف "بقانون لولوش" عاملاً مشدداً في سياسة إصدار الأحكام المتعلقة ببعض الأفعال العنيفة التي يثبت أنها نابعة من دوافع عنصرية. القانون رقم 2003-88 الصادر في 3 فبراير/شباط 2003 العامل المشدد للعقوبة على الجرائم ذات الطابع العنصري أو المعادي للسامية أو كراهية الأجانب، الذي صدر في الجريدة الرسمية رقم 29 في 4 فبراير/شباط 2003. وجرم قانون سابق له صدر في 1 يوليو/تموز 1972 ("قانون بلوفن") "التحريض" على التمييز العنصري والكراهية والعنف وزاد العقوبات على التشهير أو الأذى العنصري. بيد أن فعالية هذه القوانين في التصدي للعنف العنصري الذي يمارسه أفراد الشرطة كانت محدودة جداً حتى اليوم كما يقال. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، فإنه حتى اليوم، لم تؤخذ عوامل مشددة بعين الاعتبار في أية حالة في الأحكام الصادرة على رجال الشرطة، رغم تكرار مزاعم العنف ذات الطابع العنصري.

    وفي تقريرها الثالث لاحظت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب أن : "الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وأعضاء السلطة القضائية ليسوا متيقظين دائماً بشكل كاف للجانب العنصري للجرائم، ولا يحاط الضحايا علماً بصورة كافية دائماً بالإجراءات الرسمية أو تُقدَّم لهم مساعدة بشأنها." وأوصت بأن : "تنفذ السلطات الفرنسية النصوص التي تنص على أن الدافع العنصري يشكل ظرفاً مشدداً في حالة الجرائم المحددة، وأن تتخذ الخطوات الضرورية لمراقبة تنفيذ هذه النصوص الجديدة". وفي تقريرها الصادر في العام 2005 فإن اللجنة الأوروبية المذكورة "لاحظت بقلق استمرار الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون ضد أبناء الأقليات. وتشير الشكاوى إلى ضلوع أفراد الشرطة والدرك وموظفي السجون والموظفين العاملين في المناطق المخصصة للأفراد الذين ينتظرون توضيح وضعهم القانوني (مناطق الاحتجاز الحدودية). وتزعم وقوع أفعال عنف بدني وإذلال وتوجيه شتائم عنصرية وممارسة تمييز عنصري. وأوصت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب اعتماد تدابير "لوضع حد لكل السلوك السيئ للشرطة بما فيه إساءة معاملة الأقليات."

    وقد سار الارتفاع في حوادث العنف الذي تمارسه الشرطة، والذي يتعلق جزء كبير منه بالعرق، جنباً إلى جنب مع التصور بأن الجرائم عموماً ازدادت زيادة كبيرة ومع مطالبات الرأي العام بسياسات قائمة على "الأمن" للتصدي للجريمة أو ما يشتبه في أنه جريمة.

    ووفقاً لما قاله شرطي كتب حول التحديات التي يواجهها مجتمع يزداد فيه "عدم الأمان"، فإن البيئة الحضرية شهدت "تقدماً ثابتاً في العنف"، تعرضت فيه الخدمات الضرورية العامة للخطر جراء "جميع أنواع العدوان تحت ذريعة واحدة بأنها تمثل السلطة بنظر المعتدي". ريشار بوسكيه، عدم الأمان، مخاطر جديدة، 1999. وما زالت تعليقاته ذات صلة بواقع اليوم. ولاحظ الكاتب أن جزءاً كبيراً من التوتر المتزايد القائم بين الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وبين شبيبة "المناطق الحساسة" – التي تقطنها أغلبية من المواطنين الفرنسيين أو المقيمين المنحدرين من أصل أفريقي أو من شمال أفريقيا – نما نمواً أخطبوطياً بعد الحرب في الضواحي أو المدن والتجمعات الحضرية حول مراكز المدن وتأثر بالبطالة والفقر المستشريين وطويلي الأمد، لكن في الوقت ذاته بجوار أماكن الاستهلاك البارز مثل المتاجر الضخمة للمواد الغذائية ذات المواقف الكبيرة للسيارات. وقد تصبح السيارات المركونة هدفاً مغرياً للجرائم الصغيرة، التي يجسدها إحراق السيارات أو حفلات "الروديو" المتعلقة بالسيارات المسروقة – وهو وضع يشكل أساساً لبعض الحالات المبينة أدناه. ويشير الكاتب إلى الحاجة "لإعادة الاستيلاء على الأحياء (المناطق)".

    ويعزى تكرار الشكاوى من جانب أشخاص منحدرين من أصل أجنبي، على الأقل جزئياً، إلى أفعال الشرطة، بما في ذلك عمليات التدقيق المسيئة في الهوية أو تلك التي تتحول إلى أعمال عنف، والتي تجريها وحدات الشرطة في المناطق الحساسة. ولا يمكن إنكار الصعوبات الحقيقية ومستويات الضغط التي يواجهها أفراد الشرطة الذين يحافظون على الأمن في هذه المناطق – التي غالباً ما تعتبر مناطق "محرمة". ومع ذلك تبدو مفاهيم مثل "إعادة الاستيلاء" وكأن أفراد وحدات التدخل التابعة للشرطة قد فسروها أحياناً بشكل حرفي، حيث قد يعتبرون أنفسهم جزءاً من قوة تشتبك في عمليات حربية ضد خصوم وتعمل في الأحياء وكأنها مسرح حرب. وبالنسبة للشرطة والعديد من المواطنين، هناك "إفلات من العقاب" في الأحياء، وهو ما يعني أن الجانحين (الأحداث بصورة رئيسية) هم الذين يرتكبون الجنح أو الجرائم بدون أن يخشوا افتضاح أمرهم. بيد أن الإحساس بأن الشرطة تقوم بعملية "إعادة استيلاء" وتشارك في قتال ضد الإفلات من العقاب يزيد دون شك من صعوبة إقرار أفراد الشرطة بأنهم يستفيدون أيضاً من الإفلات من العقاب خلال اللحظات التي يتخطون فيها حدودهم ويتجاهلون مدونات قواعد السلوك الخاصة بهم.

    2.2 الحجز لدى الشرطة
    تتعلق بعض العوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب بمعاملة الأشخاص حالما يتم اعتقالهم ووضعهم في حجز الشرطة. ويساور منظمة العفو الدولية القلق بشكل خاص إزاء التقاعس عن ضمان السماح لجميع المعتقلين بالحصول فوراً على مساعدة قانونية، بما فيها وجود محامٍ خلال عمليات الاستجواب؛ وفترة الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي بالنسبة لبعض فئات المعتقلين؛ والتقاعس عن إخضاع المعتقلين لفحوص طبية دون إبطاء عند اللزوم؛ وتقاعس أفراد الشرطة عن تطبيق اللوائح المتعلقة بحجز الشرطة على الوجه الصحيح.

    ويجب أن يُتخذ قرار وضع شخص في حجز الشرطة من جانب موظف في الشرطة القضائية، دركياً كان أم شرطياً مدنياً، ملزم بإبلاغ النائب العام أو قاضي التحقيق حالما يتم التوصل إلى القرار. ويجب إحاطة المعتقلين فوراً بحقوقهم بلغة يفهمونها؛ وبالنصوص المتعلقة بحجز الشرطة؛ وبأسباب توقيفهم وبأية تهمة موجهة إليهم. ويحق للمعتقلين إبلاغ أقربائهم أو شركائهم أو أرباب عملهم بأنهم موضوعون رهن الحجز، وذلك خلال فترة ثلاث ساعات على الأكثر، إلا إذا تقرر بأن هذا الإبلاغ يُعرض التحقيق للخطر؛ ويحق لهم أن يفحصهم طبيب. وتقع مسؤولية سير حجز الشرطة على ما يرام على عاتق النائب العام الذي ينبغي أن يزور مراكز الشرطة كلما شعر بأن ذلك ضرورياً وهو ملزم بفعل ذلك مرة واحدة على الأقل في السنة.

    والحد الأقصى لحجز الشرطة في معظم الحالات هو 24 ساعة. بيد أنه يمكن تمديده بـ 24 ساعة أخرى بموافقة النائب العام أو قاضي التحقيق، وفي الحالات التي تعتبر ذات خطورة غير عادية (مثل "الإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات)، يمكن تمديد فترة حجز الشرطة البالغة 48 ساعة لمدة 48 ساعة أخرى بناء على قرار قاضي التحقيق أو القاضي المشرف على الاعتقال.

    1.2.2 الاستعانة بمحامٍ
    يشكل الحق في توكيل محامٍ دون إبطاء معياراً دولياً راسخاً. فعلى سبيل المثال ينص المبدأ السابع من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين على الاستعانة "فوراً" أو "بأي حال خلال مهلة لا تزيد عن ثمان وأربعين ساعة من وقت القبض عليهم أو احتجازهم". وقد اعتمده المؤتمر الثامن للأمم المتحدة الخاص بمنع الجريمة ومعاملة المذنبين، الذي عُقد في هافانا، بكوبا، من 27 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول 1990. وأوصى المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأن تكون الاستعانة خلال 24 ساعة من إلقاء القبض UNDoc.E/CN.4/2002/76، 27 ديسمبر/كانون الأول 2001، الملحق 1.

    وفي 15 يونيو/حزيران 2000، أصدر البرلمان الفرنسي قانوناً حول "حماية افتراض البراءة وحقوق الضحايا. اسم القانون ... وقد تضمن نصاً للاستعانة بمحام منذ الساعة الأولى للحجز لدى الشرطة في معظم الحالات، لكن ليس في حالة الجرائم المتعلقة "بالإرهاب" أو جرائم الاتجار بالمخدرات. وقد تم التعامل مع "الإرهابيين" المشتبه بهم أو مهربي المخدرات بموجب نظام حجز خاص، يمكن بموجبه احتجاز المعتقلين لمدة تصل إلى 96 ساعة وحرمانهم من الاستعانة بم
    حام لمدة تصل إلى 36 ساعة. وكان من المتوقع أن يساعد تسجيل استجواب الشرطة للقصَّر على أشرطة فيديو على منع ممارسة الوحشية في حجز الشرطة، لكن منظمة العفو الدولية يساورها القلق إزاء تأجيل خطة لوضع ضمانات مشابهة للراشدين نتيجة معارضة شديدة من جانب الشرطة.

    وفي مارس/آذار 2003، عقب وصول حكومة جديدة إلى السلطة، نقض قانون حول الأمن الداخلي بعض التدابير الإصلاحية الأكثر ليبرالية الواردة في القانون السابق. وتم وضع مجموعة من المخالفات الجديدة، مثل التجمع في الأماكن العامة ضمن المساحة المحيطة بالمباني السكنية والذي يحتمل أن يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام؛ والاستدراج العلني لارتكاب الفحشاء؛ والتسول الجماعي "العدائي"؛ وشتم العلم أو النشيد الوطني أو إهانته في بعض المناسبات العامة. (يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء هذا القانون الذي يقيد الحق في الحصول على مساعدة قانونية دون إبطاء فيما يتعلق بمجموعة أكبر من الناس، بينهم القصر الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً الذين يمكن
         

    أن يحرموا من الاستعانة بمحام في الساعات الـ 36 الأولى في حجز الشرطة؟؟). وفي مارس/آذار 2004، تم إصدار "قانون بربن الثاني" الذي كان يهدف إلى توفير إطار قضائي لتنفيذ قانون الأمن الداخلي. ومن جملة إجراءات، وسع القانون نظام الحجز الخاص البالغ 96 ساعة ليشمل مجموعة أوسع من الجرائم بينها "الجريمة المنظمة". وعلاوة على ذلك، يمكن بموجب هذا القانون احتجاز الأشخاص المتهمين "بالإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 72 ساعة الأولى بدون الاستعانة بمحامٍ.

    وغالباً ما يمارس التعذيب وسوء المعاملة في اللحظات الأولى في حجز الشرطة، وقد ساور منظمة العفو الدولية القلق منذ زمن طويل من أن الخاضعين لحجز الشرطة بدون الاستعانة بمحام، يتعرضون باستمرار لخطر التعذيب وسوء المعاملة. وتشير عدة حالات، توضح الإفلات الفعلي من العقاب ويصفها هذا التقرير، إلى حالات وفاة أو تعذيب أو سوء معاملة في حجز الشرطة لم يكن المحامون حاضرين من بدايتها. وحتى في حالات القصر، فإن وجود آلات تصوير في بعض أجزاء مركز الشرطة لا يمنع بالضرورة حدوث سوء المعاملة (انظر 5-4).

    وفي تقرير أصدرته في مارس/آذار 2004، كررت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كررت خلافها مع السلطات الفرنسية حول القانون الذي يحرم من الاستعانة بمحام طوال الـ 36 ساعة الأولى في حجز الشرطة، مشددةً على أنه يجب السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محام منذ بداية حجز الشرطة، وكذلك من الحق في حضور محام خلال الاستجواب الذي تقوم به الشرطة. ولا يُسمح بهذا الحق الأخير حالياً. وانتقدت اللجنة الأوروبية المذكورة حقيقة أن القانون الجديد الخاص بالأمن للعام 2003 قد احتفظ بالانحراف عن المعايير المتعلق بالاستعانة بمحام بالنسبة لمجموعة كاملة من الجرائم الجنائية. وأشارت اللجنة إلى أنه خلال الزيارات التي قامت بها إلى فرنسا واصلت تلقي مزاعم حول إساءة المعاملة البدنية على أيدي أفراد الشرطة لحظة الاعتقال أو خلال حجز الشرطة. وحثت السلطات الفرنسية على "التخلي عن النظام المهين في حجز الشرطة فيما يتعلق بالاستعانة بمحام وإلى الاعتراف في النهاية بحق جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم من جانب قوات النظام والقانون – لأي دافع كان- في الاستعانة بمحام (رغم أنه ليس بالضرورة محام يختارونه بأنفسهم) منذ بداية حرمانهم من حريتهم "تقرير إلى حكومة الجمهورية الفرنسية يتعلق بالزيارة التي قامت بها إلى فرنسا اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المقدم بين 11 و17 يونيو/حزيران 2003. CPT/Inf(2004)6، الفقرة 64.

    وهناك قضية تناهت إلى علم هذه المنظمة في العام 2003 أثارت بواعث قلق حول احترام دور المحامين عند زيارة موكليهم في مراكز الشرطة. ففي 31 ديسمبر/كانون الأول 2002، طُلب من محام اسمه دانييل فرانسوا مساعدة فتى عمره 17 عاماً محتجز لدى الشرطة في أولني – سو – بوا (سين- سان – دنيس). وعندما لاحظ المحامي وجود جروح على وجه الفتى، أبلغ الشرطي المناوب أنه يود تسجيل مزاعم بأن
    موكله تعرض لأفعال عنف وطالب بإجراء فحص طبي له، لكن محاولاته باءت بالفشل. فقد قال شرطي لدانييل فرانسو إنه لا توجد آلة نسخ تسمح له بتصوير نسخة من طلبه المكتوب بخط اليد ورفض إصدار أمر بإجراء فحص طبي للفتى. وعندما احتج المحامي طُلب منه المغادرة ورافقه حتى الباب. وعاد إلى مركز الشرطة لإيداع النص الذي كتبه بخط يده. عندئذ أُلقي القبض عليه، ووضع في حجز الشرطة بتهمة توجيه الإهانات ومقاومة الاعتقال. وفي تقريرها السنوي للعام 2003 الصادر في العام 2004 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية دانييل فرانسوا. وأعربت عن دهشتها لاحتجاز المحامي لمدة 13 ساعة وإخضاعه لفحص الكحول رغم أنه لا يوجد دليل على أنه كان يعاقر الخمرة. وأوصت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن "باتخاذ تدابير لتعزيز حماية المحامين أثناء (قيامهم) بمهامهم المهنية وعدم اتخاذ أية قرارات أخرى بوضع شخص بحجز الشرطة من جانب شرطي يزعم أنه ضحية."

    2.2.2 الفحوص الطبية
    فيما يتعلق بالرعاية الطبية في حجز الشرطة، أُدخلت إصلاحات على الأوضاع في حجز الشرطة في العام 1993، للسماح برؤية الطبيب دون إبطاء، في أعقاب وفاة عيسى إهيش، من نوبة ربو عقب تعرضه للضرب. ويجوز للمعتقل أن يطلب بأن يفحصه طبيب يعينه النائب العام أو موظف في الشرطة القضائية. ويمكن تجديد الطلب في حالة إطالة أمد حجز الشرطة. بيد أنه سلطت عدة حالات حديثة الضوء على المشاكل المصاحبة لمحاولة الحصول على فحص طبي أثناء الحجز لدى الشرطة. وقضية دانييل فرانسوا المذكورة أعلاه هي أحد الأمثلة، كذلك هي قضية عمر بهاء، وهو مواطن فرنسي من أصل جزائري قُبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2002. وقد تدخل عمر بهاء (5-7) في استجواب من جانب الشرطة يتعلق بأطفال. وكسر شرطي يحمل علبة غاز أنف عمر بهاء. والشكوى التي قدمها في العام 2002، ما زالت عالقة في المحاكم. فرنسا : سوء المعاملة المزعوم لعمر بهاء من جانب أفراد الشرطة في باريس (رقم الوثيقة : EUR 21/002/03، مارس/آذار 2003، والتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2004.

    3.2.2 قضايا أخرى تتعلق بالحجز
    كما أشرنا أعلاه، يُسمح للمعتقلين في حجز الشرطة بإجراء مكالمة هاتفية مع أحد أفراد العائلة أو رب العمل، وهي قاعدة تهدف إلى درء خطر سوء المعاملة الناجم عن عدم اتصال المعتقل بالعالم الخارجي. ومع ذلك يجوز لموظف قضائي أن يرفض منح الحق في إجراء مكالمة هاتفية إذا اعتبر ذلك بأنه يمس بمجرى التحقيق، شريطة موافقة النائب العام على ذلك. وتشير بعض الحالات التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية إلى أنه لم يتم دائماً التمسك بهذا الحق، حتى عندما لا يكون هناك إمكانية للمساس بالتحقيق. ففي يوليو/تموز 2001، مثلاً، اقتيد قاصر عمره 16 عاماً واسمه ياسين (5-4)، أخفت منظمة العفو الدولية الاسم الكامل في هذه القضية، إلى مركز الشرطة أسنيير في منطقة باريس. وعلى نحو مخالف للقانون، لم يتم إبلاغ والدته فوراً بأنه محتجز في مركز الشرطة، رغم أن ياسين طلب إبلاغها.

    وفي 11 مارس/آذار 2003، أُرسل تعميم وزاري إلى مقر قيادة الشرطة الوطنية والدرك الوطني وإلى رئيس شرطة باريس، يتعلق بتحسين الأوضاع الفعلية لحجز الشرطة. وأشار تعميم وزارة الداخلية إلى أن عمليات التفتيش الجسدي يجب أن تكون استثناءً ودعا من جملة أمور إلى تعزيز حق المعتقلين في إجراء مكالمات هاتفية واتصالات سرية مع المحامين، فضلاً عن تقديم وجبات ساخنة إلى المعتقلين. ووُجهت انتقادات لممارسة تقييد المعتقلين بمشعاع الحرارة. وفي التقرير المذكور أعلاه، حثت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب الحكومة على إيلاء أولوية قصوى لتنفيذ التعميم. بيد أنه تجدر الملاحظة بأن هذا التعميم لم يشر إلى مشاكل العنف الذي تمارسه الشرطة ولم يتطرق إلى وجود عقوبات تأديبية لأفراد الشرطة الذين لم يحترموا القواعد التي تنظم حجز الشرطة. ويوحي استمرار مزاعم إساءة المعاملة في حجز الشرطة، مثل تلك التي صدرت عن المحامي أليكس أوروسوليه، الذي أصرَّ على أنه تعرض لسوء المعاملة في حجز الشرطة وقُيِّد بمشعاع، بأن "روح" التعميم لم تحترم بعد بالضرورة.

    وقُبض على أليكس أورسوليه، وهو محام م مارتينيك، في يناير/كانون الثاني 2005، في هذه الحالة نتيجة حادث مروري. وزعم أنه تم تقييده بمشعاع بينما كان في الحجز في مركز شرطة ريفولي في باريس. ووجه تهم التوقيف التعسفي والاعتداء والتمييز العنصري والسلوك المهين إلى الشرطة. وبعث رئيس نقابة محامي باريس المحامي جون – ماري بورغوبورو برسالة إلى وزير الداخلية حول هذه القضية أشار فيها إلى "تجاوزات السلطة" من جانب الشرطة وأنباء السلوك العنصري. وعند كتابة هذا التقرير كانت المفتشية العامة للشرطة تجري تحقيقاً داخلياً.

    وإن قلق منظمة العفو الدولية إزاء استمرار عدم احترام المبادئ التوجيهية أو القواعد الداخلية، فضلاً عن المعايير الدولية تشاطرها فيه المنظمات غير الحكومية مثل حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب. ونتيجة للتوترات ذاتها التي غالباً ما أدت إلى وجود المعتقلين في مراكز الشرطة أساساً، فقد يعاملهم أفراد الشرطة بالريبة، وفضلاً عن رفض أفراد الشرطة السماح لهم بالخضوع لفحص طبي، أو الاتصال بأقربائهم في بعض الحالات، فقد لا يحيطونهم علماً بحقوقهم الكاملة أو ربما لا يعبئون بشكل صحيح أو كامل التقارير التي يجب أن يعدوها بالنسبة لكل عملية حجز لدى الشرطة. وأفراد الشرطة ملزمون بالاحتفاظ بمحضر للحجز يتضمن معلومات حول الأوضاع في حجز الشرطة : مثلاً، المدة الكاملة لحجز الشرطة؛ وطول فترات الاستجواب؛ وأوقات الاستراحة؛ وساعات الطعام الخ. ويجب أن يوقع على محضر الحجز الشخص المحتجز لدى الشرطة قبل إنهائه. بيد أن هذا المحضر لن يشكل بالضرورة وصفاً كاملاً للحقائق ذات الصلة وقد يشعر المعتقلون المتحرقون للإفراج عنهم من حجز الشرطة بإغراء الموافقة عليه بدون قراءته بشكل صحيح أو يتم تهديدهم بإطالة أمد حجزهم لدى الشرطة إذا أبدوا علامات على رفض التوقيع عليه.

    والتقاعس عن إدارة حجز الشرطة على الوجه الصحيح، إما نتيجة للامبالاة أو سوء النية يمكن أن يؤدي إلى أوضاع الإفلات من العقاب. وغياب التقرير الطبي، إذا تعرض المعتقل للإصابة خلال التوقيف أو بعده؛ وعدم الوصف الكافي في المحضر للأوضاع التي تم فيها تنفيذ الحجز لدى الشرطة، وإغفال التجاوزات المحتملة؛ وممانعة بعض أفراد الشرطة في تسجيل شكوى ضد زملائهم يتقدم بها ضحية عنف الشرطة أو تقديم شكوى مضادة ضد شخص يحاول تسجيل مثل هذه الشكوى؛ وعرقلة عمل محام يحاول أداء واجبه المهني، هي كلها من جملة العوامل التي تسهم في عرقلة التحقيق القضائي منذ البداية، وتزيد من صعوبة إقامة العدل عملياً وليس من حيث المبدأ.

    3.2 الصلاحيات الاستنسابية للنائب العام
    ما برحت منظمة العفو الدولية على مدى سنوات تشعر بالقلق إزاء السلطة الممنوحة إلى أعضاء النيابة العامة لتقرير ما إذا كانوا سيتابعون الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، وممانعتهم في المقاضاة في عدد من هذه الحالات. كذلك أعربت الهيئات المشرفة على تنفيذ المعاهدات الدولية عن قلقها إزاء إجراءات التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون. وما زالت بواعث القلق المعبر عنها أو التوصيات المقدمة إلى فرنسا حول هذه القضية من جانب لجنة حقوق الإنسان في العام 1997 أو لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998 قائمة (المرة الأخيرة التي مثلت فيها فرنسا أمام أي من هاتين اللجنتين).

    وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها إزاء :
    "إجراءات التحقيق الحالية في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الشرطة. كذلك يساورها القلق إزاء تقاعس أعضاء النيابة أو ممانعتهم في تطبيق القانون المتعلق بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالموظفين المكلفين بإنفاذ القانون..." الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15.

    وفي العام 1998، أعربت لجنة مناهضة التعذيب، التي نظرت في التقرير الدوري الثاني لفرنسا حول تقيدها باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره

    من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أعربت عن قلقها إزاء نظام "مدى ملاءة المقاضاة" الذي على حد قول لجنة مناهضة التعذيب ترك "لأعضاء النيابة العامة حرية تقرير عدم مقاضاة مرتكبي أفعال التعذيب أو حتى إصدار أمر بإجراء تحقيق، وهذا ما يتعارض بوضوح مع نصوص المادة 12 من الاتفاقية". وحثت لجنة مناهضة التعذيب الدولة الطرف على "إيلاء أقصى حد من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة، بهدف الإيعاز بإجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها الذنب، توقيع العقوبات المناسبة". كما حثت فرنسا على إلغاء النظام الحالي "لمدى ملاءمة المقاضاة"، وبذلك تبدد "كافة الشكوك المتعلقة بواجب السلطات المختصة في إجراء تحقيقات حيادية بصورة منهجية وبمبادرة منها في جميع الحالات التي تتوافر فيها أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن فعل تعذيب قد ارتُكب..." الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب؛ فرنسا، UN Doc A/53/44، 27 مايو/أيار 1998 (التي يشار إليها فيما يلي : بالملاحظات الختامية لـ ل. م.ت.)، الفقرات 143(ب) و146 و147 على التوالي. وهذه هي الملاحظات الختامية الأحدث عهداً للجهة القضاء على التعذيب فيما يتعلق بفرنسا التي من المقرر أن تمثل مرة أخرى أمام لجنة مناهضة التعذيب في العام 2005. بيد أن نظام "مدى ملاءة المقاضاة" ما زال يُطبَّق.

    وفي قضية ما زالت عالقة أمام المحاكم وتوضح قضايا أخرى عديدة حتى اليوم، قرر كريم لطيفي (5-5) متابعة شكواه بواسطة إجراء تقديم مذكرة دعوى مباشرة. وفعل ذلك بعدما قرر النائب العام إقفال الشكوى، رغم وجود أدلة كثيرة على عنف الشرطة وحقيقة أن أفراد الشرطة قد جرى تأديبهم. وإزاء التقاعس المتواصل لأعضاء النيابة عن المتابعة الفعالة لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، غالباً ما قدم الضحايا أو عائلاتهم أو الجماعات المؤيدة لهم شكاويهم بأنفسهم لدى قاضي التحقيق. وهذا كما أوضحنا أعلاه، يسمح لهم بأن يكونوا طرفاً في الإجراءات وفي بعض الحالات كانت هذه المشاركة حاسمة في إعداد قضية الادعاء. وفي حكم صادر في العام 2004 (تحت الفقرة 4)، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في الحالات الخطيرة للانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، مثل الوفاة في الحجز، ينبغي للتحقيق الفعال أن يحيط تلقائياً وتباعاً أفراد عائلة الشركاء المعنيين بالمعلومات المتعلقة بالإجراءات القانونية من دون أن يضطروا للانضمام إلى العملية كطرف مدني. ولم تتبع السلطات الفرنسية حتى الآن هذه الممارسة.

    وفي عدد من الحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، والتي تتعلق بعمليات إطلاق نار مميتة من جانب الشرطة أو بحالات وفاة في حجز الشرطة، لعب أعضاء النيابة العامة في الواقع دور مستشار الدفاع، غالباً عند أدائهم لعملهم كأعضاء في النيابة أمام المحاكم الجنائية الابتدائية. بيد أن أعضاء النيابة العامة في المحاكم الإصلاحية عملوا أيضاً بصورة فعلية نيابة عن فريق الدفاع عن الشرطة. وفي قضية إساءة معاملة ياسين التي ما زالت مفتوحة، والتي خلصت المحكمة الإصلاحية إلى أنها تضمنت أفعال عنف من جانب الشرطة "تتجاوز كثيراً الاستخدام المعقول للقوة"، طلب وكيل النيابة مع ذلك تبرئة ساحة أفراد الشرطة (5-4). وبموجب نظام القضاء التحقيقي، فإن وكيل النيابة ملزم بعرض وجهة نظر الدولة، وليس الطرف المدني في المقاضاة. ومع ذلك، فإنه لمما يثير القلق إنه حتى في بعض الحالات الخطيرة للغاية والخلافية المتعلقة بعنف الشرطة، تخلى أعضاء النيابة عن دور المقاضاة كلياً وأدوا فعلياً دور الدفاع، وبالتالي تركوا المقاضاة كلياً بيدي المحامي الذي ينوب عن العائلة أو الطرف المدني.

    ومن الأمثلة الماضية الملفتة جداً على هذه الظاهرة قضايا مثل قضية تودور بوغدانوفيتش (3-1) التي علق فيها مراقب المحاكمة نيابة عن منظمة العفو الدولية قائلاً إن قرار وكيل النيابة بأداء دور الدفاع سهَّل جداً حجة الشرطي وجعل مهمة الأطراف المدنية والمحامي الذي يمثل العائلة "صعبة للغاية". ومرة أخرى في قضية إيتيان لوبورنيو (3-2)، تُرك الدور الفعلي للنيابة إلى قسم في محكمة الاستئناف، بينما ذهب وكيل النيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية إلى حد القول إن قتل الشرطة لسائق سيارة الأجرة يبرره "الموقف الانتحاري" لذلك السائق – وهي حجة تثير الدهشة في الملابسات المحيطة بالقضية وظلم تضاعفه حقيقة أنه لا يمكن تقديم استئناف لحكم المحكمة الجنائية الابتدائية. ورغم أن عمليات الاستئناف لأحكام المحاكم الجنائية الابتدائية يُسمح بها الآن، إلا أنها تخضع لاستنساب النائب العام. وفي قضية وفاة محمد علي سعود (4-2) التي تبت فيها الآن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تقاعس وكيل النيابة عن إخطار قاضي التحقيق الذي بناء على ذلك، لم يفتح تحقيقاً إلا بعد مضي شهرين على حدوث الوفاة. وفي قضية وفاة رياض حملاوي (3-5) الذي كان جالساً وهو أعزل في سيارة، أُردي بالرصاص من مسافة قريبة من جانب شرطي في العام 2002، قررت النيابة العامة عدم استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية الذي انتقده وزير سابق في الحكومة الفرنسية بقوله إنه لا يحتمل أن يوحي بالثقة في نظام القضاء الفرنسي. واتُخذ هذا القرار بعدم متابعة القضية رغم حقيقة أن وكيل نيابة يعمل بصفة وكيل نيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية، طلب إنزال عقوبة السجن لمدة ست سنوات لكي تعكس خطورة الجريمة التي اعتقد أنها وقعت نتيجة قرار متعمد.

    وفي التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2000، أشارت المنظمة إلى ممانعة المحاكم في إدانة أفراد الشرطة على جرائم العنف أو القوة المفرطة، أو تأييد الأحكام التي حاولت أن تعكس خطورة الجريمة. و"في بعض الحالات" علقت قائلة إن "أعضاء النيابة يؤدون كما يبدو دوراً نشطاً في استمرار ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب عندما يتعلق الأمر بأفراد الشرطة." وحتى اليوم يظل هذا الأمر يشكل مصدر قلق حقيقياً.

    4.2 عمليات التأخير في الإجراءات القضائية
    ينص القانون الدولي على إجراء تحقيق دون إبطاء في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن : "تضمن كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملاً من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية." وينبغي المباشرة بالإجراءات الجنائية وإتمامها في غضون مدة زمنية معقولة، كحق للمتهم، انظر مثلاً المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكجزء من الحق في "سبيل انتصاف فعال" للأشخاص الذين انتهكت حقوقهم، انظر مثلاً المادة 2(3) من العهد المذكور.

    وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها "إزاء عمليات التأخير والطول غير المعقول للإجراءات القضائية في التحقيق والمقاضاة على الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المتعلقة بالموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين". الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15. ويوضح عدد من القضايا التي عملت منظمة العفو الدولية بشأنها المشكلة الحقيقية لعمليات التأخير الطويلة والتقاعس عن توخي اليقظة الواجبة في الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بشكاوى ضد الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.

    ومن هذه الحالات تلك المتعلقة بلوسيان دجوسوفي، وهو مواطن من بنين قامت منظمة العفو الدولية بحملة نيابة عنه. وأدين شرطيان فرنسيان في العام 1996 باستخدام العنف غير القانوني وبإصابته بجروح، وصدر على كل منهما حكم بالسجن لمدة 18 شهراً مع وقف التنفيذ وأُمرا بدفع تعويضات. بيد أن منظمة العفو الدولية تشعر بقلق شديد من أن التحقيق والمحاكمة استغرقا خمس سنوات وأربعة أشهر قبل اختتامهما. وقال المحامي الذي راقب الإجراءات القضائية نيابة عن منظمة العفو الدولية إنه لا يعتبر التفسيرات التي قدمها المدعي الخاص لتبرير طول الإجراءات القضائية مقنعة.

    وهناك قضية أخرى كهذه هي قضية مراد تشير، وهو شاب من أصل جزائري أُصيب بطلق ناري قاتل في ظهره في سان-فون، بالقرب من ليون، وأردي مراد تشير الذي كان أعزل بالرصاص في العام 1993، بينما كان يحاول الإفلات من حجز الشرطة. واتسمت القضية بتجاوزات إجرائية وعمليات تأخير مستمرة. ولم توجه تهمة رسمية إلى الشرطي الذي أطلق الرصاصات القاتلة إلا بعد تقديم شكوى من جانب الطرف المدني – وبعبارة أخرى، إلى أن أخذت العائلة زمام المبادرة في التحرك. ولم يتم تمثيل وقائع عملية إطلاق النار إلا بعد مضي عامين على وفاة الضحية. وفي العام 1998 حُكم على شرطي بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ.

    وتوضح بعض الحالات المبينة أدناه هذا الوجه للإفلات الفعلي من العقاب. ففي 25 مارس/آذار 1998، وقبل الحكم الصادر في يوليو/تموز 1999 عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية أحمد سلموني (5-2)، تبين للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في قضية سلموني، انتهكت فرنسا المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بإجراء محاكمة عادلة خلال فترة زمنية معقولة. ووفقاً للجنة، تتضمن معايير تقدير "الوقت المعقول":

  • مدى تعقيد القضية؛

  • سلوك أطراف القضية؛

  • سلوك السلطات.


  • وتبين للجنة أنه رغم بدء تحقيق في مزاعم أحمد سلموني في مارس/آذار 1993 – لكن فقط بعد أن أصبح المدعي طرفاً مدنياً في القضية – لم يخضع أفراد الشرطة للتحقيق من جانب قاض للتحقيق حتى العام 1997، وأن التحقيق القضائي ظل مستمراً بعد مرور أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر على المباشرة فيه، رغم حقيقة أن القضية، رغم خطورتها الشديدة، لم تكن معقدة جداً. وأضافت اللجنة أنه نظراً لخطورة المزاعم، والفترة الزمنية الطويلة التي مضت على وقوع الأحداث، تقاعست السلطات عن توخي اليقظة اللازمة لما فيه مصلحة إجراء تحقيق سريع.

    وكانت قضيتا يوسف خايف (قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهتش (وفاة في الحجز) من جملة قضايا أخرى توضح هذا التقاعس بشكل ملفت. فقضية يوسف خايف الذي توفي في العام 1999 احتاجت إلى 10 سنوات لكي تصل إلى المحكمة. وبالمثل فإن قضية عيسى إهتش (4-1) الذي توفي في العام 1991 استغرق وصولها إلى المحكمة 10 سنوات. والانتظار هذا الوقت الطويل جداً لتسوية القضايا ليس مشكلة حقيقية للعائلات والأقرباء وحسب، بل يمكن أيضاً أن يزيد من الإجهاد الذي يتعرض له أفراد الشرطة المعنيين.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء الوجود الفعلي لنظام "بسرعتين" للتعامل مع الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بأفراد الشرطة. ومن الحالات التي توضح هذه المشكلة حالة عمر بهاء (5-7). ففي فبراير/شباط 2003 رفضت المحكمة الإصلاحية في باريس تهماً وجهها إليه أفراد الشرطة الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2002 "بمقاومة الاعتقال"، و"السلوك المهين" و"التحريض على الشغب" – والأخيرة تهمة ليست موجودة في قانون العقوبات الفرنسي، لكنها استُخدمت لتبرير تمديد حجزه لدى الشرطة. بيد أن عمر بهاء قدَّم أيضاً شكوى حول إساءة المعاملة ضد أفراد الشرطة الوطنية. وعند كتابة هذا التقرير، كانت الدعوى التي رفعها عمر بهاء ضد أفراد الشرطة ما زالت قيد الدرس بعد مضي عامين على النظر في الدعوى التي رفعها الشرطي ضده وتسويتها.

    5.2 الأحكام الاسمية أو "العقوبات الرمزية"
    إلى جانب عدد من أحكام البراءة الخلافية جداً في قضايا تتعلق برجال الشرطة، هناك عامل آخر يسهم في نشوء ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب هو نمط الأحكام الرمزية. فغالباً ما يطلب أعضاء النيابة إصدار عقوبات رمزية وترضخ المحاكم لطلبهم، رغم خطورة الجرم. وفي العام 1997، وفيما يتعلق بدولة أخرى في أوروبا الغربية، أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء توقيع "عقوبات رمزية، لا تتضمن حتى قضاء فترة في السجن" في قضايا اتُهم فيها موظفون رسميون بارتكاب أفعال تعذيب. الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب : أسبانيا .UNDoc.A/53/44، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، الفقرة 128. وفقاً للجنة مناهضة التعذيب فإن "الأحكام التي تُفرض على الموظفين الرسميين المتهمين بممارسة التعذيب، والتي غالباً ما تتضمن عقوبات رمزية، لا تنطوي حتى على قضاء فترة في السجن، تشير كما يبدو إلى درجة من التسامح تجرد العقوبة الجنائية من الأثر الرادع والاتعاظي الذي يجب أن يرتبط بها ..." المصدر آنف الذكر. وشعرت لجنة مناهضة التعذيب أن زيادة قسوة العقوبات تساعد في القضاء على ممارسة التعذيب. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن بواعث قلق مشابهة تنطبق على فرنسا اليوم، في كل من حالات التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام غير القانوني والمفرط للقوة المؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بجروح.

    وفي معظم حالات إطلاق النار المميت التي صدرت فيها إدانات، نادراً ما تجاوزت العقوبات عقوبة السجن مع وقف التنفيذ. ورغم أننا سمعنا عن شرطي يقتل متهماً في حادثة إطلاق نار ويتلقى عقوبة بالسجن طويلة نسبياً، إلا أن ذلك أمر غير معتاد وتستلزم الملابسات توافر أدلة على أن الشرطي تصرف بطريقة صارخة بشكل استثنائي، أو أنه أُدين سابقاً أو لديه سجل تأديبي يلطخ سمعته. وفي ديسمبر/كانون الأول 1997، أُردي فابريس فرنانديز بالرصاص من جانب شرطي أثناء استجوابه وهو مكبل اليدين في مركز للشرطة. وحُكم على الشرطي، الذي أُوقف سابقاً عن الخدمة في الشرطة بتهمة الاعتداء، بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة القتل في ديسمبر/كانون الأول 1999. وفي أغسطس/آب 1998، أُردي إريك بن فاطمة الذي كان يتسول للحصول على السجائر من جانب شرطي أطلق عليه النار أربع مرات بينما كان يطارده في الشارع. والشرطي الذي صوره وكيل النيابة والدفاع بأنه "شرطي طيب" لكنه يعاني من أزمة عصبية، أدين بالتهمة ذاتها وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات في يونيو/حزيران 2000. لكن في معظم الحالات، سعى أعضاء النيابة والقضاة – وفي حالة المحاكم الجنائية الابتدائية – هيئة المحلفين، جاهدين لتفادي صدور حكم فعلي بالسجن. وبموجب المادة 734 من قانون الإجراءات العقابية، يجوز للقاضي أن يأخذ بعين الاعتبار سجل الخدمة الجيد وغيره من العوامل، مثل الندم أو الاعتراف بالذنب، لكنه ليس ملزماً بإبداء أسباب قراره عند إصداره عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ. وعملياً فإن أفراد الشرطة الذين أدينوا بالقتل غير القانوني للمتهم استفادوا دائماً من وقف تنفيذ العقوبة بموجب المادة 734. ويتعلق القسم الأكبر من الحالات الموثقة في هذا التقرير إما بأحكام براءة مثيرة للجدل أو بعقوبات رمزية، حتى عندما اعترفت المحكمة أن القضية خطيرة للغاية.

    رشيد أردجوني، فتى عمره 17 عاماً من أصل جزائري أُطلقت عليه النار في مؤخر رأسه وسقط صريعاً في إبريل/نيسان 1993. وأُدين الشرطي بالقتل العمد وحُكم عليه بالسجن لمدة 24 شهراً مع وقف تنفيذ 16 شهراً منها. وفي مايو/أيار 1996 خفضت محكمة استئناف دواي الحكم، رغم أن الشرطي كان مخموراً (انظر التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية بين الأعوام 1994 و1997). وزادت المحكمة فترة وقف التنفيذ من 16 شهراً إلى 18 شهراً وخفضت الأضرار والتعويضات المالية الممنوحة إلى عائلة الفقيد. حتى أن المحكمة نقضت قرار المحكمة الإصلاحية بتدوين الإدانة في السجل الجنائي للشرطي. وهذا يعني أنه يمكن للشرطي مواصلة الخدمة في قوات الشرطة وحمل سلاح.

    ومنذ ذلك الوقت، لا يبدو أنه حصل تغيير يذكر في نمط الأحكام الرمزية. وتشمل الأمثلة الأخرى قضية قاصر أعزل اسمه حبيب ولد محمد (3-4) أردي بالرصاص في ديسمبر/كانون الأول 1998 وتُرك على قارعة الطريق، وأشارت المحكمة إلى الحادثة على أنها "سلسلة مذهلة من الأخطاء المهنية المتهورة والخرقاء" التي ارتكبها الشرطي الذي تقاعس عن الإبلاغ، كما يجب، بأنه أطلق النار من سلاحه. بيد أنه لم يُحكم على الشرطي إلا بعقوبة السجن مع وقف التنفيذ. وفي قضية رياض حملاوي (3-5) الذي أرداه شرطي بالرصاص في العام 2000، جادلت المحكمة بالقول إنه رغم خطورة الجريمة، إلا أنه لا فائدة من سجن الشرطي وأن تصرفه يُعزى إلى التدريب "الرديء". وصدرت على الشرطي عقوبة مع وقف التنفيذ.

    6.2 الدور الإشكالي للمحاكم الجنائية الابتدائية
    حتى فترة حديثة، أصدرت المحاكم الجنائية الابتدائية المؤلفة من ثلاثة قضاة (’المحكمة‘) وهيئة محلفين تضم ما بين تسعة واثني عشر مواطناً فرنسياً، أحكاماً في قضايا جنائية خطيرة نسبياً أحالتها إليها شعبة الاتهام، وهي قسم في المحكمة يقرر وضع القضية – ما إذا كان سيتم المباشرة فيها، وإذا كان الأمر كذلك، يحدد المحكمة التي ستتولى المحاكمة فيها. وبينما كان هناك حق في استئناف قرارات المحكمة الإصلاحية التي تبت في جرائم أو مخالفات أقل خطورة وليس فيها هيئة محلفين، فإنه لا يتوافر مثل هذا الحق في المحاكم الجنائية الابتدائية التي تبت بالقضايا كمحكمة ابتدائية ونهائية. (والطريقة الوحيدة للاعتراض على قرارات المحاكم الجنائية الابتدائية هي رفع طلب نقض أمام الشعبة الجنائية التابعة لمحكمة النقض. ولكن هذه الشعبة لن تنظر إلا في المسائل القانونية والإجرائية، وليس في وقائع القضية، وبالتالي تحد بصرامة من إمكانيات الاستئناف).

    والأساس المنطقي العام لغياب آلية كاملة للاستئناف يكمن في الاعتقاد بأنه لا يجوز استئناف الحكم الصادر عن هيئة المحلفين لأن الشعب هو السيد، وبالتالي معصوم عن الخطأ. بيد أن عدم توفير أية وسيلة للاستئناف، إلا بشأن الشكليات، مثل الأخطاء الإجرائية، شكل انتهاكاً واضحاً وجوهرياً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة 14(5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أنه : "لكل شخص

     

     أدين بجريمة حق اللجوء، وفقاً للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حُكم به عليه". ويوجد نص مشابه في المادة 2 من البروتوكول 7 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

    وقد تضاعفت المشكلة في حالة تشريع "مكافحة الإرهاب". فالقانون رقم 86-1020 الصادر في 9 سبتمبر/أيلول 1986 "المتعلق بمحاربة الإرهاب"، نص على أن الحالات المتعلقة "بالإرهاب" يجب أن تحال إلى المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة في باريس، التي لا توجد فيها هيئة محلفين. ويساور منظمة العفو الدولية القلق ليس فقط إزاء حقيقة أن المتهمين "بالإرهاب" حوكموا تلقائياً أمام المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة، وبالتالي لا يحق لهم تقديم استئناف، بل أيضاً لأن ضحايا أو عائلات ضحايا الجرائم الخطيرة أو التي يحتمل أن تكون خطيرة الذين فصلت المحاكم الجنائية الابتدائية في قضاياهم لا يحق لهم تقديم استئناف.

    وفي 1 يناير/كانون الثاني 2001، صدر القانون رقم 15 وتاريخ 15 يونيو/حزيران 2000 حول "افتراض البراءة" في إطار إصلاح عام ومتشعب لنظام القضاء الفرنسي. وأدخل القانون آلية إلى المحاكم الجنائية الابتدائية في محاولة لجعل فرنسا تتقيد بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ووفقاً للقانون، فإن القضية التي تبت فيها محكمة جنائية ابتدائية يمكن استئنافها أو إعادة المحاكمة فيها أمام محكمة جنائية ابتدائية أخرى، تؤدي دور استئناف وتضم ثلاثة قضاة و12 عضواً في هيئة المحلفين بدل تسعة. وأُجبرت المحكمة الأخيرة على إعادة استدعاء الشهود خلال المرافعات الشفوية.

    وهذا الإصلاح للمحاكم الجنائية الابتدائية، رغم كونه موضع ترحيب وضروري، لكنه ليس كافياً لتبديد بواعث القلق لدى منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب الذي يتمتع به الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون الذين بُرئت ساحتهم أمام المحاكم الجنائية الابتدائية التي أدت دور المحاكم الابتدائية، لأن القانون لم ينص على تقديم استئناف في حالة صدور حكم بالبراءة، كما يفعل في المحاكم الأخرى. وهذا يعني أن القضايا بالغة الخطورة مثل قضيتي تودور بوغدانوفيتش (2-3) أو إيتيان لوبورنيو (3-2)، رغم أنها انتهت بأحكام براءة خلافية للغاية، لم يكن بالإمكان استئنافها. وأثار الوضع درجة أكبر من الأسف لأن شُعب الاتهام لم ترسل إلى المحاكم الجنائية الابتدائية إلا القضايا التي تتضمن أسباباً جدية للاعتقاد بأن موظفاً مكلفاً بإنفاذ القانون قد ارتكب انتهاكاً.

    وفي العام 2002، مُنح أعضاء النيابة الحق في تقديم استئناف ضد أحكام البراءة، لكن الحق لم يوسع ليشمل الأطراف المدنية في القضية. وهكذا، فإنه في الوضع الحالي، تتوقف إمكانية تقديم الاستئناف في هذه القضايا فقط على إرادة أعضاء النيابة الذين غالباً ما اتسم دورهم حتى الآن بالغموض. وتوضح قضية رياض حملاوي (3-5) القلق المستمر الذي يساور منظمة العفو الدولية إزاء دور أعضاء النيابة العامة في هذه القضايا وعجز الأطراف المدنية عن تقديم استئناف ضد الأحكام الخلافية الصادرة في المحاكم الجنائية الابتدائية، رغم إصلاحها.

    7.2 مفهوماً "الدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"
    شأنه شأن معظم الأنظمة القانونية، ينص القانون الجنائي الفرنسي على تقديم "وسائل دفاع" أي استثناءات من التبعة الجنائية عن الأفعال التي يمكن لولا ذلك أن تكون غير قانونية، عند استيفاء شروط استثنائية محددة. وهناك دفاعان منها لهما صلة بشكل خاص في هذا السياق.

    1.7.2 "الدفاع المشروع" (الدفاع عن النفس)
    يقتضي القانون الفرنسي أنه عند استخدام القوة، يجب أن تتناسب الوسيلة مع خطورة التهديد أو الهجوم. ووفقاً للمادة 122-5 من قانون العقوبات الفرنسي، يحق قانونياً للشخص الدفاع عن نفسه أو الآخرين ضد هجوم لا مبرر له، طالما أن الفعل ضروري للدفاع عن النفس أو للدفاع عن شخص آخر ويتزامن مع الهجوم وما دام هناك
    تناسب (التشديد من عندنا) بين الوسيلة الدفاعية المستخدمة وبين خطورة الهجوم.

    كذلك فإن مبدأ التناسب مكرس بوضوح في المادة 9 من مدونة قواعد الآداب (أو مدونة قواعد السلوك) العائدة للشرطة الوطنية (المرسوم الصادر في 18 مارس/آذار 1986). فالمادة 9 من المدونة تنص على أنه : "عندما يكون مصرح قانونياً استخدام القوة، وبخاصة، استخدام الأسلحة، ينبغي على الشرطي ألا يفعل ذلك إلا عند الضرورة القصوى وبما يتناسب مع الهدف المراد تحقيقه."

    وإضافة إلى ذلك، فوفقاً للمادة 10 : "يوضع كل شخص يُقبض عليه تحت مسؤولية الشرطة وحمايتها ولا يجوز أن يتعرض لأي شكل من أشكال العنف أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة من جانب شرطي أو طرف ثالث". مدونة قواعد آداب الشرطة الوطنية، المادة 9. ويتعرض الشرطي الذي كان شاهداً على هذه الحوادث لإجراءات تأديبية إذا لم يفعل شيئاً لوقفها أو تقاعس عن لفت انتباه السلطة المختصة إليها.

    بيد أن مبدأ التناسب لم يُطبق على الأفراد العسكريين في الدرك الوطني (انظر 2-7 أدناه).

    وينص كتيب لتدريب الشرطة الفرنسية بما قل ودل على أنه : "إذا كانت هناك أدنى إمكانية أمام الشرطي لتفادي هجوم غير قانوني، بدون أن تترتب جراء ذلك عواقب خطيرة عليه وعلى الآخرين ... هجوم غير قانوني ... عليه أن يختار ذلك الحل عوضاً عن استخدام سلاحه. فمثلاً، إذا كانت سيارة تتجه قصداً نحو الشرطي ولديه الوقت والقدرة على الابتعاد عنها ... عليه أن يفعل ذلك عوضاً عن استخدام سلاحه. وحالما تمر السيارة، لا تعود معايير الدفاع المشروع قائمة، ويحظر على الشرطي استخدام السلاح". الإشارات والأساليب المهنية للتدخل – مديرية الأفراد والمعلومات في الشرطة، وزارة الداخلية وتنمية المناطق. ويتماشى هذا النص مع المعايير الدولية لاستخدام القوة عموماً والأسلحة النارية خصوصاً، من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون (انظر أدناه).

    2.7.2 "حالة الضرورة" (دفاع الضرورة)
    وفقاً للمادة 122-7 من قانون العقوبات الفرنسي :
    "لا يتحمل الشخص مسؤولية جنائية إذا قام في مواجهة خطر داهم أو وشيك عليه أو على شخص آخر أو ممتلكات، بعمل ضروري لضمان سلامة الشخص أو الممتلكات، إلا حيث تكون الوسيلة المستخدمة غير متناسبة مع خطورة التهديد".

    ويختلف هذا الدفاع عن "الدفاع المشروع" من حيث إن الخطر لا ينشأ بالضرورة عن عدوان يرتكبه طرف ثالث، بل عن مزيج من الظروف. فمثلاً، إذا اقتحم إطفائي أو شخص بصفته الخاصة، منـزلاً خاصاً لإنقاذ سكانه من الحريق، فإن "حالة الضرورة" تحميه من التبعة الجنائية للاقتحام والدخول والتسبب بضرر للممتلكا
    ت الخ.

    3.7.2 إساءة استعمال "وسائل الدفاع" هذه
    يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن وسيلتي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" قد أسيء استخدامهما على نطاق واسع في الحالات التي لجأ فيها أفراد الشرطة الفرنسية إلى العنف. واستُخدم الدفاعان بصورة شبه ثابتة من جانب أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب القتل العمد أو القتل غير العمد أو غيره من الجرائم، وقبلت بها المحاكم بصورة متكررة، حتى حين أشارت الظروف بوضوح إلى الاستخدام غير الضروري والمتهور والمفرط للقوة من جانب الشرطي.

    وانتهت بعض القضايا التي استُشهد بها في الفقرة 3 (أدناه) بأحكام براءة خلافية – خلافية ليس من وجهة نظر المحامين أو مجموعات حقوق الإنسان أو أقرباء الأشخاص المعنيين فقط، بل أيضاً من حيث إن المحاكم أصدرت أحكاماً مختلفة في جميع مراحل العملية القضائية. ومن المسائل المحورية في هذه القضايا المسألة المتعلقة بتفسير مقولات "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" والذي أدى إلى استخدام بعض الحجج الغريبة لمصلحة أفراد الشرطة المعنيين وإلى إعطاء أفراد الشرطة قرينة الشك الكبير في أغلب الأحيان. فقد جادل أعضاء النيابة العامة، مثلاً، بأن الضحية أبدى موقفاً "انتحارياً" (انظر قضية إيتيان لوبورنيو)؛ أو إن إدانة الشرطي "تنفي معنى" فعله (تودور بوغدانوفيتش). وترد أدناه أمثلة أخرى. ومن ضمنها قضية محمد علي سعود الذي توفي من الاختناق البطيء بينما كان أفراد الشرطة ممسكين

     به وهو مقيد. وفي هذه الحالة جادلت المحكمة بأن الشرطة تصرفت من منطلق "الدفاع المشروع"، وأنه لا وجه لإقامة دعوى ضد الشرطة، رغم حقيقة أن الوفاة حدثت دون جدال بعد مضي 15 دقيقة أو أكثر على تقييد الضحية وتكبيل يديه وساقيه، ومع ذلك ظل يتعرض لضغوط التقييد من جانب أفراد الشرطة والتي أدت إلى اختناقه حتى الموت.

    8.2 استخدام الأسلحة من جانب الدرك
    ما برحت بواعث قلق جدية وقائمة منذ زمن طويل تساور منظمة العفو الدولية إزاء استمرار استخدام أفراد الدرك الوطني لصلاحيات خاصة تتعلق باستخدام الأسلحة النارية. مذكرة منظمة العفو الدولية إلى لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998، فرنسا : القوة المفرطة : ملخص لبواعث قلق منظمة العفو الدولية حول عمليات إطلاق النار وسوء المعاملة (رقم الوثيقة : EUR 21/05/98) أشارت إلى هذا القلق الذي شاطرتنا فيه لجنة حقوق الإنسان.

    وهذه الصلاحيات التي مُنحت بمرسوم صدر في 20 مايو/أيار 1903 وعُدلت بمرسوم وقانون في العام 1943 في عهد حكومة فيشي ولم تتغير منذ ذلك الحين، مكنت الدرك تقليدياً من استخدام الأسلحة النارية من دون القيود المفروضة على أفراد الشرطة، في انتهاك واضح للمعايير الدولية الخاصة باستخدام الأسلحة النارية. وفي حين أن أفراد الشرطة ملزمون بالتقيد بالنصوص القانونية الخاصة "بالدفاع المشروع"، فإن الدرك تمتعوا بصلاحيات إيقاف المتهمين الهاربين أو الفارين بإطلاق النار عليهم، ما دام أفراد الدرك المعنيون يرتدون بزات رسمية ويعطون إشارة تحذير أولاً، مثل إطلاق النار في الهواء. وفعلياً، فإن حرية التصرف الممنوحة إلى الدرك في هذه المسألة سمحت لهم بإطلاق نيران أسلحتهم بدرجة من الخوف من الانتقام القانوني أقل من تلك التي يشعر بها أفراد الشرطة المدنية.

    فمثلاً في نوفمبر/تشرين الثاني 1997، بعد مضي أربع سنوات على مقتل مهندس شاب اسمه فرانك موريه في يوليو/تموز 1993، برأت المحكمة الإصلاحية في فالانس (دروم) دركي أطلق النار على مؤخر رأس المهندس بينما كان يحاول الانطلاق بسيارته وذلك على أساس أنه استخدم سلاحه بصورة قانونية. وفي العام 1998، نقضت محكمة الاستئناف في غرينوبل (إزير) حكم البراءة هذا. وصرحت المحكمة بأنه : "لا يجوز اعتبار التفويض الذي يمنحه القانون أو الأنظمة للأفراد العسكريين في الدرك باستخدام أسلحتهم لشل حركة السيارات تفويضاً مطلقاً وغير محدود يعفي الشرطي من الواجب العام، فإن لم يكن للتصرف وفق مبدأ التناسب ... فعلى الأقل للقيام بعمل يتسم بالحذر والحد الأدنى من المهارة". محكمة الاستئناف في غرينويل، 26 يوليو/تموز، النقض رقم 886/جي جيه. بيد أن محكمة النقص نقضت مرة أخرى هذا الحكم في يناير/كانون الثاني 2000 عند قضت بأن الدركي تصرف في حدود القانون (مرسوم العام 1903).

    وفي العام 1997، صرحت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنها "تشعر بالقلق من أن صلاحيات الدرك الوطني، الذي هو أساساً فرقة عسكرية، عندما تعمل في وضع مدني للحفاظ على الأمن، أوسع من صلاحيات الشرطة. وتوصي اللجنة بأن تنظر الدولة الطرف في إلغاء المرسوم الصادر في 22 يوليو/تموز 1943 أو تعديله لتقليص صلاحيات الدرك عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسلحة النارية في أوضاع الحفاظ على النظام العام، بحيث تنسجم مع تلك التي تتمتع بها الشرطة".

    وقاومت الحكومة الفرنسية بحزم القيام بأي شيء كهذا. بيد أن الوضع قد يتغير بسبب قرار حديث اتخذته محكمة النقض وقضى أن مرسوم العام 1903 لم يعد بالإمكان الدفاع عنه. ووفقاً للأنباء، أردي روموالد لافروي بالرصاص من جانب دركي بينما كان يقود سيارة غير مؤمنة في العام 1996. وكان يحاول تفادي حاجز على الطريق. وواجه الدركي تهمة القتل غير العمد، ولكن في العام 2001 برأت محكمة الاستئناف في كايين (كالفادوس) ساحته على أساس أن المرسوم 1903 سمح له بإطلاق الطلقة المميتة. لذا، لا يحق للعائلة أي تعويض. وأُحيلت القضية إلى محكمة النقض التي بدا أنها بنت قرارها على قانون القضايا الدولي، على حكم صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. إذ قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العام 1995 بأن حكومة المملكة المتحدة انتهكت الحق الأساسي في الحياة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عندما قتل موظفوها ثلاثة أعضاء عزل في الجيش الجمهوري الأيرلندي في العام 1998(؟) في جبل طارق. وصرحت المحكمة أن عمليات القتل كانت غير ضرورية. وأشارت إلى أنها "غير مقتنعة بأن قتل ثلاثة إرهابيين شكل استخداماً للقوة لم يتجاوز ما هو ضروري تماماً للدفاع عن الناس ضد العنف غير القانوني". وأنه لم يتم توخي الحذر المناسب في السيطرة على عملية الاعتقال وتنظيمها"، قضية مكَّان وآخرين ضد المملكة المتحدة السلسلة أ، رقم 324، الحكم الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 1995، الفقرتان 213 و212 على التوالي.

    9.2 مشكلة تحديد الهوية
    يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء القضايا التي تنتهي بأحكام براءة، أو بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد أفراد الشرطة بسبب صعوبة تحديد الهوية. ومشكلة تحديد هوية أفراد الشرطة الذين ربما تورطوا في انتهاك حقوق الإنسان تنشأ أساساً عندما لا يكون لدى ضحية مزعوم لانتهاكات الشرطة شهود مستقلون عن أفراد الشرطة؛ وعندما يرفض أفراد الشرطة أن يشهدوا ضد زملائهم أو عندما لا يطلب القائمون على التحقيق من أفراد الشرطة الإدلاء بشهاداتهم. كما تنشأ المشكلة بوضوح عندما يرتدي أفراد الشرطة ملابس مدنية وقد لا يرتدون رباط على الذراع أو ربما لا يضعون أرقاماً محددة بوضوح على لباسهم.

    وفي يناير/كانون الثاني 2005 أغلقت محكمة الاستئناف في باريس تحقيقاً في إقدام الشرطة على إساءة معاملة عبد الحميد هيشور وعبد الصمد أيادي في لاي – ليه – روز في 30 سبتمبر/أيلول 1999. وقبلت المحكمة أن العنف الذي مارسته الشرطة كان "غير قانوني" و"لا عذر له"، لكنها لم تتمكن من تحديد هوية أفراد الشرطة المسؤولين عنه من بين العديدين الذين كانوا حاضرين. ووفقاً للأنباء شاركت 25 فرقة من الشرطة في استجواب عقب حدوث سرقة ومطاردة بالسيارات. وحصلت عملية اعتقال صعبة. فقد ذكر بعض أفراد الشرطة الذين نجحوا في تقييد شابين أنه عقب حدوث ذلك، وجهت مجموعة أخرى من أفراد الشرطة (الذين لم تُكشف هويتهم) اللكمات إلى الشابين، وبخاصة إلى عبد الحميد هيشور الذي فقد وعيه. وفيما بعد عجز الضحيتان عن العمل كلياً لمدة 10 و9 أيام على التوالي. ورغم إجراء تحقيق من جانب قاضي التحقيق في كريتيّ، واجه فيه أفراد الشرطة بصورة منهجية أحد ضحايا سوء المعاملة، استحال تحديد هوية الفاعلين، ربما كما ورد بسبب العدد الكبير من أفراد الشرطة الذين شاركوا في الحادثة. لذا أُغلقت القضية في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2002، وجرى تأكيد ذلك القرار في يناير/كانون الأول 2005.

    وفي تقريرها السنوي للعام 2003 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية الشقيقين سمير ومنير حمودي، وكلاهما طالبان من أصل مغربي تعرضا للضرب المبرح على أيدي أفراد الشرطة في يوليو/تموز 2002، قبل وأثناء احتجازهما في مركز شركة سان – دنيس (سين – سان – دنيس). وأثناء احتجازهما لدى الشرطة نُقلا إلى ثلاثة مستشفيات مختلفة لمعالجة جروحهما. وأكدت المفتشية العامة للأجهزة أن أفراد الشرطة استخدموا العنف ضدهم بصورة خاطئة. وفُتح تحقيق قضائي في محكمة بوبينييه، ونقلت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن الأدلة الوثائقية إلى كل من النائب العام ووزير الداخلية. وأشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى الرد الذي تلقته من وزير الداخلية في العام 2002 والذي أفاد أنه من "السابق لأوانه" النظر في اتخاذ تدابير مسلكية، لأنه لم يتم تحديد مسؤولية شخصية محددة نظراً لعدد أفراد الشرطة الذين شاركوا في الهجمات.

    وتشدد قضية بابا تراوري (5-3) على المشكلة التي يواجهها أولئك الذين يحاولون تقديم شكوى عندما لا يوجد شهود بخلاف أفراد الشرطة وعندما لا يبدي أولئك الأفراد بدافع "التضامن"، استعداداً للشهادة ضد زملائهم. ويبدو أن هذا ما حصل أيضاً في قضية كريم لطيفي (5-4)، رغم وجود العديد من شهود العيان على الهجوم.

    ويشير التقرير الذي يحمل عنوان المواطنون – العدالة – الشرطة (المشار إليه آنفاً في هذه الفقرة)، إلى قضية اصطدم فيها رجل (لم يُذكر اسمه) في مشادة عنيفة مع عدة أفراد من الشرطة عند مغادرة مرقص في مولهاوس في 9 أغسطس/آب 2000. واقتيد الرجل الذي كان يتناول الخمر إلى مركز الشرطة. وخلال الرحلة وُجهت إليه صفعة قوية على وجهه تسببت بجروح قدَّر الأطباء أنها تحتاج إلى 27 يوماً للشفاء. وقدم الرجل شكوى. وأقرت المحكمة الإصلاحية في مولهاوس أنه تعرض لهجوم عنيف، لكنها برأت ساحة الشرطيين لأنها لم تتمكن من معرفة من منهما نفذ الهجوم.

    3. عمليات إطلاق النار المميتة التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون
    في العقد الماضي أعربت منظمة العفو الدولية بصورة متكررة عن قلقها البالغ إزاء الأنباء التي أفادت بأن أفراد الشرطة يلجئون إلى استخدام القوة بتهور وعلى نحو لا يتناسب أبداً مع الوضع. كذلك أعربت عن قلقها، كما ذُكر أعلاه، إزاء النتائج القضائية لهذه القضايا على صعيد عمليات التأخير في الإجراءات القضائية، والأحكام الرمزية وهياكل الاستئناف القاصرة بالنسبة للأطراف المدنية في القضية وإساءة استعمال "وسائل الدفاع" التي يمكن أن تعفي أفراد الشرطة من التبعة الجنائية.

    والحق في الحياة مكفول بموجب المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (لا يجوز استخدام القوة بدرجة تزيد على ما هو ضروري تماماً) والمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً) وعلاوة على ذلك، تقتضي المعايير الدولية من جميع الدول أن تضمن بأن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين :

    · "يستخدمون إلى أبعد حد ممكن وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية. وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق النتيجة المطلوبة".11
    · لا ينبغي استعمال الأسلحة النارية "إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرماً مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفاً غير كافية لكبح المشتبه به أو لإلقاء القبض عليه."12
    · إذا تعذر تفادي استخدام القوة، فإن المبدأ الخامس من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، ينص من جملة أمور على أنه يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة ما يلي :

    (أ) ممارسة ضبط النفس في استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم والهدف المشروع المراد تحقيقه،
    (ب) تقليل الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان،
    (ج) التكفل بتقديم المساعدة والإسعافات الطبية في أقرب وقت ممكن إلى الشخص المصاب أو المتضرر.

    كما تشدد المبادئ الدولية على أهمية مبدأ التناسب في تقدير ما إذا كان استخدام القوة مشروعاً ويتعذر تجنبه تماماً، من أجل حماية الأرواح. وينص المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين على أنه : "يتعين على الموظفين ... عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة" أو لمنع ارتكاب "جريمة بالغة الخطورة تنطوي على تهديد خطير للأرواح أو للقبض على شخص يمثل خطراً من هذا القبيل" وذلك "فقط عندما تكون الوسائل الأقل تطرفاً غير كافية لتحقيق هذه الأهداف". وتضيف المادة "وفي جميع الأحوال لا يجوز استخدم الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح."

    ويدعو المبدأ السابع الحكومات إلى أن تكفل : "المعاقبة على الاستخدام التعسفي للقوة أو الأسلحة النارية أو إساءة استخدامها من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين باعتبار ذلك جريمة جنائية بمقتضى قوانينها". كذلك تدعى الحكومات والهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين إلى "وضع إجراءات فعالة للإبلاغ والمراجعة" حيثما يؤدي استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين إلى إصابة أو وفاة.

    وينص المبدأ التاسع من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة13 على أن : "يجري تحقيق شامل عاجل نزيه عند كل اشتباه بحالة إعدام خارج نطاق القانون أو إعدام تعسفي أو إعدام دون محاكمة، بما في ذلك الحالات التي توحي فيها شكاوي الأقارب أو تقارير أخرى جديرة بالثقة، بحدوث وفاة غير طبيعية..." وينص المبدأ 18 على وجوب تقديم الجناة إلى العدالة. وينص المبدأ 11 على أنه حيث تكون إجراءات التحقيق المعتادة غير وافية بسبب الافتقار إلى الخبرة أو النـزاهة، أو بسبب أهمية المسألة أو حيث تقدم أسرة المجني عليه شكاوى من وجود أوجه القصور هذه أو تكون هناك أسباب جوهرية أخرى، "تواصل الحكومات التحقيق بواسطة لجنة تحقيق مستقلة".

    ويدعو المبدأ 20 إلى تقديم تعويض عادل وكاف خلال فترة معقولة إلى عائلات ومعولي ضحايا عمليات الإعدام هذه.

    ويساور منظمة العفو الدولية القلق، من جملة أشياء، إزاء التفسيرات الواسعة، وأحياناً الخيالية إلى حد ما "للدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"، وتحث السلطات على مراجعة تطبيق القانون من جانب المحاكم. وتتناول الفقرة أدناه خمس حالات من أصل عدد من الحالات الأخرى لعمليات إطلاق النار المميتة التي نظرت فيها المحاكم بين العامين 1995 و2003. وبما أن هذه الحالات حدثت قبل عدة سنوات وقد أُقفلت الآن، فمن الممكن وصف تاريخها اعتباراً من البداية وحتى النهاية؛ لكنها توضح أيضاً بواعث القلق المتواصلة. ولم يكن أي من الضحايا الذين جرى توثيق حالاتهم يحمل أسلحة نارية ولم يكن لعدد منهم أي سجل سابق لدى الشرطة.

    1.3 تودور بوغدانوفيتش
    من الأمثلة البليغة والتي أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها بشأنها في جلسة شفوية عقدتها اللجنة في العام 1997 قضية تودور بوغدانوفيتش، وهو طفل غجري من صربيا عمره ثماني سنوات أردته شرطة الحدود بالرصاص بالقرب من سوسبل (جبال الألب – البحرية) ليلة 19-20 أغسطس/آب 1995. 14 وكان تودور بوغدانوفيتش نائماً في المقعد الخلفي لإحدى السيارات التي تشكل جزءاً من قافلة قوامها 43 غجرياً حاولوا الوصول إلى فرنسا بعد الفرار من نوفي بازار. والقافلة التي كانت تتألف من أربع سيارات ومقطورتين كانت تتجه صعوداً عبر طريق جبلي ناءٍ في الظلام. وزعم شرطيا الحدود أنها عندما اقتربت من نقطة التفتيش حاولا إيقافها. وقالا إنهما كانا يرتديان زيهما الرسمي وكان هناك ضوء تحذيري في نقطة التفتيش. وعندما لم تتوقف السيارتان الأوليان – بطأتا السرعة في البداية، لكنهما ما لبثتا أن أكملتا طريقهما بسرعة، وتجنبتا سيارة الشرطة – أطلق شرطي ثلاث طلقات – واحدة على السيارة الأولى برصاصة مطاطية واثنتان على السيارة الثانية برصاص معدني، أدخلهما في البندقية نفسها التي تعمل بالدفع الخلفي عقب إطلاق الرصاصة المطاطية. وهذه البندقية من النوع الذي يحتاج إلى دفع خلفي منفصل قبل الضغط على الزناد عند إطلاق كل عيار ناري. وأصابت الرصاصتان اللتان أطلقتا على السيارة الثانية التي يقودها والد الطفل الزجاج الخلفي للسيارة من مسافة قريبة جداً، حيث اخترقتا كتف تودور بوغدانوفيتش وخرجتا من قفصه الصدري.

    وزعم أفراد عائلته أنهم لم يشاهدوا الضوء التحذيري ولا اللباس الرسمي، لكن فقط "ظلال"، وخشوا من أن يكون الرجال قطاع طرق. وزُعموا أن أضواء سيارة الشرطة كان مطفأة.

    وقدم أعضاء القافلة طلبات لجوء على الفور، لكن لم يُسمح إلا للأفراد المباشرين في العائلة بالدخول المؤقت إلى فرنسا. وفي اليوم الذي أعقب عملية القتل، طُرد بقية أعضاء القافلة، بينهم شاهد عيان واحد مهم على الأقل وربما عدد آخر من فرنسا، وبالتالي لم يتم أبداً إجراء مقابلة معهم طوال الإجراءات القضائية. وفي يونيو/حزيران 1997، قضى مجلس الدولة أن أوامر الطرد كانت غير قانونية. وبالتالي تم إلغاؤها.

    وفُتحت تحقيقات شرطية وقضائية. وزعم الشرطي المعني أنه شعر بأنه مهدد بالسيارات القادمة والتي بدا أنها تتجه نحوه بينما كان يقف على الطريق وأنه كان يتصرف دفاعاً عن النفس أو من قبيل "الدفاع المشروع". ولم يتمكن التحقيق الداخلي للشرطة الذي أجرته المفتشية العامة للشرطة الوطنية من إثبات تصرف الشرطي دفاعاً عن النفس وبحسب ما ورد خلص إلى أن الطلقتين اللتين صوبتا إلى السيارة الثانية أطلقتا قبل الأوان. كذلك نقل عن نائب وكيل النيابة في نيس قوله إن : "حجة الدفاع المشروع لا يمكن التمسك بها بدون تحفظ... ولا يمكن اعتبار الدفاع المشروع أمراً مسلماً به، بل يجب إثباته. والآن وفقاً للنتائج الأولية التي توصلت إليها المفتشية العامة للشرطة الوطنية يبدو أن الطلقات أطلقت قبل أوانها". وأُخضع الشرطي للتحقيق بتهمة القتل غير العمد وأُخلي سبيله تحت المراقبة القضائية. وقدمت عائلة بوغدانوفيتش شكوى كطرف مدني.

    بيد أنه في ديسمبر/كانون الأول 1996 قرر قاضي التحقيق رفض القضية. وبدا أن وكيل النيابة متفق مع القاضي على أن الشرطي تصرف بصورة غريزية ومن منطلق الخوف – أي أنه بعبارة أخرى خشي بشكل مشروع من أن حياته كانت في خطر من السيارات التي مرت بسرعة عبر نقطة التفتيش. وعلى الفور قدمت عائلة بوغدانوفيتش استئنافاً ضد الحكم. وأُحيلت القضية إلى شعبة الاتهام في محكمة الاستئناف في إيه – أون – بروفانس التي نقضت في ديسمبر/كانون الأول 1997 أمر إسقاط الدعوى. وقبلت المحكمة بأن مظهر الشرطيين كان يدل بوضوح على أنهما من الشرطة وقبلت بأن القافلة التي خشيت من الإعادة القسرية تعمدت مواصلة السير عبر الحاجز. بيد أن المحكمة جادلت أنه لكي يكون الشرطي قد استخدم سلاحه في دفاع مشروع، كان ينبغي أن يطلق النار بطريقة توقف السيارة الثانية قبل اجتيازها للحاجز. وعوضاً عن ذلك، أطلق النار جانبياً، من الورك ومن الخلف، فيما كانت السيارة قد اجتازت الحاجز فعلاً. كذلك ذكرت المحكمة أن الشرطي كان بحاجة إلى تشغيل آلية البندقية والضغط على الزناد في كل مرة يطلق فيها النار. ورغم أن الوقت الذي احتاجه لإطلاق كل طلقة كان قصيراً، إلا أنه قد يكون لا بل يجب أن يكون كافياً للسماح له باتخاذ قرار بعدم إطلاق النار حالما يكون أي خطر محتمل قد زال.

    وأُحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية الابتدائية في جبال الألب البحرية. وفي ديسمبر/كانون الأول 1998 برأت المحكمة الشرطي على أساس الدفاع المشروع. وطلب وكيل النيابة إنزال عقوبة اسمية على أساس أن ظروف الدفاع المشروع حُددت حالما مرت السيارة عبر الحاجز، لكن الشرطي لا يستطيع الزعم بأنه تصرف من قبيل الدفاع المشروع، بإطلاق النار، كما فعل، حالما تجاوزته السيارة. لذا، فالقضية تتعلق بالمدى.

    وأرسلت منظمة العفو الدولية محامياً لمراقبة المحاكمة. وأشار المراقب في التقرير الذي رفعه إلى المنظمة إلى "انطباعه الواضح" بأن وكيل النيابة لعب كما يبدو دور الدفاع، الأمر الذي سهَّل الدعوى كثيراً على الشرطي، ومن ناحية أخرى "زاد جداً من صعوبة" مهمة الأطراف المدنية

    والمحامي الذي يمثل عائلة بوغدانوفيتش. ولم يشر وكيل النيابة في أي وقت إلى أن الشرطي لم يكن بحاجة إلى إطلاق الرصاصة الثالثة والمميتة أو أن زميله، الشرطي الثاني، وجد أنه من غير الضروري استخدام سلاحه. وبالنسبة للسؤال المهم المتعلق با